القطار المعطل

حجم الخط
0

عناية جابر يبدو أن حسابات الإخوان ومكتب الإرشاد والرئيس محمد مرسي التي عوّلت على تعب المصريين خصوصاً وانهم يعيشون حالة إقتصادية ومعيشية وأمنية في غاية التردي قد فشلت. وصار من الواضح أن مصر تعيش اليوم في حالة انعدام وزن حقيقية. فلا الأمن ممسوك ولا السياسة. ففي ظل انعدام الإستقرار الحالي لا تجد السلط الجديدة في ما يجري أقل من ‘مؤامرة’ و’ثورة مضادة’على حكمها الشرعي من قبل ‘مشاغبين’. في المقابل لا يرى المعارضون فيه أقل من استبداد جديد. الإخوان يتمسكون أكثر من اي يوم مضى بالسلطة التي منحتها لهم ورقة الشرعية الممنوحة عبر صناديق الإقتراع والمعارضة على أنواعها لا تنفي ذلك حتى الآن لكنها لا ترى في هذه الورقة ما يكفي لكي تعطي الحق للإخوان بالسيطرة المطلقة. ومصر بين الموقفين تتأرجح اليوم بين مظاهرات شعبية لا شك بجماهيريتها وبين قمع كلاسيكي مخلوط حسب بعض الإتهامات بقمع ميليشياوي مدني. إصرار الإخوان بحسبهم لا يستند الى المشروعية وحسب بل الى الشرعية أيضاً. ورفض المعارضة بحسبهم قائم على رفض الإستئثار وقلة الخبرة وانعدام الرؤى.وبمعزل عن الموقفين وخلفيات كل منهما فإن المعطيات والمشاهد الآتية من مصر لا تشير إلا الى حالة من الإنقسام الشديد تعتري هذا البلد العظيم والى حالة من الضياع خصوصاً. من جهة فالصندوق الانتخابي وأيا كانت نتائجه لا يعطي صاحبه، أي الرابح، صلاحيات مطلقة في حكم البلاد وفي سن دساتير لها بمعزل عن الآخرين حتى في أعرق البلاد ديمقراطية وأكثرها استقراراً فما بالك في بلاد خارجة من إنتفاضة شعبية شاركت بها قوى سياسية واجتماعية متعددة. ومن جهة ثانية فإن النتيجة الإنتخابية لا تتعدى بالواقع الصورة الفوتوغرافية الآنية لمزاج الناخبين في تلك اللحظة. وهي وإن أعطت غالبية ما في لحظتها فإن المجربين يعرفون أن هذه الصورة تنتهي ككل صورة بلحظة انتهائها فضلا عن أنها تعكس غالباً صورة لتوازن دقيق ومعقد على الحاكم أن بأخذه بعين الإعتبار دائماً. ومن هنا نشهد مبدأ التحالف الأكثري في بلاد الغرب كما نقع ايضا على مفهوم حكومات الوحدة الوطنية في لحظات الإنقسام المجتمعي العنيف أم في ظروف التوازن المتساوي تقريباً للقوى وذلك تجنباً لانشطار النسيج المجتمعي نفسه وهو الأهم.المأزق الفعلي للحكام الجدد في مصر موجود، في جزء منه على ما أظن، في هذه البقعة من السياسة. هم يظنون أن النتيجة الإنتخابية تعطي حقاً مطلقاً في فعل ما يريدون. من هنا قرروا الحكم وحدهم وسن الدستور لوحدهم وقاموا بالإستيلاء على الصلاحيات الدستورية لوحدهم وقرروا أنهم هم الثورة لوحدهم وأن القمع الذي تعرضوا له عبر العقود يعطيهم الحكم كجائزة حصلوا عليها بحق. غير أن الحكم مسألة معقدة أكثر من ذلك بقليل. فالحكم بحاجة الى برنامج حكم وهذا البرنامج بحاجة الى تحالفات سياسية موسعة تضفي هي عليه الشرعية النهائية بعد شرعية الإنتخابات.المجتمع المصري اليوم متنوع الألوان والطبقات والمذاهب بتعقد بناه وتركيباته السياسية والحزبية. المشاكل والتحديات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية كبيرة جداً هي ايضاً. وليس من مراقب عاقل يمكنه أن يعتقد بقدرة طرف واحد اليوم على الاستئثار بالحكم والنجاح بتأمين الحد الأدنى من الإستقرار خصوصاً إذا كان هذا الطرف قد جرى إنتخابه في ظروف إستثنائية ووبدون الإعلان عن برنامج أو ما شابهه للحكم. بعد سنتين على انتفاضة يناير المصرية بينت التجربة أن ما جرى لم يستطع فعلاً أن يقضي على اعقليةب الإستبداد ولغته، ‘القمعب. فالحكام الجدد لا يعرفون أن الحكم توازنات دقيقة وعلم مساومات لا علم القوة المفرطة والفرض. بعد سنتين تبين لنا وللمصريين أن الحكام الجدد لا يمتلكون رؤية سياسية ولا إقتصادية تنقذ مصر من مأزقها ذلك ان الإنتفاضة لم تحدث لكي تسقط رئيساً فقط بل منهاج حكم. فالمسؤول عن مأزق مصر لم يكن محمد حسني مبارك شخصياُ بل نظامه وطريقة حكمه، علاقاته بالخارج وباسرائيل، خياراته الاستراتيجية والإقتصادية، خياراته الإجتماعية في الداخل. فهل يحمل الإخوان أجوبة أخرى، غير أجوبة مبارك، على هذه التحديات ؟ حتى الآن وبعد سنتين على الإنتفاضة لم نسمع إلا بسياسة تعلن الإستمرار بالسير بكل ما سبق دوليا وإقليمياً وإقتصادياً. التغيير الوحيد الذي يظنه الإخوان تغييراً كبيراً هو نيتهم بحاربة الفساد والقيام بسياسة الإحسان التوزيعية الخيرية.تركيز الإخوان على الفساد يشي ربما، وإن على نحو غير مباشر، بمفهومهم للمأزق المصري. فهو بنظرهم لا يتعدى طرق توزيع المداخيل لا المداخيل نفسها. هم يظنون أن مصر قد ثارت على الفساد وعلى استبداد جماعة مبارك وحسب لا على قصور سياسات مبارك عن مواجهة المأزق المصري المتمثل خصوصاً بالسيل البشري المتدفق في ديموغرافيا مصر وأعداد الشباب الهائلة التي سدت المجتمع بمطالبها وحاجاتها غير الممكن تلبيتها من خلال الإبقاء على الخيارات السياسية الخارجية والداخلية كما هي. تحسين إعادة توزيع العائدات لم تعد تكفي لتلبية تشغيل الملايين من الشباب العاطل من العمل . وتوزيع السكر وبعض حبيبات الطحين على العائلات الفقيرة لا تشكل جواب الثورة على البطالة والجوع.مأزق مصر اليوم في خياراتها الحالية-السابقة وفي إصرار الإخوان على اختزال الألوان السياسية المصرية بلون واحد بفترة انتقالية فائقة التعقيد. والإختزالان، اغلب الظن، مترابطان. وطالما بقي هذا الإختزال مستمراً في الرؤية وفي الممارسة فإن ما تشهده اليوم ميادين مصر ليس برسم الأفول في القريب العاجل. qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية