زياد خداّش ما نوع الورد الذي كان يحبّه جدو زياد؟ سأل حفيدي شادي ابنة عمه وزوجته ريم، بينما كانا ذاهبين لوضع الورد على قبري في الذكرى الثلاثين لرحيلي. لم يكن جدو يعرف أنواع الورد، كل وردة عنده اسمها وردة. ضحكت ريم، وكيف عرفت ذلك؟ في كتاب يومياته كتب ذلك، أنسيت أن أبي ما زال يحتفظ بدفتر يوميات جدي غير المنشور! وماذا كتب جدي في اليوميات؟ عن مواضيع شتى، حبه الكبير لامرأة لا يعرفها أحد، تناقضات شخصيته، هزيمته النهائية أمام ضعف عضلة قلبه، وحنينه لأصدقاء كثيرين سبقوه إلى الغياب، حبه الغريب للأطفال، وضعفه أمام مطالبهم، هوسه بروايات قرأها أكثر من مرة مثل (آنا كارنينا) لتولستوي، و(الريح القوية) لاستورياس… وحديثه بفرح وحماسة وإسهاب عن انطباعات الناس وانطباعاته عن ثورات فلسطين واليمن ومصر وليبيا وتونس وسورية وباقي الدول العربية، ويقول مثلاً في إحدى الفقرات إنه ظل سنوات طويلة يشعر بندم لأنه لم يلتزم بوعده الذي كتبه على صفحته (الفيسبوكية) لأصدقائه بالرقص عارياً تحت المطر، حين سقط نظام حسني مبارك، تقصد حسني مبارك؟ آه آه، معك حق، حسني مبارك، آنذاك، لم أكن أنا وأنت قد وجدنا في هذه الحياة، كان ذلك منذ زمن طويل، تتحدث مناهج مدارسنا وكتب التاريخ بزهو عن ثورات شعبية عارمة وضعت فيها شعوبنا العربية حداً للطغاة بعد سنوات طويلة من الذل والظلم. تخيلي مثلاً أنه كان ممنوعاً على الناس السفر إلى الخارج بحجة غريبة، هي أنهم يشكلون خطراً على أمن البلد؟ هل أنت جاد في ما تقول؟ أقسم بالله أنني جاد. تخيلي مثلاً أن بعض هؤلاء الرؤساء كان قد أمضى في حكمه أكثر من ثلاثين عاماً! وأن القضاء لم يكن مستقلاً، بل كان ملحقاً بأجهزة الأمن، وأن سجين الرأي كان يختفي عن الوجود بمجرد دخوله السجن، وإن كتبت له الحياة، كان يعذب تعذيباً شديداً، ويمضي أربعين عاماً، مثلاً، دون أن يعرف أهله أين هو؟ وأن لا أحد كان يستطيع أن يكتب مقالاً ينتقد فيه أصغر مسؤول في دائرة حكومية، وأن صور الرؤساء كانت توضع بشكل إجباري في المكاتب الحكومية، وأن الناس كانت تجبر على الخروج في مسيرات احتفالية بعيد ميلاد أو زواج أو تنصيب الرؤساء، أرجوك أن تتوقف عن السخرية مني، لالالا أنت تبالغ يا زوجي العزيز، أمعقول هذا؟. كم هو خيالك مضحك؟وصل حفيدي وابنة أخي إلى قبري، وقفا صامتين، قرآ الفاتحة، وضعا الورد الذي لا أعرف نوعه، ثم غادرا سريعاً، فحفيدي يجب أن يكون في بيروت لحضور حفل زواج صديقه متري على صديقته آمنة، هذه الليلة، والقطار الذي يمر من رام الله في طريقه إلى القدس، فعمان فدمشق، فبيروت، قادماً من رأس الناقورة، مروراً بحيفا وجنين سيصل خلال دقائق.qad