كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: تمكن معارضو زعيم حزب الأغلبية في الجزائر من التخلص منه بعد صراع دام عدة أشهر، وذلك مباشرة بعد انطلاق دورة اللجنة المركزية للحزب، والتي ‘أجبر’ فيها بلخادم على الاحتكام للصندوق، لتأتي النتيجة مدوية وصادمة بالنسبة له ولأنصاره، لأن خصومه تمكنوا من سحب الثقة منه بفارق أربعة أصوات. إبعاد بلخادم من على رأس حزب جبهة التحرير الوطني ليس مجرد حادث عابر في الساحة السياسية، لعدة اعتبارات أولها أن الأمر يتعلق بحزب جبهة التحرير الوطني، الذي وبالإضافة إلى كونه صاحب الأغلبية فهو ترمومتر التحولات السياسية في البلاد، وحدوث أي تغيير داخل هذا ‘الجهاز’ الموصول بدوائر صنع القرار لا يمكن أن يكون اعتباطيا، تماما مثلما كان الحال في وقت سابق بالنسبة لأحمد أويحيى زعيم التجمع الوطني الديمقراطي الذي أجبر مطلع الشهر الماضي على تقديم استقالته. وقد قرر خصوم بلخادم عدم انتخاب خليفة له، مع العلم أن هناك العديد من القيادات الطامحة لخلافته على رأس الحزب، إذ أكد عبد الكريم عبادة أحد قيادات حركة التقويم داخل الجبهة على أن انتخاب أمين عام مسألة صعبة وحساسة، وأنه لا يمكن الذهاب إلى انتخاب أمين عام جديد قبل التشاور مع مؤسسات الدولة. التغيير على رأس حزب جبهة التحرير جاء مفاجئا نوعا ما، خاصة وأن بلخادم حاول قطع الطريق على خصومه من خلال إعلانه عن ترشيح حزبه للرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة، وذلك ليضع كل الذين ناصبوه العداء وعملوا على إقالته أو دفعه للاستقالة في وضع المعارض لاستمرار بوتفليقة في الحكم، خاصة وأن عبد العزيز بلخادم تم تعيينه على رأس الحزب تلبية لرغبة الرئيس بوتفليقة، واستمر في قيادة الجبهة، رغم الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها، ورغم الاتهامات الخطيرة التي وجهها له خصومه منذ أكثر من عامين، وهذا الاستمرار لم يكن يجد له أي تفسير لدى المراقبين سوى أن الرئيس متمسك ببقاء بلخادم على رأس جبهة التحرير، في حين يرى فريق آخر من المتابعين للشأن السياسي أن هذا الأخير استطاع إقناع صناع القرار بأن استمراره على رأس الحزب العتيد هو ضمان لاستقرار البلاد. لكن استقالة أحمد أويحيى الذي لم يستطع الصمود طويلا أمام خصومه في التجمع الوطني الديمقراطي، رغم ما كان ينسب له من قرب ودعم من طرف دوائر صنع القرار، أسقط الكثير من الحصون الوهمية التي بناها بعض زعماء الأحزاب حول أشخاصهم، والتي أضحوا يستمدون الشرعية منها، فيما يرى بعض المتابعين للشأن السياسي أن هذه التغييرات مقصودة من طرف الذين كانوا يحمون هؤلاء الساسة، بعد أن فقدوا كل مصداقية وأصبحوا السبب في اضطرابات وعدم استقرار داخل أحزابهم، بل وأصبحوا يمثلون خطرا على الأمن القومي. الأكيد أن كلا من عبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى لعبا أدوارا في فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأن دعمهما المفرط له جعلهما يفقدان كل مصداقية، وبالتالي فإن الاعتماد عليهما في المرحلة القادمة صعب ويضع النظام في مأزق، بل ويمكن أن يعتبر دليلا على استمرار نفس الممارسات بنفس الوجوه، في حين أن المرحلة القادمة في حاجة إما لوجوه جديدة، أو على الأقل لشخصيات على قدر كبير من النزاهة ونظافة اليد لضمان تنظيم مرحلة انتقالية حتى وإن كانت غير معلنة. وبذهاب بلخادم من على رأس جبهة التحرير الوطني وبقاء منصب الأمين العام شاغرا، تماما مثلما هو الأمر بالنسبة للتجمع الوطني الديمقراطي بعد رحيل أحمد أويحيى فإن ذلك مؤشر قوي على أن طبخة الانتخابات الرئاسية القادمة يتم تحضيرها على نار هادئة، وأن الكلام الذي يردده البعض عن ولاية رابعة للرئيس بوتفليقة لا أساس له من الصحة، وأن الذين يرددون هذا الكلام يسعون للتموقع وخدمة مصالحهم الشخصية وضمان الاستمرارية لهم في عملية اقتسام ريع السلطة.qarqpt