جمعة إسقاط الديمقراطية في مصر

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) قبل أكثر من ثلاثة عقود، شاهدت في لندن بدعوة من أستاذنا د. كمال شداد متعه الله بالصحة والعافية- مسرحية أمريكية ساخرة بعنوان: ‘عد إلينا أيها الملك جورج’. وكانت رسالة المسرحية المتأثرة بأجواء ما بعد فضيحة ووترغيت وتردي الجو السياسي في عهود فورد وكارتر، أن الأمريكيين لم يعودوا قادرين على حكم أنفسهم، وأن الثورة الأمريكية كانت مضيعة للوقت. وتختتم المسرحية بأغنية تطلب فيها من الملك جورج الذي قامت عليه الثورة الأمريكية عام 1776، أن يعود مظفراً لحكم أمريكا التي تابت من إثمها في الثورة عليه.(2)في منتصف التسعينات، وزعت أحدى المنظمات السياسية الإسلامية في بريطانيا منشورات تدعو إلى مظاهرة عارمة ‘ضد الحرية والديمقراطية’ في ميدان الطرف الاغر بقلب العاصمة. وبالفعل نظمت تلك المظاهرة، ولم تكن عارمة، وانصرف منها المتظاهرون وهم يلعنون الحرية والديمقراطية اللتين لولاهما ما استطاعوا التظاهر.(3)تذكرت هاتين الواقعتين وأنا أتابع في الأيام الماضية والأدق أن يقال تتابعني- أحداث مصر المؤلمة، ومنها دعوات البعض إلى مظاهرات من أجل ‘إسقاط النظام’. وبحسب علمي فإن النظام القائم في مصر نظام ديمقراطي، يمكن تغيير أي مسؤول فيه بالانتخابات الحرة. وإسقاط النظام يعني إسقاط الديمقراطية، وإبدالها بدكتاتورية جديدة. ونتوقع قريباً أن نسمع في مصر اعتذاراً للرئيس المخلوع مبارك، ومطالبته بالعودة لحكم البلاد، مغفوراً له كل سالف ذنب.(4) في الأيام الماضية، خرج وزير الدفاع عن صمته، وتحدث لأول مرة منذ إقصاء المجلس العسكري عن السلطة باسم القوات المسلحة ككيان مستقل، وحذر من أن خلافات السياسيين تهدد أمن مصر. وعلى إثر ذلك تعاقب كبار ضباط الجيش على شاشات التلفزة وهم يفتون في كل نازلة، ويؤكدون وقوف الجيش مع الشعب. ثم أخذنا نسمع إفادات لمواطنين يقولون إنهم لا يثقون في الحكومة ولا المعارضة، وإنما يثقون في الجيش. والمعنى واضح.(5) إذا انهار النظام الديمقراطي في مصر لا سمح الله- فإن هذه لن تكون أول مرة تنهار فيها الديمقراطية في بلد عربي. فأي نظام يفقد مشروعيته إذا لم ينجح في تحقيق الأمن ويستجيب لمطالب الجماهير وحاجياتها الأساسية، وإذا وضع نفسه في صراع مع قطاعات هامة من الأمة، مما يدفع الناس للبحث عن البدائل المتاحة.(6)لا يمكن توجيه اللوم إلى المعارضة وحدها وسلوكها الانتهازي في استغلال الاضطرابات والأزمات التي تواجهها مصر للضغط على الحكومة وفرض أجندتها. فاللوم الأكبر يقع على الرئيس مرسي وحركة الإخوان، لأنه كان المتسبب في تفجر التوتر الحالي بإصدار إعلانه الدستوري المعيب الذي وجه الحكومة وأنصارها في مواجهة مع كل القوى السياسية الأخرى، وخلق حالة استقطاب كانت البلاد في غنى عنها.(7)عندما أصدر موسى إعلانه، كان التبرير هو التعجيل بتنفيذ مطالب الثورة، ومن أبرزها إنصاف ضحايا الثورة، وتسريع الانتقال الديمقراطي. ولكن ما حدث هو العكس، لأن غالبية أنصار الثورة وقفوا ضد قراراته، كما أن ضحايا كثرا وقعوا جراء الصراع الذي نتج عن تلك الإجراءات. وقد كان من أبرز نتائج الخلاف توحيد المعارضة ضد الإخوان، وتحويلهم فجأة إلى رمز لكل الأخطاء والإخفاءات التي جاءت بعد الثورة. ورغم عدم دقة هذه الاتهامات، إلا أن الجماهير كانت محتاجة إلى مشجب تعلق عليه إحباطاتها، وقد وفر لها مرسي ذلك المشجب. (8)كثير من المعارضين يتهمون الرئيس مرسي بأنه واقع في أسر تنظيم الإخوان ومرشده الذي يحكم من وراء ستار، وفي نظري أن هذه إشكالية يجب وضع حد لها بالقضاء على كل ذرائع هذه الشبهة. ولكن في تحليلي أن العكس هو الصحيح، وأن مرسي ورط الإخوان في قرارات متسرعة أصبح مفروضاً عليهم المدافعة عنها ثم عن نقيضها. فإصرار مرسي على أن كبرياءه وهيبة الرئاسة لا يسمحان بالتراجع عن القرارات الخاطئة وضع الجماعة في موضع دعم مرسي في تلك القرارات، ودفع ثمن باهظ، ثم التراجع بعد فوات الأوان، فيكون نصيبها حشفاً وسوء كيلة.(9)لب القضية هو انفراد حركة الإخوان بالاضطلاع بمهام هذه المرحلة الحرجة والدقيقة في تاريخ مصر، والتي تتشكل فيها الأسس والقواعد التي ستحكم مستقبل مصر، وفي ظل توقعات كبيرة ومطالب متزايدة لن تستطيع أي حكومة، حتى ولو أوتيت خاتم سليمان، أن تستجيب لها. ولا حل إلا بإنهاء هذه الحالة وإقامة شراكة وطنية تسع الجميع. والإخوان ينطلقون من مسلمات خاطئة، لأنهم يريدون صياغة دستور كما لو أنهم يحكمون أبداً، كما أن المواجهة مع الشعب تفرض عليهم استخدام الجيش والأمن، وكلاهما ليس تحت سيطرتهم، ولكل من هذه المؤسسات أجندتها الخاصة. وكل استقطاب يقوي الأجهزة الأمنية على حساب السلطة المنتخبة، ويقوي المعارضة سياسياً على حساب الإخوان.(10)لقد جاء الحل الآن على شكل مبادرة حزب النور التي وافقت عليها جبهة الإنقاذ المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى إدارة الأمور خلال المرحلة الانتقالية، وتشرف على الخطوات اللازمة لإقرار الدستور. وهذا المقترح مثالي من وجهة نظر الإخوان لسببين، أولهما ما سمعته من بعض المطلعين على الأمور في إطار الدفاع عن مواقف الإخوان خلال الفترة السابقة من أنهم كانوا في وضع حرج، لأن كان عليهم التوفيق بين مواقف حلفائهم السلفيين من جهة، والليبراليين من جهة أخرى. وها قد جاء الفرج لأن السلفيين انحازوا إلى المعسكر الآخر فرفع كل حرج عن الإخوان. وعلى كل إن موقف الإخوان الأول كان خطأ، وكان الأجدر بهم أن يتحالفوا مع الليبراليين من الأساس.(11)السبب الثاني والأهم هو أن الاضطلاع بمهام هذه المرحلة هو فوق طاقة أي فصيل سياسي منفرد. ومن مصلحة الإخوان أن يشاركهم الباقون العبء والمسؤولية. فإن كان هناك نجاح كان لهم نصيبهم من الفضل، وإن كان هناك فشل فيتعين على الآخرين تحمل نصيبهم من المسؤولية. وبهذا يكون الجميع رابحين. أما العناد والتمسك بسلطة كلفتها أكثر من ربحها فسيكون مدمراً على الوطن وعلى الإخوان معاً، حيث نجح مرسي في أن يجعلهم مكروهين أكثر من مبارك، وهو إنجاز عظيم في أقل من ستة أشهر! فلتكن هذه جمعة إنقاذ الديمقراطية في مصر، لا إسقاطها، وجمعة إنقاذ الإخوان من أنفسهم قبل ذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية