المشهد السياسي المصري.. تأبيد ‘المكلمة’.

حجم الخط
0

أحمد عبد الرازقلعل أبرز ما تشهده الساحة المصرية حاليا هو ما يمكن أن أسميه بظاهرة ‘تأبيد المكلمة’ والمكلمة في الخطاب العامي للشارع المصري هي الإفراط في الكلام حتى يفقد معناه ويصبح ممجوجا مملا، ولست أدري إن كانت هناك علاقة بين تسمية الشارع المصري للفعل وماورد في بعض قواميس العربية الفصحى في تعريف الكلام الكثير الحسن بـ (التِّكْلام، والتِّكْلامَة) لكنني متأكد تماما من أن الفعل الذي يجري على الساحة المصرية حاليا ليس حسنا على الإطلاق بل هو على العكس ممل وسخيف ويبعث على الضيق، ويبدو أن حالة تأبيد ‘المكلمة’ على الساحة المصرية لن تتوقف على المدى القريب وأنها تكتسب كل يوم دفعا تلقائيا بفعل إصرار من يغذونها على استمرارها وتواصلها في حركة انتحارية لاواعية تؤدي في النهاية إلى تعظيم الفجوة بين القول والفعل وشغل الناس بفعل الكلام في حد ذاته وايهام الفرقاء بأنهم يحققون نصرا لانهائيا من خلال الإنهماك في معارك كلامية بحيث ينتظر كل فريق إنتهاء هجوم الخصم الكلامي ليشرع هو في هجوم آخر مضاد يتخيل أنه سيحمله إلى مصاف المجد. على مدى عامين كاملين منذ نجاح الثورة المصرية العظيمة في يناير 2011 أخرجت مصر للعالم آلاف المتكلمين .. ‘إعلاميون متلونون .. محللــــون ..استراتيجيون، ومدعون يبيعون أنفسهم لقاء بعض دولارات يقولون من أجلها ماتمليه أجندة المشتري.. سوق كلام مفتوح على أفق لاينتهي وكأن الكلام هو الغاية وكأن الانتصار في حرب ‘المكلمة’ هو الذي سيدفع مصر إلى الأمام فلا المكلمة أنجزت فعلا ولا مصر تقدمت بل على العكس إزداد أهــــلها تشــوشا وبؤسا وازداد اقتصادها تراجعا بينــــما مايزال أبطال الكلام متمترسين في معاركهم الوهمية .. هل هي أزمة ثقافة؟ أم أنها مشكلة نخب تسعى لتكريس تلك الثقافة وتعظم من مساوئها حتى تؤبد ‘المكلمة’ وتؤبد معها حالة مصر المستعصية أو على الأقل تبقيها في وضعية ‘محلك سر’ عند حدود الكلام بينما تمارس كل أمم الدنيا فعل الحركة والإنجاز؟ الحقيقة هي أن الحالة المصرية لايمكنها شاءت أم أبت أن تتنصل من انتمائها لثقافة عربية وصفت كثيرا بأنها ثقافة كلامية كما وصفها بعض الغيورين عليها من أبنائها أحيانا بأنها ظاهرة صوتية، وفي كثير من الدراسات توصف الشخصية العربية بأنها عادة ماتسهب في الكلام والوعود والخطاب لكنها تتوقف عند حدود هذا الكلام فقط مقتنعة بأنها بذلك أنجزت وفعلت في خداع غريب للذات، والعيش في عالم وهمي منفصل عن الواقع، وربما يفسر ذلك حقيقة أننا مانزال نخوض معاركنا الكلامية التي كنا نخوضها قبل عشرات السنين ومازلنا مغرقين في عوالمنا الوهمية بينما الآخرون يتحركون حتى اتسعت الفجوة بيننا وبينهم بصورة بات من الصعب تضييقها، فنحن نغرق في فنون الكلام شعرا ونثرا هجاءا ومديحا ونزين كل ذلك تزيينا رائعا لكننا نتوقف عند حدود ذلك نجتره ونلوكه كل يوم دون أن نخرج إلى حالة الفعل والإنجاز بعيدا عن البعد الثقافي العربي، في الحالة المصرية تبدو هناك خصوصية في هذه الحالة تغذيها عدة أطراف تعمل جاهدة على تأبيد ‘المكلمة’ في مصر فمنذ نجحت الثورة المصرية وعت أطراف مناوئة لهذه الثورة أهمية إغراق مصر في جدل لاينتهي والوقوف عند حدود هذا الجدل والاستقطاب من خلال تشجيع الإغراق في الكلام بكل فنونه من خطابات وتحليلات وتوصيفات فمصر التي لم يكن بها في عهد مبارك سوى قناة تليفزيونية رسمية واحدة وبضع قنوات قليلة خرجت من رحم مؤسسة أمن وإعلام النظام السابق أنفتحت بعد الثورة على عشرات القنوات التي ربما لم تنكشف مقاصدها بوضوح إلا بعد شهور من انطلاقها ومنذ برزت تلك القنوات حرصت على فتح أبواب ‘المكلمة’ على مصراعيها موظفة في ذلك كل محترفي الكلام على الساحة المصرية ويوما بعد يوم بدا أن هذه المنابر أكسبت معركة الكلام زخما متزايدا، وعبر تلك المنابر اختلط الحابل بالنابل ووجد كل من يسعى إلى وجاهة وبطولة زائفة ضالته المنشودة ليعرف نفسه على أنه بطل وخبير وقائد إلى غير ذلك، وقد ساهم المناخ الحالي في إزكاء تلك الحالة في وقت غاب فيه المحترمون الحقيقيون من أصحاب الرؤى والمواقف الوطنية عن المكلمة الطاحنة كما غاب الفعل والإنجاز لتمضي شهور وسنوات وتبقى مصر تراوح مكانها.. هل مصر تحتاج إلى كل هذه المكلمة بظروفها الراهنة وهل بات هم الجميع من سياسيين وإعلاميين أن يحققوا النصر في معاركهم الكلامية عبر الفضائيات؟ الحقيقة التي لايدركها هؤلاء هي أن الشعب المصري في مجمله يبدو وقد سئم كل تلك المعارك الكلامية والتنظير عبر الفضائيات، ففي مصر الآن فقر وجوع ومرض وأحوال تتردى يوما بعد يوم، والمصريون غير معنيين بحروب رجال السياسة والنخب الساعين لأدوار البطولة بقدر ماهم معنيون بحياتهم اليومية التي يعانون الأمرين من أجل تدبيرها، وفي ظني أنه لو نزل الساسة الذين يضيعون ساعات واياما في مكلمة الانتقادات للرئيس والحكومة للشارع وقادوا حملات للتغيير وضرب المثل في العمل على حل مشكلات الناس لتغير حال مصر كثيرا منذ نجحت ثورتها، ولشعر الشعب المصري بالإمتنان لهؤلاء الذين أهدروا شهورا طويلة في التنظير والوقوف عند حدود المعارك الكلامية.لاأتصور ولايتصور أحد أن معظم الدول الآسيوية التي بدأت برامج تنميتها مع مصر والتي وصلت حاليا إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة أمضت ساعات طويلة في الكلام وتزيين الكلام، ففي اليابان يقل الكلام كثيرا بينما يكثر العمل على مستوى السياسيين والمواطنين على حد سواء بل أن الحكومة تشتكي كثيرا من مبالغة اليابانيين في الإقبال على العمل بجدية وتبحث لهم دوما عن حلول للتخفيف من هوس العمل، وعلى مدى ثلاثة عقود كانت فيها مصر تنظم حفلاتها وتغرق في الخطب والمهرجانات في عهد المخلوع حسني مبارك كانت كوريا الجنوبية تنطلق من إنجاز إلى إنجاز في كافة المجالات حتى باتت قوة صناعية يحسب حسابها وحتى باتت شوارع مصر تعج بالسيارات القادمة من كوريا الجنوبية وباتت الشركات الكورية الجنوبية تنفذ مشاريع هائلة في العديد من الدول العربية، لقد شهدت مصر ثورة كان يفترض أن تنتقل بها من ثقافة الكلام إلى ثقافة الفعل لكن ساستها ونخبها هم أول من يحرص في مشهد عبثي على تابيد ‘مكلمتها’ وابقائها تراوح مكانها في وقت لم يعد الشعب المصري يملك رفاهية متابعة التنظير والمعارك الوهمية.’ كاتب من مصرqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية