وافق على زيارة أمريكا بعد خروج الجيش الأمريكي من العراقالتقته فاطمة عطفة: من أقدم الحضارات على أرض الرافدين انبثقت ينابيع الفنون من شعر الملاحم والنحت إلى الموسيقى، من هذا العمق التاريخي حمل شغفه بآلة العود ومضى ليجعل له مهدا أو أرجوحة بجانب القلب لتلتقي دقاته بحنين أوتار آلته حيث قدم للعالم أجمل إبداعاته الموسيقية، منطلقا بها من بغداد ودفء الوطن إلى القاهرة، ومن دمشق وحاراتها القديمة إلى بيروت وتونس، يكتب تاريخه الروحي بمعزوفات موسيقة حملت نبض التاريخ وملامح الأمكنة. مرافقا وممتزجا بأروع قصائد المتنبي ودرويش والسياب وأدونيس وأمجد ناصر. مشروعه الموسيقي أن يغرس نخلة من فكره وخياله ويفتتح بيتا للعود في كل عاصمة عربية، ثم ينتقل بهذا الحلم الحضاري الجميل ليدخل به أوربا من بوابة إسبانيا ويتوجه إلى ماليزيا في جنوب شرق آسيا. هذه الدائرة الواسعة من حلم الإبداع وطموح الإرادة وهمة العمل جعلت الفنان الكبير نصير شمة مثالا وقدوة لآلاف المواهب من طلابه، إضافة إلى ملايين المعجبين في الشرق والغرب. والجميل أن يتم لقاؤنا مع الفنان في 25 يناير ذكرى السنة الثانية للثورة في مصر التي كانت ولا تزال منارة للثقافة والإبداع في مخلف الفنون، ومنها كانت انطلاقة بيت العود. ولـ’القدس العربي’ ورئيس تحريرها مكانة خاصة لدى الفنان، ومن هنا تفضل مشكورا ليخص قراءها بهذا اللقاء في بيت العود العربي بأبوظبي، وذلك قبل ساعتين من موعد سفره إلى الكويت.* بعد أن سمعنا من طلبة المعهد في آخر حفل معزوفة ‘ليل’ وهي عمل رمزي من وحي ابنتك ليل، هل من جديد آخر؟* ‘الجديد هو قيامي بجولة في أمريكا تبدأ في يوم 7 آذار/مارس في أول حفل بواشطن، وهذه الزيارة كانت مؤجلة سنين طويلة بسبب احتلال العراق. والآن لأول مرة أوافق على الذهاب إلى أمريكا بعد خروج الجيش الأمريكي من العراق. هذه الجولة سوف تشمل عدة ولايات مع فرقتي ‘عيون’ وهي فرقة أسستها سنة 98 في مصر، وتضم اليوم أفضل سبع عازفين موجودين في مصر والعالم العربي. على مستوى آخر هناك أسطوانة لحفل قدمناه السنة الماضية بأبوظبي في قصر الإمارات وهو لأفضل موسيقيين وسوف يصدر بأسطوانتين، انتهت النسخة الماستر، ستصدر في 2013 إن شاء الله. وعندي عمل جديد اسمه ‘باب توما’ هذا العمل قدمته في أول تظاهرة سورية لمثقفين وفنانين ووقفتهم مع سوريا، كنت قدمت حفل الافتتاح في القاهرة على مسرح البالون. وبعد لقائنا هذا سأذهب إلى الكويت وهي الزيارة الأولى من نوعها، وهذا الحفل أيضا مخصص ريعه بالكامل للشعب السوري في الداخل، للمهجرين السوريين الذين طلعوا من بيوتهم والتجأوا إلى أماكن آمنة أكثر. هناك في الكويت سيدات سوريات ومن الكويت هم من نظموا لهذه الفعالية، وأنا ومالك جندلي متبرعين لتقديم كل واحد منا ليلة في 26، و27 يناير، وهذه الجولة مني مقدمة ضمن الجولة التي أقوم بها من أجل سوريا في هذه الأيام’.* طالما نحن في الحدث السوري، سؤالي لك حول مشروع بيت العود في دمشق: هل العلاقة جمدت نتيجة موقفك هذا أو مع جهة معينة معارضة، أو أن موقفك كفنان وسطي ومشروع بيت العود بعيد عن المواقف السياسية؟* ‘أولا موقفي لم يكن وسطيا، من أول يوم وأنا مع حرية الشعب السوري، وضد القتل وتدمير المدن، كان موقفي صريحا من أول يوم من الثورة، لذلك عمري ما فكرت في حسابات شخصية قد تتضرر نتيجة هذه المواقف، أنا لما أشعر أنه يجب أن أكون مع الحق لا أفكر في أشياء أو مصلحة ثانية هذا أولا. ثانيا: بيت العود في سوريا ظل مشروعا، وقتها تحدثت مع وزير الثقافة رياض نعسان آغا، وذهبنا معا في جولة في المدينة القديمة للبحث عن دار، وجدنا أغلب الديار التي كنا نفكر فيها تحولت إلى مطاعم في دمشق القديمة، وبقي المشروع على الورق، وأنا علاقتي مع الشعب السوري علاقة عظيمة لذلك كان علي أن أكون واقفا معهم في هذه الأزمة، ومن أول الثورة وهذه المحنة التي هم فيها الآن، ولم أتردد ثانية واحدة في إعلان موقفي تجاه سوريا. فعلا ذهبت من أول ما بدأ معسكر الزعتري في الأردن، أخذت كرفانات وعملت حملة على الفيسبوك اسمها كرفان لعائلة، وغيرها من الفعاليات التي قدمتها وذهب ريعها للشعب السوري. وهكذا الموضوع لم يتوقف ولن يتوقف حتى تحقيق أهذاف الثورة، وفي إعادة البناء سيكون لنا دور لأن إعادة البناء تحتاج لسنوت وإلى جهود كل الطيبين للعمل من أجلها’.* لكن هل تعتقد أن هذه الأزمة سوف تنتهي قريبا؟ وكيف ستكون النهاية؟ وبنفس الوقت أنت تقيم في مصر، كيف تنظر إلى من استلم في مصر، وهل سيكون حكم الأخوان قادرا على التعامل مع الأحزاب السياسة الأخرى، وأن يحقق متطلبات الشعب المصري؟* ‘أولا بالنسبة لسوريا أرجو أن ينتهي ما يجري قريبا جدا. التوقعات السياسية حسب قراءتي يمكن ان تستغرق شهرين أو أكثر قليلا وتنتهي الأزمة، وأعتقد أنها ستكون بنهاية الحكم ولا وجود لحل ثان. بعد كل هذا الدم والشهداء وعمليات الاغتصاب.. بالتأكيد حرق النظام كل مراكب العودة، ولا يمكن لعقلية الحزب الواحد التي لم تعد تنسجم مع أنظمة الديمقراطية في العالم لا يمكن أن تنفع بعد. وبالتوازي معها كذلك أنظمة الأخوان لا يمكن أن تنفع، يعني الخوف فيما حصل ببلدان الربيع العربي، أن جاء الأخوان، وهم كانوا يعملون بالخفاء من سنين طويلة، وكانوا منظمين ولديهم قواعد شعبية. والشباب الذين ثاروا وحققوا ثورة تونس ومصر وليبيا واليمن والآن سوريا، كان عندهم هدف واحد هو رؤية الوطن بحال أفضل. لكن الإخوان كانوا مشغولين بأنفسهم للوصول للحكم، وظلوا في الخفاء يعملون بدهاء لحين الانتخابات واكتسحوا بشكل ما بعضها صحيح وبعضها مزور، والآن استلموا دفة الحكم. لكن أنا أعتقد ان سياسة الإخوان إذا لم تتبدل جوهريا، لن يكون لها مستقبل في العالم العربي بأكمله، أولا. ثانيا حتى تتغير جوهريا، سوف تصدم بالمعتقد الديني وعليه سيكون هناك خيارات أخرى، هي العمل الخيري والابتعاد عن السياسة، وهذا ما أشك به. أنا أشك بأن الأخوان سينجحون، أعتقد أن حكم الأخوان سوف يفشل في كل مكان في الدول العربية، إذا ما كان هناك برنامج ينسجم مع العالم. وإذا انسجم مع العالم هذا البرنامج بالضرورة سيصطدم بالمعتقد الديني وبالتطرف الذي يملكه البعض. هذا سوف يجعلهم يتوارون عن الأنظار وإلى عقود من الزمن حسب رأيي. لكن تجربتهم لا ضير فيها، بمعنى أن نجربهم في الحكم لا ضير فيه لأنهم موجودون. ممكن أن يؤذوا الشعب، ممكن يؤذوا الوطن لكن خليهم يجربوا سياسيا، بعد ذلك أنا أشك في نجاحهم، وأنا راهنت في مصر على البرلمان أنه لن يستمر.. وسقط في أشهر، وكذلك الآن وفي هذه اللحظات التي نتكلم فيها الشعب المصري أصبح نصفه في الشارع، الله يستر مصر اليوم، ماذا سيحصل في ذكرى الثورة وبعدها؟’.* قبل أن نبتعد عن السياسة لا بد أن أسألك عن رؤيتك لبلدك العراق وما يجري حاليا هناك. هل فعلا ما يحصل لصالح الشعب العراقي أو هناك سياسة وتدمير ممنهج لهذا البلد؟.* ‘العراق فيه قانون بريمر اللعين هو وضع العراق على قنبلة موقوتة، تأخر انفجارها بحكم انشغالنا بانفجارات مختلفة في كل أرجاء العراق. لكن القانون الذي قام على الطائفية والمحاصصة هو قانون لا ينفع في أي بلد بالعالم، لأن الكل مسلح نتيجة الحروب الطويلة. إن 90% من هؤلاء كانوا في الجيش أو أجهزة الأمن أو بالشرطة والمخابرات، وبالتالي الكل مدرب، حتى الذي كبر في السن علم أولاده. أنا كنت آمل من الحكومات العراقية التي جاءت بعد الاحتلال أن تشتغل على المصالحة الحقيقية ولم شمل العراقيين وتفويت الفرصة على اللعب بفكرة الطائفية، وأن يكون هناك رئيس حقيقي يؤمن بأن هذا العراقي الكردي هو نفسه العراقي البصراوي، ونفس العراقي في الأنبار أو في بغداد.. دون النظر إلى ديانته ومكانه الجغرافي ومرجعياته غير الوطنية، أي النظر في مستقبل العراق بأن تأخذ بكل هؤلاء وعبر أولادهم وعوائلهم إلى المستقبل. هذا لم يحصل في العراق، لأن جزءا من السياسيين كانوا مشغولين بالنهب، وجزءا آخر كان مشغولا برد الفتن ضده، وجزء ثالثا كان مشغولا بصد الهجمات من دول الجوار، يعني انشغلوا في 11 سنة بأشياء غير نافعة للوطن بحكم أن العراق جغرافيا موقعه صعب جدا. عندنا حدود ألف كيلو متر مع إيران التي لم تترك العراق يعيش بسلام هذا يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، بالإضافة إلى إيران هناك دول أخرى عندها مشاكل طائفية مع النظام العراقي، بمعنى أن هذا النظام علاقته جيدة بإيران إذن تعتبره هو يمثل إيران وبالتالي لا بد من القضاء عليه بدعم السنة. وهنا دخلت المعادلة في مسألة تأجيج الصراع الطائفي. اليوم كل ما هو حاصل بالعراق هو صراع طائفي، صراع على الكرسي، العراق تقسم ككراس، لازم كرسي الرئيس يكون من فئة، رئيس الوزراء من فئة أخرى دينية وطائفية، من البرلمان لازم من فئة أخرى. هذا التقسيم أضر بالعراق كثيرا، وصرنا