مدينة بورسعيد: حيث للنشيد الوطني رائحة البارود!

حجم الخط
0

أسامة كمالحدث أن وُلدت بعيداً عن مدينتي الأصلية في قرية صيادين صغيرة، تُسمى المطرية، لا يفرق بينها وبين – بورسعيد – سوى بحيرة المنزلة، هاجرت أسرتي اليها، بعد أن تعرضت مدينتا للقصف المباشر من اسرائيل، وسبب لي ذلك جُرحاً غائراً، لأن وثيقة ميلادي لا تحمل عنوان المدينة التي تحمل ملامحي وذكرياتي .. حدث أن إنفلتت مني الطائرة الغاب، وهذا اسمها وقت طفولتنا، لأننا كنا نصنعها بأيدينا من الغاب، الذي ينمو في أماكن متفرقة وبعيدة على أطراف المدينة، لكننا سميناها الطائرة الورقية، حتى ندنو من رهافة الشعر وندى الحروف، انفلتت طائرتي الى ‘ القنال الداخلي ‘ مثلها مثل كل الطائرات الغاب، التي غابت عن عيوننا، في ذلك الصيف البعيد، وركضت وحيداً الى – القنال الداخلي – الذي لا يحمل في حروفه أي عبق سحري، لكن بريق شريانه. الذي كان يخترق منتصف المدينة، كان يمتلىء بأساطير الدهشة في عيون الأطفال الذين رأيتهم عبر شوارع مختلفة يركضون معي تجاهه، لإستعادة طائراتهم قبل انفلاتها الى الغياب، والى القنال الداخلي، الذي لم نعرف حتى الآن سر انفلات الطائرات من أيدينا وطيرانها إليه.. حدث أن إختفى ‘القنال الداخلي’ دون ان ندري أو نعرف، رغم أننا جميعاً شاهدنا ردمه، على مهل، بمُخلفات المنطقة الحرة، التي لم نكن نعرف منها الا أكياسها الملونة في سماء أيامنا البعيدة، ولم نكن ندري يوماً أنها ستجعل من مدينة المقاومة مدينة من الكرتون .. حدث أن إرتديت أنا وأخوتي ‘ بدلة حمادة ‘ التي ربطت بين اسم حمادة، وبين معنى البهجة في عيوننا، البهجة التي لمعت من عيون شخوص والت ديزني، وهي تتحرك معنا وعلى ملابسنا وتُشاركنا اللعب ..حدث أن رأيت ‘ الألمبيات ‘ بلغة أبناء مدينتي أو عرائس القش المدهشة بلغة الكتابة مُعلقة على كل النوافذ التي مررت عليها في حي العرب حيث أعيش، وحيث يكمن روح المدينة وسرها، وفي آخر الليل ألقينا أو بمعنى أدق حدفنا ‘الألمبيات’، في نار لامست السماء ولامست تباشير شروق الضوء الأول للصباح، والضوء الأول لمعنى المغامرة في أرواح أجسادنا الصغيرة ..حدث أن خرجت من بيتي في أول ليل من شهر رمضان عرفته نعومة طفولتي، ولم تر عيناي الا سبائل البهجة مشبعةً بالضوء، الذي يضيء ‘قللها’ الناعمة، ويتسرب الى داخلي برائحة المورد، ورائحة الايمان الأولى على قلبي، كل المدينة سبائل وكل السبائل قباب تعلو الروح، كأطياف ضوء تتجلى على الأرض وفي السماء .. حدث أن سمعنا النشيد الوطني مبللاً برائحة البارود والشهداء، بعدها رفرف العلم المدرسي على أثر الهواء الشفيف، وأثر حروف وطننا الثلاث – مصر – التي بدأت تعرف طريقها الى براءة قلوبنا، وحدث أن جاءنا المناضل الكفيف متدثراً بحكاياته، وحكى لنا عن نزع عينيه وانفطرت قلوبنا على ايقاع بطولته الثابت، الذي ظللنا نسمعه سنوات طويلة كمارش جنائزي، نسير وراءه حتى نرى الوطن رأي القلب، وحدث أن ذهبنا الى المناضل الكفيف في متحفه، ورأينا التاريخ مصوراً على الحوائط وبين فاترينات البطولات، ورأينا وجوهاً وراء وجوه، كلها لشهداء غابوا أو لأبطال نسجوا أساطيراً جديدة للحياة، لكنني لم أستشعر بنصاعة المشهد وجلاله، إلا حينما ذهبت وحيداً الى مقبرة الشهداء البيضاء ولامستني طيوف رسائل مغلفة برائحة الموت لشهداء لم تعرفهم المتاحف، ولم يقترب منهم ضوء الذاكرة القاسي .. حدث أن التقيت بصديقي الأكبر عمراً والأجمل وجداً، وحدثني عن صفية بصوت منغم بالسنين قائلاً صفية، أول يد دافئة لامست يدي، وأول قبلة لم يزل طعمها في قلبي، وأول انتظار للقمر عندما يلامس البحر ويحبو بضوئه على المياه ويقترب من شرفتها وشرفتي، ويغازل وجهينا ويتناثر عند الصباح مختفياً في رمال البحر .. تفرقنا أنا وصفية، وهجرنا مدينتنا إلى مدينة أخرى، وأخرى، والحرب رماد يتطاير حولنا، والسيارات تحمل أشياءنا، والقطارات تدفعنا بعيداً عن البحر والرمال، ولمّا انتهت الحرب وتوقف الرصاص، وعاد بحر المدينة يقذف بأمواجه إلى الرمال، وتعلو البيوت والعمارات، وتختفي شوارع وتظهر أخرى انتظرت صفية ولم تأت، ومن وقتها تجرني قدماي إلى ذلك البيت القديم، انتظر أن تراني صفية من شرفتها ولا تراني، فأعود مرة أخرى، أختفي بين الناس و أتلاشى بينهم ..حدث أن أتى الشتاء، وهلت طيور النورس بأسرابها البيضاء، و نزلت من السماء مثلها مثل قطرات المطر المتلاحقة والمستمرة، وأنا هناك قابع في ‘ المعدية ‘ – وسيلة انتقال بحرية بين بورسعيد وبورفؤاد – أنتظر أن يجتمع المطر مع النورس مع لحظة الغروب، ومثل صانع البهجة ألقى لقيمات الخبز في الماء، ويلتم على أثرها كل طيور النورس، فتأتي جماعات، لا تأبه لقطرات المطر، وتعكس عيناها صمت لحظة الغروب الأبدية، وتُلقى ببياضها الحالم الى عيني، فتبتل روحي بمعنى الحقيقة الكامن في لحظة الغروب، ويرتجف قلبي فرحاً عند مشاهدة المطر يسقط على لمعة الماء الأولى و في طريق عودتي ينتابني بعض الحزن، فالشتاء قصير العمر، والغروب يأتي كل يوم وحيداً ويغادر وحيداً، وجميعنا غارقون في أعبائنا الصغيرة والكبيرة، والنورس سيغيب في أماكن أخرى، ربما تشبه مدينتي، وربما تختلف، وربما ينتظره شخص آخر في شواطىء أخرى، وبحور مغايرة، فيبتهج قلبي بأن آخرين ينتظرون نفس المشهد ويتوحدون معه .. حدث أن رأيت كل مدينتي خضراء بلون فريقها السحري المصري، ورأيت الحلم يقترب من العيون، والفريق يتقدم ليلامس ألق المدينة ومجدها، لكنه فقد البطولة في اللحظة الاخيرة وضاع منه وهج الانتصار، وتحولت المدينة من سحرها الى حزنها، ومن ايمانها الى رفضها، خاصة أن الفريق الآخر يحتكر كل شيء، حتى الهواء العابر من القاهرة الى المحافظات المجاورة ..حدث أن انتقلت من فريق مدينتي الأخضر كالوطن الى الفريق الأبيض، على أمل أن أرى حلماً يكتمل، بعيداً عن سيطرة الواحد في السياسة والفنون والرياضة والحياة، ورفضاً في وطن يخلق أساطيره كما يصنع حلوته ويقدسها، بعد أن ينسى أنها كانت يوماً من صنع يديه .. حدث أن غمرت ثورة يناير أرواحنا بمائها وأمواجها، والتقت أحلامنا بأحلامها، وغربت أسطورة الواحد الأب، والواحد الإبن وتنسمنا رائحة و أريج الحرية وبعد أن خرج الثائرون من بقعتهم الأثيرة في ميدان التحرير، دخلت أفكارنا العتيقة عن الوطن والحياة، واعتلى صهوة الثورة، من كان يوماً ضدها .. حدث أن عادت الدولة القديمة في استخدام نفس أدواتها، وصنعت جريمة على مسرح استاد بورسعيد، وحاولت أن تنفث عناقيد الغضب والعنف على طول الخريطة المصرية دون أن تشعر، أن بورسعيد تسكن في ذاكرة الروح مثلها مثل معنى الوطن .. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية