الشاعر المغربي محمد الميموني: الشاعر الحقيقي يكتفي بقارئ واحد وإن كان في أقصى الأرض

حجم الخط
0

حاوره عبد الرحيم الخصار: حين سألنا أحد العابرين عن الحي الذي نقصده في مدينة تطوان وكنا على مسافة بعيدة منه، قال لنا: ‘من تريدون هناك بالتحديد؟’ قلنا ‘محمد الميموني’، فرد: ‘الشاعر؟’. الميموني اسم معروف ليس في مدينته فحسب، بل في كل مدن المغرب، يعرفه الكتاب والمثقفون وقراء الشعر، لكنه في تطوان معروف من طرف الجميع، رجل هادئ وطيب وشديد الأدب. مثقف عارف وقارئ كبير، يشكل ملتقى طرق للثقافة المغربية الحديثة وللموروث الديني العربي وللثقافة الاسبانية والفرنسية.تكمن أهمية الحوار مع محمد الميموني في كونه من رواد الحداثة الشعرية في المغرب ومن الشعراء الذين يصغون بمحبة للأجيال الجديدة ويتفاءلون بمستقبل الشعر في هذه الجهة من الأرض، ولد بشفشاون سنة 1936، تابع دراسته الجامعية في الرباط واشتغل بالتعليم، بدأ الكتابة والنشر في خمسينيات القرن الماضي، من أعماله الشعرية:آخر أعوام العقم- الحلم في زمن الوهم- طريق النهر- قصائد سائبة… تتسم نصوصه بالعمق وبتلك النظرة التي تحملها ذات مثقلة بالأسئلة تجاه عالم ملغز يتغير باستمرار. في هذا الحوار نعود مع الشاعر المغربي الكبير محمد الميموني إلى المنابع الأولى للكتابة، وإلى علاقته بالتراث الأدبي وبالنص الديني ولحظات تحوله رفقة شعراء آخرين من جيل الرواد- نحو الحداثة، ونحاول أن نفهم أيضا هل تعرض هذا الجيل الشعري المؤسس والرائد في المغرب لشيء من الحيف. -1- دعني أبدأ معك من البدايات، ما هي الصور الأولى والأصوات الأولى التي جعلت منك شاعرا؟ هل كان هناك في البيت أو في المدرسة ما يدفعك إلى أن تختار بالتدريج مهنة الكتابة؟*إذا بدأت بأثر المدرسة على تحفيزي إلى الكتابة، شعرا أو نثرا، فإن الحقيقة تلزمني أن أقول إن أثرها كان شبه منعدم. فلم تكن المناهج تهتم بفن الكتابة، كما هي حال دار لقمان إلى الآن! إلا ما كان من فلتات مشرقة بفضل اجتهاد قلة من الأساتذة، وتمردهم على النصوص المكرسة. إلا أن أيام الدراسة من الابتدائية حتى الجامعية لم تكن خالية تماما من أي تحفيز على تجريب الكتابة، لكن أثرها لم يكن مباشرا بواسطة دروس مخصصة، فهذا ما لم يفكر فيه المسؤولون عن وضع برامج التعليم في بلادنا إلى الآن، بل كانت الصدف والمناسبات غير المبرمجة تدفع الموهوبين من التلاميذ أو الطلبة إلى المشاركة في مسابقات بهذه المناسبة أوتلك.في ما يخصني أذكر أنني شاركت في حفلة نهاية السنة الدراسية في نهاية العقد الرابع من القرن الماضي، بقراءة قصيدة لشوقي اخترتها بنفسي، فلقيت قراءتي أمام الأساتذة والآباء والمدعوين الرسميين استحسانا شجعني على إعادة الكرة في فرصة قادمة، وحانت أثناء دراستي الثانوية في تطوان. وكان للإسبان،وما زال، يوم سنوي يحتفلون فيه بالكتاب في شهر أبريل من كل سنة. وفي هذه المرة غامرت بالمشاركة بمحاولة شعرية عن قيمة الكتاب. فدعيتُ،على إثر قراءة محاولتي في الحفل الذي أقامته الثانوية بالمناسبة،إلى إلقاء القصيدة /المحاولة من إذاعة تطوان المحلية.كان ذلك في أوائل العقد الخامس من القرن الماضي، ونلت ‘ديوان ابن زيدون ‘جائزة رمزية من يد مدير الإذاعة. وكان لهذا الحادث فعل السحر في الانتباه إلى مؤهلاتي الشعرية. ومنذ ذاك وأنا أحاول وأجرب إلى الآن. وأشعر بعد هذا الزمن المديد أني لم أبدأ بعد، فلم يزل هاجس المحاولة يلازمني كلما أقدمت على كتابة نص.