الدافع

حجم الخط
0

حسين سليمانتستطيع أن تقول إنه لم يرها اليوم.كانت تقف عند الزاوية، رأيتها بأم عيني!لا، لم تكن هي، بل واحدة أخرى، دوما تظهر هناك، ويظن من يراها من بعيد أنها هي. لكنها ليست هي. تشبهها أليس كذلك.نعم هناك العديدات اللواتي قدمن إلينا هذه الأيام، يشبهنها ومن عمرها – وتراه ذهب الآن كي يبحث عنها بنفسه.كان الجو باردا مما جعلنا نشعل الحطب، والنار أخذت تتلألئ وتعلو.وهو ينتظرها، فكر لو أنه يفتح هاتفه النقال على الأغنية التي تحبها. ‘ضحكت تاني، نفس الضحكة وراحت ماشية’ ويرفع الصوت إلى أعلاه لعلها تسمع وتلتفت. الهواء ساكن بارد.تصور لقد سمعتُ بنفسي الأغنية قادمة من ذاك الجانب، من الحيز الآخر حتى ظننت أنها من وراء التلال، منذ زمان يعني، تعيدني إلى تلك الأماكن. حين ـ تتذكر، حين كان يزهر الربيع ونخرج إلى هذه البراري المفتوحة التي عمروها فيما بعد بالمساكن والمنشآت، ثم لسبب لا أعرفه الآن أخذوا يهدمونها فوق رؤوسنا – من دون سبب هل تعلم ما الذي يجري؟بالنسبة لي أنا ساكن، صحيح إنني غاضب لكنني ساكن ولا أدري كثيرا، وتعلم علم اليقين إنني لا أحب ‘ضحكت تاني’. أذكر كيف كنت تقف مثل مجنون حين كانت تضع مذياع الترانزستور في النافذة وترفع صوته على الأغنية ‘تاني تاني تاني’. تهز رأسك أنك ستذهب وتدق الباب عليهم كي يخرج أخوها وتقول له: يا عمر شوف أختك الخ. أعلم أنك لا تحب هذه الأغاني، كنت تحب سيدك مطرب باب السباع ‘الحسواني’ يغني ‘أقول وقد ناحت..’أصمت، هاهو قادم، أسمع نقلات تؤدة، خطواته، كأنه عجوز معمر حين لا يجد محبوبته، سوف نغمض أعيننا كيلا يظن أننا قضينا تلك المدة نتكلم عنه.تنهد، ثم بحث في هاتفه عن مكان مفتاح الصوت، ولعله يعثر على الأغنية مرة ثانية. طويلة. زمن. لا يستطيع أن يتابعها حتى النهاية، سوف تأخذه رجفة قصيرة ثم يغيب.على حين غرة سمع الثلاثة صوت منجم ينفجر هل تعلم أن الديناميت الذي يصنعونه هذه الأيام له صوت أقوى من الذي كنا نستعمله على أيامنا لإستخراج الحجارة.بحيث أنهم لم يخمنوا أن قوة الصوت سترفعهم إلى السطح وتنفتح عليهم النوافذ، كما لو أن: آه، لقد رأينا- على حين غرة، من بين الطمي، لأنها أمطرت قبل أيام ثم ثلج غمر كل حمص. البياض المتراكم الممتد.ظهرت بالقرب منه.اضطربت أوصاله، وبحث مرة أخرى عن الهاتف من أجل ‘تاني تاني تاني’ لكن قوة الضربة المضاعفة أضاعت منه الهاتف. بحث حواليه فلم يره، أين أنتَ، أيها الزمن، كنتَ دوما تغيب حين أبحث عنها، وأنتظرها في زاوية الشارع، وأنت لا تنتظر معي، تتركني وتذهب. حين أكون لا تكون. لماذا. من دون مبرارات، لم يكن ثمة وقت للبحث.سيدمدم بصوته لعلها تتذكره- قادم من بعيد، كأنني سمعته من خلف ذلك التل الصامت، ‘تحكت تاني’ دمدم من دون أسنان، لقد ابتلت أليس كذلك. لا لم تبتل لكنها سقطت بين يديه. يريد أن يلفظ الضاد من دون تاء، لا أسنان، ماذا أفعل يا ربي لقد تشوهت الأغنية ولن تتعرف عليها لأنها من دون مكرفون ولا موسيقى ـ توقف، كده، يعزف هيك يا حبي وتنشطر الأحرف كي تنكسر الكسرة الحمصية. تندفع نحوه. قليل من المطر، على المزارع الخالية، لفت انتباهه أن المدينة الممتدة لا يحركها الصوت المألوف – صوت الناس. هل تسمع الأنين البعيد؟ أصوات الديناميت والمناجم التي فتحوها في كل مكان. لعل المدينة تبحث عن الذهب وليس الحجارة الكبيرة التي كنا نستخدمها من أجل العمارة. هل تظن. لأن الدخان في كل مكان إن قدر لك ونظرت.لم يأبه كثيرا إلى ذلك. راح يدمدم ‘تحكت تاني’ ثم حدق حيث كانت تغسل ممر المنزل والعتبة وترشها بالماء والصوت من الترانزستور يخرج قويا شجيا، وهو يتمرن بالحب أمامها ويقدم لها وردة فتضع ساقها بين شفتيها، تقضمها بين أسنانها ثم تعيدها له كي يشمها ويضعها في فمه يتضمخ برائحتها ـ ألا ترى، الذكرى التي أفكر بها جعلتها تنتبه وراحت ترنو إلي بابتسامة شاحبة، لكن آه لقد أفزعتها الضربة. أنظر. سوف أوقف هؤلاء المردة ماذا يظنون أنفسهم كذا وكذا، سأجعلهم يتوقفون عن استخدام هذه المواد لعلهم يتفكرون أنهم في يوم ما سيحضرون إلينا، إلى هنا وسيكونون عندنا، فماذا ستظن.أنظر، لسنا نحن فقط الذين خرجنا، لقد خرج الجميع.أقتربت منه، زحفت إليه شاحبة: هل لك أن ترفع الصوت قليلا. يدي تعبت من الغسيل وأريد أن أرتاح قليلا. طال الزمن ومنذ وقت لم نخرج.مرت غمامة في السماء، مرة أخرى تمطر، تبللت الأرض، لم يكن الناس يعرفون أين تذهب. حطت بالقرب منهم، فوق الخط القريب، تهدر بصوت غير مألوف، ماذا تريد، هناك اسئلة كثيرة لا أجوبة لها، ماذا يحدث في هذا المكان. ألا ترى أن المكان غير صالح للبقاء. علينا منذ اليوم البحث عن مكان أفضل يقينا من هذه الشرور. لنجمع مؤونتنا ونتبعها.يظن البعض أن الناس تذهب إلى مكان واحد لكي تبقى فيه، لكن كما ترى، لقد أخذوا أمتعتهم وراحوا يحملون الهاتف النقال وراديو الترانزستور والأغاني ـ لن يبحثوا عن أمكنة أخرى، لأنها كما ترى متشابهة. ليس لهم سوى أن يبقوا أحياء فوق الأرض الواسعة، ولن يكون لهم قدرة عليهم. لن يجعلوهم يفعلون مرة أخرى ما أرادوا منهم أن يفعلوا. سوف يمشون في الطريق مع إدراك إن ما يحدث لم يكن له علاقة بالحياة ولا بالموت. كانت المساحات التي يقيمون فيها ممتدة ودائمة، من دون أزمنة، ولن يكون بعد اليوم إلا أن يسيروا فيها بالطريقة التي تثير الدهشة وتبعث إلى الاعتقاد أن ما يجري لا دافع له سوى الحب الذي لا يتحرك إلا لكي يخرج من الأعماق مفاجأة غير متوقعة.qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية