مطاع صفديما نقوله عن عالمنا العربي، قد يتلخص بعبارة واحدة: أنه دخل عصر التغيير. أما ما يمكن أن يقال عن هذا التغيير، إن كان نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، إن كان سيكلف سكانه فوق طاقتهم من التضحيات، أو أنه سيأتيهم بالنعيم المقيم، فتلك هي أسئلة تمنيات إيجابية محفوفة بتخوف ورعب من السلبيات، وتبقى الأحداث وحدها صاحبة الأمر الفاصل بما لا يمكن لمخيلة الجيل أن يدركه منذ البداية. عالمنا العربي إذن لن يبقى مماثلاً لنفسه كما كان منذ الأزل، ولعله كان باقياً هكذا حتى الأبد؟ وبالطبع فإن التغيير قد يبدأ سياسياً، لكنه سوف يهز كلا من البنيانين الدولاني والمجتمعي من أساسهما، ذلك أن الجمود السلطوي الذي عاناه العرب منذ عقود، كان يراكم الضغوط التي يدفنها تحت طبقات من السكون المصطنع. فالأسواء والأعطال لا تزول. والكبت إنما كان يضاعف من بذورها تحت تربتها الصماء. فما إن تزيل الاندفاعةُ السياسية الصخرةَ التي تسدّ فوهة البركان حتى تنطلق أهوال أعماقة إلى علّيين. كانت الإطاحة بصخور القمم تمثل العقبة الكأداء في كل مشروع ثوري، وقد تمادى زمن القمع حتى جعل انسداد القمم قادرا دائماً على دفن نيران البراكين كيما تختنق بدخانها الأسود، دون أن يشعر بها أحد.ذلك القمع الموصوف بالقُمَميّ لم يكن مجرد نظام سياسي لنوع من ممارسة الحكم المتميز بالفردية والفئوية الضيقة فحسب، بل كان القمع العربي ولا يزال أشبه بنظام اعتقال لعصر كامل مع مجتمعه وحاضره ومستقبله. كان هو عصر النهضة الكينونية، أي تلك اللحظة التي يمكن فيها لمجتمع إنساني أن يقول عن نفسه أنه مجتمع متمتع بالوجود الحر، إنه مالك لإرادة اختياراته الفردية والجماعية، إنه متوفر كل يوم على الشروط الأفضل لتقدم مدنيته، انطلاقاً من هذه النهضة الكينونية التي تسمح لأجيالها الصاعدة أن يكونوا ما يريدون أن يكونوا عليه. إنها النهضة الكينونية التي تتيح لكل فرد أن يتعامل مع نفسه، ومع كل آخر، ليس كإنسان مالك لحقوق البشرية فحسب، بل باعتباره الكائن الذي هو حق في ذاته أولاً. كان جيل الاستقلال مقبلاً على إعادة إنتاج وجوده، باعتباره هو المؤهل لريادة عصر الكينونة، مالكاً لهذه الروحية الفياضة بقدرة الحرية الجديدة على استعادة كرامة الهوية العربية كشرط تاريخي أخلاقي معاً لان قيام مشروعية المواطنة الإنسانية العادلة لشعوب كانت تستحقها عبر الأزمنة المظلمة السابقة، ولكنها مُنعت عنها، حُرمت من وعيها وتجسيدها عبر أنظمة سياسية واجتماعية من صنع أغلبياتها كمواطنين أحرار، وليس كرعايا للأجنبي الدخيل أو لعملائه المحليين.خمسينيات القرن الماضي بعثت (الأمة) العربية مجدداً من ما وراء التاريخ العالمي إلى مقدمته. فجأة عرف العالم وأقرّت دولُه بقيام ما يقارب من عشرين كياناً سلطوياً لوجود العرب على خارطة الأرض. لم يكن جلاء الجيوش الاستعمارية مجرد حدث عسكري، بل كان ذلك بمثابة فتح أبواب السجون الألفية وانطلاق محابيس الزمن من أقبية الجهل والجهالة والموت البطيء المكرور من زمن ألفي إلى آخر منذ سقوط بغداد تحت ظلامة المغول. هذه السنوات الأولى من التحرير بعد الجلاءات الأجنبية لم يكن العرب خلالها يعرفون حدوداً أو حكومات لأقطار ودويلات تنشأ هنا، وهناك. كان الجيل لا يجيد التحدث السياسي إلا بأوسع لغة، تحكيها قلوب الناس في هذا الوطن الأكبر العظيم قبل ألسنتهم. كان سجناء العصور يكتشفون أنفسهم وبلادهم، حاضرهم الجديد، ومستقبلهم الذي ينتظرهم جميعاً في معارج المدنية المعاصرة. كان الجميع أشبه بعائلة واحدة تُعطى فجأة وطناً أشبه بقارة، والقارة مفعمة بكنوزها المعلومة المجهولة، لم يكن أحد يتصور أنه أصبح سيداً حراً إلا لأن الجميع من حوله صاروا مثله ومعه أسياداً وأحراراً.جيل العقد الأول والثاني من الألفية الثالثة سوف يسمى هذه الذاكرة حنيناً لماض، كاد أن يكون ماضياً بدون مستقبل، غير أن كل ما أتى بعده خلال نصف قرن وأكثر إنما كان من تداعياته المضيئة والمظلمة معاً، سؤالنا اليوم، هل يعود تغيير الربيع بما لم ينجح في تصوره أو في فعله أي تغيير آخر حفلت به مآسي القرن الماضي.نحن اليوم أمام مشهد غاصّ برموز الدلالات المتناقضة، لقد كنا مُسمَّرين أمام مشهد مستنقعٍ، كل ما فيه آسن ومغْرق في عفونته. فجأة انتفضت أعماق المستنقع، فتحول إلى بحر هائج مائج، راح يقذف بأحشائه الميتة قبل أن تولد أسماكه الطاهرة الجديدة، سؤالنا إذن: هل نحن أمام تغيير مختلف أم هو مستنقع أمسى متشاكلاً في صورة بحر نقيّ هائج؟يمكن اطلاق هذه الفكرة الأولية، وهي أن الربيع لا ينتج نسخاً عن نماذج تحريفية من تغيير قديم بال، بل هو يقشع عَوْسَجَ هذه النماذج ليصل تحتها إلى جذوة ذلك التغيير الأصلي الذي كادت أجيالنا المعاصرة تنساه أو تتناساه، فاختلاف (الربيع) ليس عن الأصل، بل عن التحريفات التي أصابت ذلك الأصل. تلك الحركات الفوقية الموعودة بالانقلابات حسب أسماء أصحابها مرفقة بشعارات ظرفية ولفظية، هنالك عشرات من نوع تلك (المتغيرات) التي كانت تستهدف دائماً قمم البركان الشعبي التي كلما انفجر بعضها، عولجت بانسدادات القمم الزائفة الآتية من لا مكان، لتحتلّ مراكز أصحابها الحقيقيين المبعدين. فالانقلاب هو دائماً من طبيعة فردية أو فئوية ضيقة، معاكسة تماماً لطبيعة العمل السياسي ذي البنية الجماعية، والمسند من قبل القطاعات العظمى من شعوبها، لقد فُرض (الانقلاب) كصيغة هابطة من أعلى فوق كل مشروع جماعي ممثل لقاعدة شعبية متميزة وواضحة.هكذا احتكر (الانقلاب) عناوين صفحات سوداء من التاريخ السياسي لحقبة النهضة الاستقلالية، لم تبق السلطة وحدها هي الانقلابية، بل استعارت أكثر المعارضات ضدها ذاتَ بنيتها، فلم يعد يمكن الخلاص من انقلاب فاسد إلا بوسيلة انقلاب آخر مرشح لإعادة طبيعة سوابقه عينها. إنها حلقة مفرغة تزداد انغلاقاً على أعضائها العسكريين وأشباههم، بينما تنسحب الجماهير تدريجياً من كل ساحة عامة، ليبقى فيها أعوان الضاربين بعصا السلطان أو عصا أتباعه. لقد انسحبت مجتمعات العرب كلياً من مواقع الفعاليات العامة، لم تعد مجرد بروليتاريا اقتصادية مفقرة فحسب، بل يروليتاريا حضارية تمعن في تخلفها المتوارث، لتغذّيه بمظاهر التخلف المستحدث.ما تشكو منه ثورات الربيع أنها مهددة دائماً بتحولها إلى انقلابات، حتى الفئات المنخرطة في المعارضة قد تغرق دون أن تدري أو أنها تدري حقاً، في وعثاء الانقلابية. ثورة مصر التي يحاذر شبابها أفخاخ الانقلابية، إنما تعاني من أصدقائها قبل أعدائها، من محاولات تحريفها نحو ردود الفعل العنفية المشتقة من الأرومة العسكرية دائماً، ما حققته (الأَخْوَنة) حتى اليوم لا يخرج عن كونه استئثاراً بالنموذج الانقلابي، وليس بتقليده فقط. فإن النزعة التسلطية لا يكاد يتحرر من نفوذها سلوك إخواني سواء في معارج الحكم أو في العلاقات مع المكونات الأخرى للفاعلين السياسيين أو الثوريين. إن الأخونة تُسقط عمداً كل يوم مبدأ الحكم يالشورى الذي قال به الإسلام، وهم ـ الإخوان ـ كانوا أدعياء الوصاية عليه، في كل جدل عقائدي مع ناقديهم.الربيع العربي واع في مصر، كاشف لمسيرة التحريف الكبير الذي تتعرض له ثورته الكبرى الجديدة، جمهورُه الشبابي يرفض أن تُحكم مصر الديمقراطية بفصيل سياسي واحد. وقد استطاع هذا الجمهور الشبابي أن يعيد تنظيم مختلف قوى الحراك العام، وأن يحشدها وراء هذا الهدف. فالانقلابية والثورة عدوان لدودان، وقد انتصرت الأولى في العديد من مفاصل النهضة الاستقلالية، بل يمكن عبرَها قراءةُ الأعطال كلها التي انتابت خمسين أو ستين عاماً من انبعاث هذه النهضة، إذ أصابتها دائماً في مقتلها الذي هو التغيير الثوري الحقيقي. لعل المعركة الربيعية الراهنة تكون هي الحاملة التاريخية لدروس هذه الذاكرة النهضوية، وأولها أن الفئوية الضيقة، والمحكومة غالباً بالعدد الأقل، بل بالواحد وأعوانه، هي دائماً، هي الفخ الأخطر الذي يتوعد مصير الثورة الغافلة عن حماية نفسها بالقيادات الجماهيرية المنبثقة فعلاً عن قواعدها ذات الحضور العيني في كل مجال من الحراك العام.الفئويات والفرديات وأشباهها هي المادة الأولى للفعالية الغادرة، المصطلح عليها بـ لصوصية الثورات، وهي المادة الضارة المحبوكة في عين النسيج الثوري، والمعروفة في تاريخ التحولات العالمية، وليس العربية وحدها. خاصة في مسيرة سقوطها وانقلابها على مبادئها، ولقد كان لهذه اللصوصية ثقافتها وتقنياتها ورموزها التاريخية الكبرى، ولعلها احتلت مراكز القيادات لأُممها وحضاراتها أكثر مما تحقق للثورات الأصلية. وهذا الربيع العربي، وصنوه العالمي الراهن، يجتذب كل منهما تجارب مهولة في فن هذه اللصوصية المدمرة. وتزدهر (المؤامرة) في هذا الجو لتكون أشبه بالظل الخبيث للفعل الثوري، إنها تعبر عن نزعات التسلط الملازمة لطبيعة الإنسان نفسها. ولقد اعترف بها الفكر الفلسفي في مختلف مذاهبه السياسية والأخلاقية. إنها قرينة التعريف الشهير أن الإنسان هو ذئب للإنسان، ذلك أن الثورات مثلما تدعو إلى التضحيات العظيمة، فإنها قد تلوح بمنافع التحكم والتسلط، وتشكل إغراءات للنفوس الضعيفة، إنها تفبرك أعتى مجرمي الحق الطبيعي لحياة الشعوب والأفراد.المسرح العربي الربيعي اليوم، يقدم نموذجين لصراع التسلط الفئوي والفردي، وجرائمه الهائلة في دمشق تضرب الديكتاتورية الفاسدة أعلى رقم في استباحة كل جرائم الوحش البشري المعروفة والمجهولة منذ بداية الإنسانية على هذه الأرض المظلمة. وفي القاهرة يقفز نوع الديكتاتورية الفئوية إلى أعلى صولاته وجولاته ضد أبسط معاني المشاركة الطوعية لمكونات الثورة التاريخية التي أنهت سلطة الفرعون، ولم يكن في حسبانها أن يخرج بين صفوفها من تسكنه صلافة السلطة المطلقة، فيكون أول المنقلبين على مبادئ الثورة بدءاً من إسقاط عدالة الحكم بعد الإطاحة بعدالة التمثيل. لمكونات المجتمع جميعها وأهدافه المشتركة.’ مفكر عربي مقيم في باريسqraqpt