نبحث أن هذا الكرسي من الذي ينفع له، وليس العكس، أي أن يكون هذا الرجل مهما وقادرا على التخطيط، أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب له. هذا النظام هو من أخر التطور عندنا. أنا رحت العراق بعد غياب طويل مدته 19 سنة، رحت في شهر أبريل/ نيسان خلال قمة بغداد، وجدت الشوارع على أسوأ مما كانت عليه، شارع السعدون هو الشارع الحقيقي الكبير في بغداد غير مبلط. هذا كان مبلطا في أيام صدام حسين، كان الشارع معبّدا ويزهو. طيب راح صدام، أين البديل الإيجابي الذي حصل وتغير للأفضل؟ الشوارع غير معبدة عشر سنوات، إذا صار مطر ساعتين تفيض. ما عرفوا أن يعملوا كهرباء، والعراق لم يكن عنده مشكلة في الكهرباء. كل المشاريع حبر على ورق: يأتون بمقاول يأخذ الفلوس ويهرب. هذا يعني أن البلد في أيدي غير أكفاء على كل الميادين. لذلك الانفجارات تحصل، ونرى المقاولين ورجال الأعمال يأخذون الفلوس ويهربون. لذلك أي سياسي يسأل في مسألة مادية يروح للدولة التي جاء منها، يهرب بالجواز الذي عنده لأي دولة غربية، بينما كان قبل ممنوع العراقي السياسي أن يكون عنده جواز سفر غير عراقي. يا إما يتنازل عن جوازه الأجنبي أو لا يكون في أي منصب سياسي. الآن كل واحد معه جوازه الأجنبي، مجرد يطلب لقضية فيها فساد وهو يعرف نفسه فاسد يهرب فورا، وكل واحد يهرب يكون معه مليارات، وصفقات كبيرة تكتشف بعدها. هذا حال العراق من عشر سنين. الجانب الإيجابي الوحيد الذي يبشر بالخير هو الجيل الجديد وأنا أراهن عليه، هذا الجيل فيه أمل كبير لأني رحت شفته في اليوم العالمي للسلام، حسيت أن هؤلاء الشباب ومنهم من خلص دراسة الطب أو الكيميا وتخصات مهمة وكلهم عندهم ثقافة. أغلب الذين أتاحت لي الفرصة أن ألتقي المئات منهم في حفل واحد وتحدثت معهم، رجعت متفائلا بأن هؤلاء الشباب هم المستقبل، وهم يحملون نبذ للطائفية وللتفرقة التي زرعت في العراق في ظل الاحتلال’. * لقد ذكرت بيت العود في ماليزيا، لو تحدثنا عن بيت العود هناك ومستقبل بيت العود الشرقي وانتشاره بالنسبة للعالم، أي كيف يستقبل الغرب هذه الموسيقى الشرقية والتي منبعها من العراق؟* ‘أنا بدأت هذا المشروع بتخطيط ولم يأتِ اعتباطا، حتى استقبالي للطلبة من آسيا، من إفريقيا، من أوروبا، ومن العالم العربي كله، جميعهم تحولوا فيما بعد لرسل سلام، وكل شخص درس في بيت العود وتخرج منه عاد لبلده وجمع عدة طلبة أصبحوا يقيمون نشاطات وأصبحوا بحاجة إلى أستاذ، فأرسلنا أساتذة من بيت العود من هنا ليقيموا دورات هناك، وقليلا قليلا كبر العدد وأصبحوا يطالبون ببيوت للعود فبدأنا نعمل على هذا. هذه الطريقة بدأت بها منذ تأسيسي لبيت العود. وفي مقابلاتي السابقة منذ أربعة عشر عاما كنت أقول: سأجعل في كل بلد عربي بيتا للعود. وبيت العود في إسبانيا كان يجب أن ينطلق في نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت في 2012 لكن هذه الأزمة الاقتصادية في إسبانيا وفي العالم أخرت هذا المشروع قليلا. الآن في ماليزيا اتصل بي مجموعة من طلبتي الذين درسوا عندي في مصر وطلبوا مني الإذن بأن نعلن مشروع بيت العود هناك، وقالوا لي إن وافقت فسنبدأ بتحضير كل الإجراءات اللازمة حتى تزورنا ونفتتح بيت العود بشكل رسمي. وتبقي طبعا تحت إشرافنا كل هذه البيوت، وكل الذين يدرسون بها هم سيكونون خريجي بيت العود العربي. وبهذا الشكل نحن ننشر هذه الثقافة ونعززها وندع الجيل الجديد يؤمن بهويته وبثقافته، فهذه الآلة الموسيقية هي ثقافة شعبنا ومنطقتنا، والجيل الجديد كله مؤمن بها وهذا هو الشيء المهم في الموضوع’.* علاقة الأستاذ نصير الموسيقي مع الشعر، ألم تتناول بعض المختارات الخاصة لدرويش أو لنزار قباني والسياب وغيرهم من العمالقة، وكيف علاقتك الشخصية مع الشعر؟* ‘البارحة لو سمعت الشعب السوداني حيث قدم مازن مقطوعة اسمها تعاليم حورية، وهي قصيدة بنفس العنوان لمحمود درويش من ديواته ‘لماذا تركت الحصان وحيدا’، وكذلك ‘أناجيه على ملأ’ مثلا، هذا عمل وقصيدة بنفس العنوان للمياء عباس عمارة، وقطعة اسمها السياب وهناك قطعة عن أحمد شوقي، ولدي ‘حوار المتنبي والسياب’ والتي هي واحدة من القطع الشهيرة التي صدرت في أول أسطوانة سنة 94 من باريس. أيضا هناك تجارب ثنائية على المسرح أنا والشاعر الكبير محمود درويش حيث أقمنا أكثر من حفلة، آخرها في سنة رحيله كانت في عمان من أجل اللاجئين الفلسطينين. كذلك عملنا أنا وأدونيس حيث قدمنا في أكثر من اثنتي عشرة دولة وكانت تجربة جديدة قدمنا فيها ما أسميناه ‘ليلة استثنائية’. وقدمت أنا والشاعر أمجد ناصر من قصيدة النثر والتي أعتبر مشروعها الشعري من أجمل المشاريع الشعرية في الثقافة الشعرية العربية، قدمنا هذا في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة وكان لدينا نية أن نواصل هذا العرض الذي قدمناه. واصلنا عروضنا مثلا أنا وأدونيس في عدة دول. وأنا عملت على الشعر مبكرا جدا منذ 84 وأنا طالب، قدمنا تجربة لعملين كبيرين من أعمال بدر شاكر السياب، عنوانهما: ‘غريب عن الخليج’ و’أنشودة المطر’ قدمناهما أنا والفنان عزيز خيوم، وبعد ذلك عملت عليها مجددا وقدمتها أنا والفنان جواد الشكرشي في تونس حيث قدمنا تقريبا اثنتي عشرة ليلة بها. الموسيقى والشعر بالنسبة لي هما صنوان متلازمان لا يفترقان فأنا يوميا أقرأ شعرا، وأحيانا أكتب لنفسي وأحيانا ألحنه، وأحيانا أستوحي منه نصوصا موسيقية’.* بالتأكيد أنك قد قرأت كتاب الأغاني للأصفهاني، وهناك علامات تؤدى للعزف وهو مثلا يقول به خفيف وثقيل وهناك إشارات للأصابع، هل استطعتم أنتم كموسيقيين أن تتحققوا مما كتبه الأصفهاني في كتابه حيث تغنى بتلك القصائد الكثير من المطربين والمطربات؟ ‘هو هذا جاء بطلب من الخليفة في بغداد عندما اشتكى إليه العامة من فساد الأغنية فطلب من أبو فرج الأصفهاني جمع أفضل الأغاني ووضعها في كتاب فجمع ألف صوت أي ألف أغنية وأبو فرج الأصفهاني عمل عليها كمؤرخ وحاول أن يعمل لها ما يسمى بالتدوين الموسيقي. وهناك أشخاص عملوا على هذا ونذروا أعمارهم في سبيل هذا الهدف وحققوا نتائج لكن لم يتحول هذا الكتاب إلى نوتات ممكن أن يقرأها الموسيقيون، بل بقيت حكرا على بعض المحللين. وهذا مشروع كبير جدا وعظيم، لو تحول على الأقل كنا عرفنا كيف كان حال الأغنية، لكن لا بد من الوصول إلى نتيجة في هذا الموضوع. لكن الكتاب الآن بما هو عليه، أي عندما يقول الخنصر والبنصر والسبابة يحدد الإصبع لكن تحديد مكانه على زند العود وتحديد زمانها في الإيقاع، هذه قليلا ما زالت طلاسم’.* ألا يحتاج هذا منك ومن الأستاذ نصير بحث وأن تثبتوا شيئا حول هذا الأمر؟’هذا ممكن، وأنا حاولت أن أؤسس أربعة، خمسة من الشباب في بيت العود في القاهرة وأن أتجه بهم إلى البحوث، وهم عازفون مهرة ومن الممكن أن نحقق كذا رسالة، فهناك رسالة الكندي في الهارموني والتي سبقت أوروبا، وهناك رسائل للأرموي علمية ومهمة جدا، هذا الموضوع نعمل عليه، وهناك منهم تجارب زرياب فنحن لا نعرف زرياب فكل مالدينا عنه هو وصف ولا نعرف حقيقة ما الذي عمل. إن تدمير بغداد في زمن هولاكو أثر على تطور الحضارة كلها، فالسلاسل التي كانت تربط هذا الزمن بكل الأزمان انقطعت’.* فريد الأطرش كعازف عود له شهرة شعبية واسعة، بينما نرى أن السنباطي يتمتع بأهمية أكبر في عالم الموسيقى، كيف ترى الفرق بينهما؟* ‘هو لكل قطب من هؤلاء بصمة استثنائية في عالم الموسيقى، ومن الصعب المقارنة بين أي اثنين من الفنانين، فكل فنان لديه ما يتفرد به عن غيره. لذلك لا يمكن أن نقول أن هذا أفضل من هذا، لأن هذا لديه قاعدة جماهيرية عريضة والآخر كذلك. ورياض السمباطي صاحب مشروع لا ينافسه به أحد على الإطلاق، لا في العود ولا في القصيدة، ولا في البناء ولا في الرؤيا ولا في العمق. لذلك اليوم أهم أعمال أم كلثوم ما بقي منها في الغالب يعود للسنباطي وزكريا أحمد، وبعد ذلك يأتي القصبجي وغيره. بالنسبة لفريد الأطرش الذي فعله بالعود كان خدمة عظيمة، فالعود كان في الشرق في العراق في مقدمة المسرح منذ بابل قبل خمسة آلاف سنة وما يزيد، أما في مصر وسوريا وفي لبنان وفي العالم العربي بقي العود وراء المطرب في التخت يرافق المغنية أو المغني ولم يتجرأ أن يتقدم إلى مقدمة المسرح. فريد الأطرش كسر هذا الحاجز وقدم العود في الحفلات الغنائية كآلة لمدة خمس دقائق أو ربع ساعة، هذه الدقائق خدمت العود وجعلت له جماهيريته حتى من باب مطرب وملحن شهير. رياض السنباطي عازف عود كبير جدا لم يعلن ذلك، لكن نحن كموسيقيين نعتبر أنه إن كان هناك شيء يسمى المدرسة الشرقية فأساسها الأول هو رياض السنباطي’.* آلة العود بالنسبة للفنان، هل فيها شيء قريب من روحه؟ فشكل العود يأخذ شكل القلب وطريقة حمل العود واحتضانه تكون ملاصقة للجانب الأيسر من صدر الموسيقي، هل برأيك العود له إحساس مختلف عن بقية الآلات الموسيقية الأخرى؟’آلة العود تكاد تكون أكثر آلة التصاقا بجسد العازف، فأي آلة من الآلات التي توضع على الجسد توضع عبر مواد كثيرة فمثلا الأوكورديون يحتضن باليدين وعلى الصدر لكن هناك مواد عازلة كثيرة فهناك بلاستك وحديد وكرتون لكن العود جسده وجسد العازف متلاصقان، وهذا في لحظة من اللحظات عند العازفين الخلاقين يتحول إلى كيان واحد، وهذا الكيان يضخم قوة الصندوق الصوتي للعود فيصبح الصندوق هو الجسد والآلة نفسها وبالتالي يصبح العود يشبه العازف تماما، أي صوت الآلة يصبح يشبه شخصية العازف، لذلك أنا قلت منذ زمن أن العود يتعطر بنفس العواد، لأنه يأخذ من رائحة جسده ويأخذ من روحه وتخرج من هذا الصندوق أسرار. وفي الوقت نفسه تعطي نفس الآلة لعازف آخر يخرج صوتا منها أحيانا يكون سيئا جدا. لكن في الحقيقة ما يظهره هو ما يمكلكه العازف من ثقافة ومن إرث ومن تكنيك ورؤيا تظهر من خلال هذه الأداة التي أعتبرها كائنا حيا بكل معنى الكلمة’.*أريد أن أسألك عن مقطوعتين المقطوعة الأولى ليل وهي جديدة وهي لزهرة البيت لديك ليل، لماذا المقطوعة اسمها ليل ولماذا إخترت إسم لإبنتك ليل ماذا يعني الليل لنصير شمة، هل كان اختيار اسمها قبل ولادتها؟ وهل شاركت الشاعرة لينا باختيار الاسم؟*’لم أكن سامعا باسم ليل من قبل، فظننت أنني أبتكر اسما جديدا، وقلنا إن أتى صبي أو بنت فسنسميه ليل ولينا وافقت على الاسم لأنه اسم جديد، وكل شخص سمع بالاسم سأل لماذا ليل؟ لكن هو ليل أسرار وغزل وكله سحر وطاقة إيجابية، وأجمل الأشياء أحيانا تظهر في الليل مثل الموسيقى. نعم، التدريب مهم جدا في الصباح الباكر لكن حالة الإلهام عندما تهجع البشر والنفوس تنام تبدأ طاقة جميلة جدا في الكون تدور وتبحث عن إنسان ساهر حتى تودع لديه سرا من الأسرار، الليل كله جمال بالنسبة لي، وحبي لهذا العالم اكتشفت به جماليات كثيرة أحببت أن أضعه في اسم ابنتي’.* معزوفة باب توما هذه الساحة الأثرية التي لديها مكانة خاصة في دمشق ولديك، كيف أتت قصتها ومحبتك لباب توما؟* ‘أنا في جميع زياراتي لسوريا لا بد أن أسرق نفسي وأحيانا أذهب وحدي وأتجول في أزقة باب توما وأتوه بها وألف وأقضي وقتا طويلا بها، لأن هذه الأماكن العربية القديمة والحجر والخشب تعطيني إحساسا بالحياة مختلفا تماما وتحسسني بعراقة وطننا في هذا الوقت وكم به تفاصيل. أيضا ترين المسيحي مع اليهودي مع المسلم كلهم يعيشون بجمال. واسم توما هو اسم واضح يعلن ديانته، فبالتالي هذا تكريم لهذا التنوع وتكريم لهذا الجمال في سوريا وفي العراق وفي مصر. أساسا نحن بلادنا، إن أزلت منها فئة من هذه الفئات فهي مقسمة في حياتها، هناك أرستقراطية وهناك اليد العاملة، الجينات هذه لها علاقة بهذه الشعوب، أي نحن عندما نقول الآشوريون، هذه جينات عمرها آلاف السنين، وعندما نقول الكلدان أيضا آلاف السنين وعندما نقول أن كل هذه الفئات الموجودة إن كانت غدت فيما بعد ديانات أو هم سلالات لحضارات، فوجودها في دولنا هو نعمة كبيرة في عالمنا، فأنا أحببت أن أشير إلى هذه النقطة من خلال باب توما. باب توما هو مثال لأجمل تنوع في عالمنا العربي، حي واحد صغير فيه كل الديانات وكل القوميات وكل الأعراق’.* مقطوعة حب العصافير، بعد العصافير ماهو الشيء الآخر الذي من الممكن أن يدغذغ مشاعر الفنان وعوده مثلا ضحكات الأطفال؟* ‘لقد عملت قطعة اسمها طفولة، وهي من أصعب القطع تقريبا لأن الطفل صعب. فالطفل بقدر ما هو جميل فمن الصعب الحفاظ عليه ومداراته والعناية به وتدريسه، ومستقبله والقلق الذي ينشغل به الأب والأم من أجله حتى يكبر الطفل فهو هم. فصعوبته تكمن في ضعفه وبساطته، وقوته تكمن في ضعفه فهو قوي بتأثيره لأنه كائن ضعيف، لكن هو في الحقيقة يحتاج كل قوتنا حتى يصبح كائنا مهما في المستقبل. فمقطوعة ‘طفولة’ كتبتها من خلال تجربتي مع ابنتي حيث كان عمرها عامين وقد عملت عليها كثيرا. الأطفال يؤثرون بي كثيرا، وقد عملت مقطوعة اسمها ترنيمة لأطفال أفغانستان لأنهم محرومون من التعليم ومن اللعب، ومحرومون من أبسط مستلزمات الحياة، وعاشوا فترة بسبب بحيرة قزوين للبترول والذي سيفتتح بعد خمسين سنة بداية من دخول أمريكا لأفغانستان. بحيرة البترول الكبيرة هذه الموجودة في أفغانستان جلبت لعنة على هؤلاء الأطفال وذاك الشعب، هذا بالإضافة لوجود طالبان والتطرف والقاعدة التي غدت كلها هناك، هذا كله دفع ثمنه أطفال أفغانستان فلا يوجد أحد ينتبه لهم. وهؤلاء يشغلون بالي فعملت قطعة عن مجزرة الحولة وعن باباعمر وعما حدث للأطفال في العامرية، وإن أتيت ودققت في مؤلفاتي ستجدين حصة كبيرة للطفل كما للمرأة وكما للأدب’.* المبدع عندما تكون له شريكة حياة متفهمة ومبدعة أيضا، هل يحتاج المبدع فعلا للمرأة أم أن المرأة هي التي بحاجة لمبدع كي يرفع من شأنها ويصلا معا؟* ‘الإنسان، بغض النظر إن كان رجل أو امرأة، هو بحاجة أن يكون الآخر على مستوى مهم من الوعي ومن السلوك الحضاري ومن التفهم، وأن يكون داعما سواء كانت امرأة أو إن كان رجلا، بالتالي معيار هذا كله يقاس بالناتج إن كانت هذه المرأة شاعرة وبقيت تتألق أو خفت نجمها أو العكس فتأثر سلبا أو إيجابا. المهم جدا من يعثر بعناية على المرأة التي تكون حبيبته وتكون في نفس الوقت حبيبته وملهمة وتكون داعمة لحياته، وفي نفس الوقت بالنسبة لها كامراة أن تجد الرجل الذي يكون كل شيء لها في العالم، لأن المرأة بالنسبة للرجل هي محور الكون كما أن الرجل في حياة المرأة هو نقطة الكون التي تبدأ منها إلى المكان الذي ترغب به. هناك نساء أطفئت طاقاتهم بعد الزواج، كن أصواتا ومواهب عظيمة وكن قدرات خلاقة حتى في العلم والطب وغيره، وهناك نساء كن عاديات وغدون مهمات لأن وراءهم رجلا عظيما أو رجلا محبا أو واثقا من نفسه ومنها، مسألة الشراكة هذه لا تقف على أنانية بل على عطاء متواصل من الطرفين’.