منطقة الساحل، أو ‘ساحلستان’ كما بدا لوزير خارجية فرنسا، السيد لوران فابيوس تسميتها حيث قال منذ مدة:’ لقد كان هنالك أفغانستان، ولكنه لا يمكن أن يبقى لنا الآن ساحلستان’، وعلى عكس المتبادر للعقل، فإن الساحل هنا ليس ساحل بحر أو محيط، إنه ساحل وحاجز لمنطقتين مختلفتين، منطقة الصحراء الكبرى القاحلة شمالا، ومنطقة السودان جنوبا (غير دولة السودان المعروفة) التي هي أكثر خصوبة، وهي تمتد لطول قرابته 4000 كلم من المحيط الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر شرقا، وهي تشمل عدة بلدان وهي: السنغال، موريتانيا، مالي، أقصى جنوب الجزائر، شمال بوركينا فاسو، النيجر، وسط التشاد، أقصى شمال نيجيريا، وسط السودان سيما ولايتا الدارفور وكوردوفان، وهناك من يدخل حتى فيها إثيوبيا، وأريتيريا، وجيبوتي والصومال.منطقة الساحل التي لا يكاد يعرف مكانها بالتدقيق حتى الحذاق من السياسيين والمتابعين، ناهيك عن الجمهور العريض، قلبت الأمر رأسا على عقب، حينما بدأت تحتل كبرى نشرات الأخبار، وأولى صفحات الجرائد، لما تحولت إلى أول خطوط التماس لمعركة دولية كبيرة ودقيقة، ليس لشعوبها ناقة ولا جمل فيها. معركة بين الأممية الإرهابية بقيادة القاعدة، التي استطاعت بدهاء أن تذوب في المجتمعات هناك، وأن تستغل مطالب السكان المحقة، الثقافية والاجتماعية والسياسية، لتمرير مشاريعها وخططها، وبين أممية دولية بقيادة كبار العالم ودول المنطقة التي، لا بد من القول أن تلك المطالب الشعبية، آخر أسباب تدخلها. القاعدة استطاعت أن تقسم دورها على حسب الظرف، وعلى حسب العملية، وعلى حسب الزمن، لما تستهدف الأجانب وتختطفهم أو تقتلهم، هناك جماعة التوحيد والجهاد، ولما تكون هناك عملية إرهابية في الجزائر فهي قاعدة المغرب الإسلامي، ولما تكون مفاوضات ‘سياسية’ مع دول الجوار أو دول أجنبية فيدفع بجماعة أنصار الدين ‘التارقية’، وهكذا كان تقاسم الأدوار، لا بد أن نلفت هنا إلى دور مشبوه لليبيا القديمة والجديدة، ولبعض دول الخليج.ليبيا القديمة بقيادة الراحل القذافي، لم تكن له خطوطا حمراء، فهو كان مستعدا أن يتحالف مع أي كان لبلوغ هدفه، كما أنه كان مستعدا للتحالف مع الشيطان ضد أي غريم. وتروي الكثير من الجهات كيف تم تسليح الطوارق وحتى بعض إرهابيي الجزائر معاكسة للجزائر. أما ليبيا الحديثة، فالأمر واضح لالتقاء مبادئ وأهداف بين أولئك الإرهابيين مع بعض الثوار كبركة وادراقو، التشادي الأصل ورئيس المجلس العسكري لمدينة مرزق وصاحب مشروع ‘دولة صحراء النيجر’ أيام القذافي، أو عبد الله ناكر رئيس المجلس العسكري لطرابلس أو حتى عبد الحكيم بلحاج، ليبيا الحديثة ورثت مخازن ضخمة للأسلحة، بدأ العالم يكتشفها منتشرة في منطقة الساحل.أما بعض دول الخليج، فلقد ولجت المنطقة عن طريق الهلال الأحمر لتقديم المساعدات للسكان هناك، وأيضا لربط صلات مع أولئك وإكرامهم للإبقاء على الباب مفتوحا، ولقد أكدت جريدة ‘لو كنار أونشيني’ الساخرة الفرنسية، الخبيرة في المعلومات السرية، استنادا إلى معلومات داخل أجهزة الاستخبارات الفرنسية، أن بعض الخليجيين قد أغدقوا على المجموعات المسلحة بمال وفير. ولا بد هنا من القول ان دول الخليج ما كانت لتغامر هكذا لولا تغطية ما غربية، فالغرب وأجهزته، من مصلحته فتح بوابات حوار مع كل الأطراف، حتى المعادية منها، مثلما هو حاصل مع حركة طالبان الأفغانية التي هي بصدد فتح تمثيلية رسمية بالدوحة. هؤلاء هم العرابون المباشرون أو غير المباشرين للطرف الأول، أما عرابو الطرف الثاني، فهم إلى قسمين إما الذين يخافون من عدوى الفوضى أن تصل إلى بلادهم، أو أولئك الذي لهم طمع على ثروات إستراتيجية تزخر بها المنطقة، أو خوف من فقدانها.الجزائر، وبدرجة أقل دول الإكواس، المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، تخاف من كيان يولد بشمال مالي يكون محطة للعدوان على بلدان الجوار وتصدير القلاقل إليها، لذلك تجد الجزائر كانت وما زالت تحبذ الحل السلمي، وتؤيد بطرقها الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، والحركة العربية لتحرير الأزواد، والمراقبون يرون أنها وراء انشقاق الحركة الإسلامية لتحرير الأزواد عن جماعة أنصار الدين. أما الدول الغربية، فلن تنطلي أسبابهم الإنسانية على أحد، إنما رائحة اليورانيوم والغاز والبترول والذهب تفوح من كل حدب وصوب.قرابة الثلاثة أسابيع على انطلاق عملية فرنسا بالتحالف مع دول إفريقية لاسترجاع شمال مالي إلى الشرعية المالية، من عند خليط المسلحين الطوارق والإرهابيين، سقطت كونا وديابالي ودوينتزا وغاو وسقطت أخيرا تومبوكتو، وتسقط كيدال بيد الحركة الوطنية لتحرير الأزواد المعادية لأنصار الدين وللمقاتلين الإسلاميين، في أسهل معركة، دون مقاومة، وانسحاب تكتيكي، القادم أصعب حيث يجيد هؤلاء التخفي وحرب العصابات، أكبر المشاكل لأي جيش نظامي مهما عظم. نتمنى فقط أن يحفظ المنطقة وأهلها من كل سوء ومكروه، وأن ينعم أهلها بالطمأنينة والأمان، وأما المعكًرون والمخلِِطون والفتًانون، فنحن على يقين أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.عبد الكريم رضا بن يخلف[email protected]