التقته فاطمة عطفة: بين الرواية والسينما علاقة وثيقة وقديمة ليس في بلادنا العربية فقط وإنما عبر العالم، والروائي البحريني فريد رمضان المولود في المحرق له مكانته المتميزة في كتابة السيناريو السينمائي، وشاركت الأفلام التي كتبها في أكثر من مهرجان عربي وعالمي، كما فاز بعضها بجوائز. وقصص رمضان لم تقتصر على اجتذاب مخرجي الخليج العربي من البحرين إلى الإمارات، لكنها امتدت إلى فلسطين. كاتب هادئ واسع الثقافة، يفهم الواقع العربي ويستوعب تحولاته، معتبرا أن ما يجري في البلاد العربية من حراك ثوري لم يكن مفاجئا له وإنما كان ثمرة طبيعية من ثمرات أعمال الرواد وجهودهم الفكرية المشكورة.’ بداية، لو تحدثنا عن فيلمك الروائي السينمائي الجديد مع المخرج الفلسطيني؟’ ‘عملي الروائي الجديد أيضا مع مخرج فلسطيني اسمه رياض دعيبس من أبناء القدس وما زال يعيش في القدس، العمل كتب ضمن ظروف تطلبت أربع سنوات من العمل والبحث الكامل لكي يتسنى لي كتابة السيناريو، وهو يطرح ضمن ما أنا مؤمن به أنه من الممكن للشعوب العربية أن تعيش في سلام إن وضعت مذهبها ودينها في أماكنها المناسبة وخرجت بروحها الإنسانية العالية في تقبل الآخر والتعايش مع بعض. أنا لست مع التطبيع، ولكن على الشعب الفلسطيني الذي يعيش في القدس أن يتعايش في النهاية مع العديد من الأديان والشخصيات المنتمية إلى مذاهب دينية أخرى كالمسيحية واليهودية. الديانة اليهودية إضافة إلى الديانة المسيحية موجودة في العديد من الدول العربية كالبحرين، فهناك بحرينيون يهود وهناك بحرينيون مسيحيون وكذلك الوضع بالنسبة للقدس، هذه المدينة الفسيفسائية التي عاشت على مدى التاريخ تستقطب كل الأديان السماوية في تعايش سلمي يحتفي ويقدر الإنسان بشكل خاص. الفيلم يطرح إمكانية التقاء ثلاث شخصيات مختلفة الخلفيات الدينية، فهناك اليهودي والمسلم والمسيحي في حالة تعايش في مدينة القدس. في الفيلم نحاول أن ننتصر لمفهوم الإنسانية على حساب الأديان والمذاهب، لأن الإنسان هو القيمة الحقيقية وهو القادر على البناء، وبناء المستقبل بشكل خاص والمضي نحو مستقبل إنساني أفضل’.’ كيف ترى التأثيرات الحالية على قضية فلسطين؟’ ‘طبعا الكثير من التأثيرات من الممكن ملاحظتها الآن، مثل عدم الاهتمام بالقضية الفلسطينية أمام هذا الثوران العربي والتفات الشعوب العربية إلى قضاياها الخاصة وتحقيق حرياتها، لكن على المدى البعيد أنا أعتقد أن هذا سوف يخدم القضية الفلسطينية وسيعزز من الخطاب العربي المطالب بالدولة الفلسطينية المستقلة’.’ إضافة إلى نصوصك السينمائية، أنت كاتب قصة قصيرة ورواية، كيف ترى دور المفكرين العرب خلال الظروف التي تمر بها المنطقة؟ فالبعض يلوم المفكرين، والبعض منهم جرفتهم الموجة الإسلامية، لماذا لم يستطع الفكر العربي أن يؤثر في هذا الوقت الذي نحن بحاجة له به؟’ ‘من خلال وجهة نظري المتواضعة، أعتقد أن ما يحدث الآن في الوطن العربي من حراك شعبي يطالب بالحرية جاء نتيجة جهد فكري عربي ممتد منذ النهضة مع حركة المجددين في الفكر العربي. ولكن بسبب انتقاص حرية التعبير الحقيقية لا نرى نتاجا فكريا حرا يطرح إرهاصات إبداعية بشكل فكري واجتماعي واسع يقدم للمرحلة الحالية التي يعيشها الوطن العربي، وهذا نتاج انتقاص حرية التعبير بالدرجة الأولى. ما يحدث الآن أثبت بشكل واضح أن الفكر العربي كان يحفر في مناطق مختلفة، ولم يكن على الخط السليم ليقدم إرهاصاته المساعدة لنجاح ما تمر به الشعوب العربية من أحداث الآن. أعتقد نحن أمام مرحلة جديدة، نستمع فيها نحن ككتاب أو أدباء أو مفكرين إلى ما يحتاجه الإنسان البسيط في الشارع، رغم كل التنظيرات السابقة التي كانت تهتف وتقدم بأن هذا النتاج الأدبي والفكري والإبداعي هو متصل اتصالا مباشرا وقويا بهموم الشارع والإنسان العربي. لكننا اكتشفنا أن هناك فجوة كبيرة ما بين التنظير وما بين الواقع الحاصل الآن. إلى أين يأخذنا هذا؟ أعتقد أنه سوف ينتج أطروحات فكرية جديدة، وربما تكون هذه الأطروحات أكثر التصاقا بالإنسان العربي، وفهم هذه العقلية العربية المتصلة في تاريخها القديم، دون عزل مسألة الدين طبعا، لأنه أثبت أن الدين ما زال له حضوره. وأنا لا أقصد استغلاله بشكل سياسي في تحريك الشارع، وإنما أنا مع حركات الشارع العربي بكل تنوعها وأفكارها وأيديولوجياتها. ومن حق أي إنسان عربي أن يعبر عما يؤمن به من أفكار وأيديولوجيات. لكن أثبتت الحاجة والعوز والمسألة الاقتصادية أنها من أهم القضايا التي على الأنظمة العربية التي تغيرت، والتي لم تتغير وما زالت تناضل لبقائها في السلطة، أن تنظر إلى بناء الإنسان العربي من الناحية الاجتماعية والاقتصادية وتوفير حرية التعبير بأقصى حدودها إلى هذا الشعب، لأن هذا الشعب قادر على أن يحقق قفزة في التطور البشري في هذه البقعة العربية’.’ بعد هذه التجربة، هل سيعيد المثقف العربي النظر وينزل من برجه العاجي، برج الأنا خاصة، ليلتصق بمجتمعه أكثر ويحاول أن يعبر عن هذا المجتمع وهذه المسيرة التاريخية التي نمر بها، سواء بالشعر، بالتشكيل، بالرواية، بالسينما.. وبأي نوع من أنواع الإبداع، برأيك هل يستطيع أن يفعل ذلك؟ ‘ ‘أنا لا أنظر إلى المفكر العربي كونه عنصرا خارج السياق ويعيش معتزلا في برج عال، لكن برج الأنا ممكن. الحركة العربية أو التسونامي العربي، الذي حدث منذ انفجار الثورة التونسية وإلى الآن، وضع جميع المبدعين ومن ضمنهم المفكرين والمبدعين في المجالات الفنية الأخرى سواء على مستوى الأدب أو صناعة السينما أو المسرح، نحن جميعا الآن في إعادة صقل جديدة لمفاهيم جديدة وحراك فعال، أعتقد أنه ينتج حراكا فكريا سيكون قادرا على أن يعكس هذا الواقع. وهذه الحركة التي من الممكن أن أشبهها بحركة بركان حي وناهض لا بد لأن يلسع الجميع بحممه النارية، وهو يلسع الجميع، من أراد أو من لم يرد ذلك. يبقى كيف من الممكن أن يتعاطى المبدع أو المفكر مع هذا الحراك. وطبعا هذه المسألة تختلف من مبدع إلى آخر، ومن إنسان إلى آخر، ومن كاتب إلى آخر. ولكن لنتأمل في مهرجان أبوظبي السينمائي الأخير، على سبيل المثال، لقد شاهدنا على الأقل ثلاثة أو أربعة أفلام سينمائية تحكي وجهات نظر جديدة لمخرجين لهم تاريخهم السينمائي الطويل، وهم يعيدون قراءة الواقع العربي وإرهاصات الثورة العربية التي تفجرت، وهذا على ما أعتقد سوف ينتج الكثير’.’ ما هو جديدك وما الذي ستقدمه لنا بعد عامين مضوا من تجربتك، هل هناك عمل روائي أو قصة جديدة أو عمل سينمائي؟’ ‘لا تستغربي إن قلت لك مشاريعي التي أعمل عليها الآن هي مشاريع أعمل عليها منذ أربع سنوات، أي أنها كانت موجودة قبل اندلاع الربيع العربي، وأنا طبيعة عملي بطيئة وأنتج أعمالي سواء من الناحية الأدبية أو في مجال كتابة السيناريوهات في السينما، أحتاج لوقت طويل يتطلب بحثا وسفرا وتجميع مصادر، قبل الشروع في كتابة أي مشروع. بالنسبة لمشروعي الروائي الجديد الذي أعمل عليه أصبح له بالضبط حتى الآن أربع سنوات ولم أنته منه حتى الآن، وهو مكمل لمشاريع روائية سابقة. ففي كتاباتي الروائية أحاول أن أسعى إلى فهم الهوية البحرينية أو الهوية العربية ومكوناتها التي لها علاقة بالأنتربولوجي، حفر في مناطق المجتمعات العربية وتكوينها. في سلسلة رواياتي السابقة كنت أحاول في كل رواية أن أسلط الضوء على إحدى الهويات البحرينية كوني ابن البحرين وابن مجتمع متنوع الهويات والأعراق. حاولت في كل رواية أن أحفر في هوية من الهويات البحرينية، وأبحث في أصول الهجرة والتنقلات خاصة في مجتمع الخليج العربي، وهو خليج تمتد على ضفتيه حضارتان مختلفتان وله اتصالات عريقة بالوطن العربي والدول العربية المحيطة. والبحرين كمجتمع قادر على استقطاب جميع الهويات وجميع الأعراق، كونه جزيرة وميناء تجاري منذ القدم، منذ حضارة دلمون وهي تستقبل مسافرين وتودع مسافرين. اهتمامي كان كيف هذا المجتمع الصغير في البحرين تكون بهذا المزيج المختلط، نحن نعود في أعراقنا وجذورنا إلى مناطق أخرى، البعض أصوله من العراق والبعض قد تكون أصوله من إيران، الساحل الفارسي ومن الهند ومن بلوشستان، ومن عمان ومن شبه الجزيرة العربية ومن إفريقيا أيضا. في روايتي الجديدة التي أعمل عليها الآن أحاول أن أبحث في الهجرة وتجارة بيع الرق الذي كان موجودا في المنطقة، وشكلت إفريقيا بشرقها وغربها ميناءين لتصدير العبيد. ومن السنغال كان يتم تصدير الرق لأمريكا وأوروبا، ومن خلال زنجبار كان يتم تصدير الرق إلى شبه الجزيرة العربية والهند. فأنا أحفر في هذه الرواية الجديدة في هذه المنطقة متنقلا ما بين بلوشستان والخليج العربي وإفريقيا في منطقة زنجبار’.’ أنت تعلم أن عالم الرواية غدا متقدما على أنواع الآداب الأخرى كالشعر وفن القصة القصيرة، برأيك ما سبب تراجعه ولم يسجل التاريخ إلا أسماء قليلة من كتاب القصة بعد زكريا تامر ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان مثلا، لماذا عالم الرواية طغى وتقدم على غيره، هل العولمة بدلا من أن تجعلنا منفتحين أكثر جعلتنا بحالة انغلاق أكثر.. أم أن الرواية هي بحد ذاتها أقدر على فهم المرحلة والتعبير عنها؟’ ‘أنا أعتقد أن الاهتمام بالرواية في الوطن العربي جاء في وقته الطبيعي المناسب لفهم تعقيد المجتمع العربي في تطوره وإرهاصاته، والرواية هي القادرة على تقديم هذا البعد من خلال قراءة فكرية سوسولجية اجتماعية لفهم تطور المجتمعات سواء من خلال الرواية العربية في مصر أو في المغرب العربي أو في لبنان والشام أو في الخليج العربي، وربما وصلت الرواية متأخرة في الخليج العربي أيضا بسبب تطور المجتمع وتوفر الحاجة لفهم هذا المجتمع الذي كان منغلقا، ولكنه أصبح معقدا الآن ومحتاجا إلى فهم. ولعل الكاتب الروائي هو القادر من خلال الرواية على تفكيك هذا المجتمع وقراءته. وهنا لا أستثني دور وأهمية السينما، وبالذات الفيلم الروائي الطويل في تقديم هذه القراءات من خلال الصورة على الشاشة الكبيرة. القصة القصيرة ما زالت تمتلك جذوتها وشغفها وحرارتها في التقاط اللحظة القصيرة في حكايا قصيرة مكثفة وقادرة على إيصال رسائلها. لكن ربما ألوم دور النشر والمؤسسات العربية الرسمية في عدم إعطاء هذا الفن الأهمية الكبرى من خلال توفير على الأقل طباعة الكتب للأدباء العرب، إضافة إلى تدريس القصة العربية القصيرة في المدارس وفي المجال التعليمي، لكي ننمي لدى الأجيال الجديدة الاهتمام بالقصة القصيرة لنساهم في تكريسها كفن أدبي هام وضروري للمجتمع’.’ في روايتك التي تعمل عليها ذكرت أنت تبحث في الهجرة وتجارة الرق التي جرت في منطقة الخليج، وبلادنا العربية أيضا كانت قابلة لاستقطاب جنسيات مختلفة أحيانا بالغزو وأحيانا طلبا للعمل والعيش، لكن أميركا عندما بدأت كإمبراطورية جديدة أخذت باستقطاب الأوروبيين وغيرهم من جنسيات مختلفة، ثم اندمجت وأصبحت أميركية، ونحن لماذا لم نستطع أن نبني حريات ديمقراطية في منطقتنا؟ هل السبب في ذلك أن التقاليد والمؤسسات التراثية، ولن نقول الدينية، هي التي أبقت على أن الحالة الفردية أهم من الحالة الجماعية؟ ‘ ‘الحاجة إلى فهم مجتمعاتنا العربية تحتاج إلى الكثير من المكاشفات من خلال الأطروحات الإبداعية والفنية من خلال توفر عنصرين، عنصر الحرية الكاملة إلى الكاتب والمفكر والمبدع إضافة إلى تحقيق مفهوم المواطنة. نحن على مسار تاريخنا العربي لم يتحقق حتى الآن مفهوم المواطنة بمعناه الشامل. لم تعد المجتمعات العربية مجرد رعايا، وهذا ما أثبته الشعب العربي في انتفاضته وثوراته العربية. لقد أثبت وخرج إلى الشارع وقال أنا مواطن ولست من رعية تابعة لحاكم ما. أعتقد أن المرحلة القادمة سوف تعزز وعينا بمفهوم المواطنة بأنه لي حقوق وعلي واجبات كما على رئيس الدولة حقوق وواجبات، ونتخلى عن مفهوم الحاكم والرعايا. وتجربتي في المجال الروائي الأدبي أو السينمائي هي محاولة طرح هذه الأسئلة للوصول إلى مفهوم المواطنة. فدون توفر مفهوم المواطنة وتحقيق كل العدالة التي تتوفر للإنسان العربي البسيط مع توفر الحرية الكاملة التي تضمن أن يقول ويتحدث بكرامة، عدا ذلك لن نتحرك إلى مستقبل ننتظر منه الكثير. وهناك نهضة عربية جديدة قادمة، هكذا آمل وأتمنى أن أحافظ دوما على الأمل. وطبعا المؤسسة الدينية أثرت، وأنا شخصيا أتمنى أن نصل لمرحلة أن نضع الدين في المسجد ونغلق عليه، هذه وجهة نظري. الدين بكل أشكاله، إن كان في المسجد، في الكنيسة، في المعبد، يجب أن يبقى هناك وعندها نصل. عدا ذلك سيبقى الدين السياسي أحد أسباب الرجعية العربية وأعتقد في ما يحدث الآن أننا نعبر في نفق، ويجب أن نعبر هذا النفق ونرتب العديد من القضايا العالقة في وجه نهضة وتطور الإنسان العربي’.’ من وجهة نظر روائية وسينمائية، كيف تنظر قريبا إلى نهاية ما تمر به المنطقة، أم أننا سنأخذ سنوات كي نستقر وتنتهي هذه الفوضى؟’ ‘أي حراك شعبي يتطلب أن يأخذ الوقت الكافي والكامل كي ننظر إلى النتائج. ما يحدث الآن يؤكد أننا ما زلنا في البداية وما زال الوقت طويلا ولكننا سوف نعبر’.qmaqpt