د. مضر رياض الدبس ‘الظفر بالسلطة’ هو ما انتهت إليه كفاحات بعض الجماعات السياسية في دول ‘الربيع العربي’ التي بدأت طوراً ‘انتقالياً’ نحو الديمقراطية. بعد هذا ‘الظفر الديمقراطي’ لنا أن نسأل هل السلطة هدف أم وسيلة لتحقيق هدف أسمى مضمونة الوطن والمواطن؟ يكون جواب هذا السؤال بديهي نظرياً أما في واقع الدول، الواقع المصري مثلاً، فالجواب ربما يحتاج لعلوم غير السياسة و الإجتماع: كعلم النفس مثلاً. بالعموم، يحق لنا، بعد هذا ‘الظفر’، التساؤل عن مدى ديقراطية هؤلاء، وإذا سلمنا أن الديمقراطية تتعزز بالديمقراطيين فلنا أيضاً أن نتساءل حول مفهوم الديمقراطية أو المُتخَيَل الديمقراطوي الذي نعرف أو الذي أريد لنا معرفته.إن النظرة الشاملة التركيبية للمسألة الديمقراطية ضرورة لفهم الديمقراطية في العمق وإلا سقطنا في فخ التقليد والمماحكة، وهذه النظرة العلمية غالباً ما تنفي الذاتية الفردية أو الجمعية وتتمسك بالموضوعية في الفهم، وعلى صعيد الممارسة تنتج ما أميل لتسميته الديمقراطية الحكيمة التي أحوج ما تكون إليها شعوبنا اليوم. هذه الحكمة تتيح التشارك في السلطة فينتفي مفهوم ‘الظَفَر’ و يُعَزز ما يعرف بـ’الحَكامة الديمقراطية’ أي عدم الإعتماد المطلق على الدولة، مهما كانت قوتها، في حل المشاكل والرهانات الإجتماعية كلها إنما بقبول انخراط فاعلين اجتماعيين سياسيين يمتلكون ما يلزم من الإمكانات وقادرين على الفعل والمشاركة. ولكن إذا كانت الديمقراطية الحكيمة تَنتُج عن مقاربة المسألة بالعقل التركيبي الموضوعي فإن مقاربتها بالعقل المجرد القياسي الصوري التجزيئي ينتج ما يمكن تسميته ديمقراطية الإعقال التي تكون جيدة للفهم فقط لما تحمل من تجزيئ وتجريد. وحين يطبَّق هذا المجرد يصطدم بعجزه، ويتكون الإرهاب الذي ليس هو، بالعمق، إلا كما يقول عبدالله العروي: ‘اصطدام المجرد بالواقع الملموس’. والتجزيئي غالباً ما يكون قابلاً للتدليج لذلك يُخشى من أن تتحول هذه الأفكار الوهمية حول الديمقراطية لأدلوجة سياسية على شكل قناع يحجب الحقيقة تستهدف مصلحة الجماعة الحاكمة لا لمصلحة الوطن، ومرة أخرى لا غرابة أن نصل للإرهاب حيث أنه كامن داخل كل أدلوجة تستخدم في السياسة.بدأ يظهر هذا الإرهاب في شكل إرهاب فكري تمارسة الدولة أو الجماعة باسم الدولة هنا كل ميكافيلية حوارية هي إرهاب فكري و كل تضليل شعبوي هو إرهاب فكري وكل خطاب ديماغوجي هو إرهاب فكري، هذا يفسر كيف تختلط في الأذهان مصطلحات من مثل: الشريعة والشرعية، ديمقراطي ومنتخب، السيادة والرئاسة، الدولة والنظام…إلخ.يقودنا هذا الكلام للأخلاق الديمقراطية التي يمكن إن وجدت أن تنقلنا من مرحلة ديمقراطية الإعقال إلى ديمقراطية الحكمة وربما تكون الفضيلة هنا خلق رفيع حيث تتضمن الحكمة: أم الفضائل، وكما يقول مونتسيكو: ‘إن الفضيلة روح الديمقراطية والأنفة روح الملكية والخوف روح الإستبداد’. فإذا كانت الفضيلة هي روح الديمقراطية فإننا سنحاول تقريب مفهوم الفضيلة كما يعرف بالعموم وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالخصوص ثم نترك للقارئ الحكم على سلوك النخبة الحاكمة والمعارضة وعلى الفاعلين في عملية التغيير الديمقراطي.الفضيلة في علم الأخلاق، كما وردت في المعاجم الفلسفية، هي الاستعداد الدائم لسلوك طريق الخير، أو مطابقة الأفعال الإرادية للقانون الأخلاقي، أو مجموع قواعد السلوك المعترف بقيمتها. يعرف أفلاطون الفضيلة بالعلم بالخير والعمل به، وقال أرسطو: ‘الفضيلة هي الاستعداد الطبيعي أو المكتسب للقيام بالأفعال المطابقة للخير. وقال كانط: إن الرجل لا يكون فاضلا حتى يكون فعله صادرا عن إرادة صالحة تسمى بنية الفعل، وقوام هذه الإرادة الصالحة عنده العمل بمقتضى القانون الأخلاقي المطابق لأحكام العقل دون طمع في ثواب، أو خوف من عقاب’. وقد فرق ‘كانط’ بين الفضيلة والواجب، فقال إن الفضيلة هي المبدأ الداخلي للأفعال التي يحقق بها الإنسان كماله الذاتي، سعادته، وسعادة غيره، في حين أن الواجب هو الأمر المطلق الذي توزن به الأفعال، وكل فضيلة هي وسط بين رذيلتين ‘أرسطو’، فالحكمة هي وسط بين السفه والبله، والعفة فضيلة بين الشره وخمود الشهوة، الشجاعة فضيلة وسط بين التهور والجبن، والعدالة وسط بين الظلم والانظلام.ويرى الأزهر المصري الفضيلة اصطلاحاً كالآتي: ‘استعداد ثابت لممارسة الخير، أو أنها استعداد خاص للقيام بواجب معين أو عمل صالح معين وتستخدم الفضيلة في المجال الأخلاقي إذا قصد بها صفات الكمال، وتعني عادة فعل الخير، وتدخل ضمن موضوعات علم الأخلاق، والفاضل من غلبت فضائله رذائله، والخلق ينقسم إلى فضيلة هي مبدأ لما هو كمال، ورذيلة هي مبدأ لما هو نقصان، وقد يطلق على الفضيلة اسم القيمة الإيجابية، وعلى الرذيلة اسم القيمة السلبية، والقيمة بوجه عام تتجه نحو تحقيقها حسب قواعد معينة دقيقة، ومن هنا قيل إن علم الأخلاق من العلوم المعيارية. وعلامة الفضيلة عند العرب، شأنها شأن كل فكر أخلاقي آخر، هي استحقاق المدح، مثلما نستدل على الرذيلة بما تثيره من لوم وذم. فالمدح في الحقيقة هو وصف الموصوف بأخلاق يحمد صاحبها عليها، ويكون نعتا حميداً. وقد امتدح العرب فضائل الجود والسخاء والكرم والإيثار، وذمّوا الرذائل التي تقابلها.’ وكذلك يربط الفضيلة بالعدل على اعتبار أنها ‘توسط محمود بين رذيلتين مذمومتين’ بالتالي ‘فضيلة كل شيء اعتداله’.لأبقى وفياً مع القارئ لن أقحكم رأياً في أخلاق النخب، و لكنِّي وبغرض توسيع رؤية مسألة الديمقراطية سأضع بين يديه أيضاً مواد للنقد، غير النخب الحاكمة والمعارضة، تتمثل هذه المواد في الفاعلين الإجتماعيين الضروريين لأي تحول ديمقراطي وهؤلاء هم: التجمعات والتنظيمات القادرة على تنبني قيم المجتمع الديمقراطي والقادرة على العمل بفاعلية على إنجازها على المستويين السياسي والمدني وغنياً عن القول أن الحكومة الديمقراطية هي أهم فاعل في العملية ثم نذكر الأحزاب السياسية حيث ترتفع الديمقراطيات على مبادئها وعلى قيمها الوطنية التي لا تقبل تقسيماً عمودياً قوامه القبيلة أو الطائفة او المنطقة وتستبدله بتقسيم أفقي نهضوي يتيح إعادة إنتاج الفكر والسياسة ويقود إلى تعددية سياسية حقيقة حيوية. ثم يأتي المجتمع المدني الذي يجب أن يتحرك في فضاءات من الحرية والمبادرة تساهم في تحقيق الذوات والتفاعل الحر والتعبير عن المواطنة في صيغة مدنية غير جهوية أو طائفية وكذلك لا تختضع لبرامج الممولين بل وتحاول أن تكون ذاتية التمويل قدر المستطاع. وتعتبر النقابات المهنية والحرفية، لما لها من دور في التنمية والمشاركة، من الفاعلين الأساسيين في التحول الديقراطي. وأخيراً أذكر الإعلام مادة مهمة للنقد إذ يجب أن يحافظ على أكبر قدر من الإستقلالية والموضوعية. تلك كانت أمثلة على الفاعلين الإجتماعيين في التحول الديقراطي بغرض تحفيز نقدها. و بالإضافة لذلك لا يمكن أن نتناول المسألة الديقراطية بعيداً عن نقد ممارسات اجتماعية نذكر منها: آلية الحوار، إقصاء المرأة، العقل الإستهلاكي والمسألة الثقافية.بالفهم والتحليل والنقد والتفكير، بالعقل لا التبعية العمياء، تنهض الأمم ويتحرر الإنسان، لكن ‘أكثرهم لا يعقلون’.’ كاتب سوريqmdqpt