-2- تنقّلت في فترة الشباب والدراسة بين مدن عديدة، ما الأمكنة التي ظلت راسخة في ذاكرتك وكان لها أثر على تجربتك الشعرية أيضا؟ *كانت تطوان الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي مركزَ استقطاب ثقافي، وكانت تصدر بها عدة مجلات ثقافية متنوعة الاهتمامات. أذكر من بينها مجلة ‘المعتمد’ الشعرية المزدوجة الشعر واللغة (عربية ـ إسبانية). كان لهذه المجلة ،خاصة، الأثر القوي المباشر على تكوين جيل من الشعراء المؤسسين، ظلمهم النقد ونسيهم في ركن مهمل من تاريخ الشعر المغربي المعاصر. ورغم أن مصادر نصوصهم ما زالت حية ومتاحة للباحثين، فإن ما أتيح لي قراءته عن تاريخ الشعر المغربي المعاصر قلما يشير إلى تلك الحركة، وإن فعل فبإشارة خاطفة من بعيد. وكانت إقامتي في مدينة الدار البيضاء في فجر الاستقلال مثمرة وحافزة. فقد كانت آنذاك مركز المغرب ثقافيا وسياسيا ونقابيا وفنيا…وقد اندمجتُ في خضم كل ذلك بفضل علاقات كونتها بشباب كانوا يقومون بدور تأسيسي لمغرب كان الكل يطمح إلى أن يراه مزدهرا في كل المجالات: كان الزمن زمنَ المبادرات الفردية العصامية، والطموح المتحمس الساذج أحيانا، والصادق غالبا .في الرباط وفاس خلال الستينيات اندمجت بكل كياني في الحركة الطلابية الممثلة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي تحمل نصيبا وافرا في مهمة تحريك الحياة السياسية ونشر القيم التقدمية، قبل أن يتشردم ابتداء من السبعينات . وكان لكل هذه الفعاليات الأثر المباشر على إنتاجي الشعري كما وكيفا. انطبع ما أنتجت من شعر في تلك المرحلة بالحماس السائد وبالمباشرة الملتزمة بالهم الجماعي ونكران الذات.-3- دخلت عالم الكتابة وبدأت تنشر نصوصك في الجرائد والمجلات الوطنية أواخر الخمسينيات، لكن قبل ذلك حفظت الكثير من القرآن. أريد أن أسألك عن تأثير النص الديني في حياة وكتابة الشاعر.*قضيت فترة ليست بالقصيرة من طفولتي في الكـُتّاب القرآني شأن أغلب المجايلين لي، فقد كان المرور بالكُتاب أطول زمن ممكن من مسلمات مجتمع محافظ متمسك بهويته الدينية والوطنية. وهوالمجتمع الذي كان قريب العهد بالمواجهة المسلحة ضد التدخل الأجنبي (الكافر)، وكان كثير من آبائنا قد شاركوا في تلك المواجهة بكل ما أتيح لهم لمنع الاستعمار الإسباني من احتلال مدينة شفشاون، إلى أواخر العشرينيات من القرن الماضي، حين اضطر البطل الوطني محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى إلقاء السلاح بعد أن تآمرت عليه قوى الاستعمارين الإسباني والفرنسي بتواطؤ جهات داخلية مفضوحة. لم يقبل أهل المدينة التعامل مع مؤسسات الاستعمار، بما فيها مدارسه، إلا عن مضض وبعد فترة من التحفظ لا تقل عن عِقد. لذا كان الكثير من آبائنا يستنكفون عن إدخال أبنائهم إلى المدرسة العصرية التي أنشأنها الإسبانيون بالتعاون مع بعض الأهالي ممن كان لهم رأي مخالف في الموضوع. لذا كان المسار المحتوم لكل من تستطيع عائلته أن تتحمل تكاليف متابعته للدراسة هو التعليم التقليدي (الديني) الذي أفضى ببعض مجايلي إلى إكمال دراستهم في القرويين بفاس أو ما يوازيها. وكان للصدفة دور حاسم في عدم متابعتي هذا المسار فقد تدخلت عناصر لا أرى موجبا لسردها في توجهي إلى المدرسة العصرية الإسبانية المزدوجة اللغة ابتدائيا في شفشاون وثانويا في تطوان أواخر العقد الرابع وأوائل الخامس. كان أثر مرحلة الكـُتاب على إنتاجي لغويا أكثر منه عقائديا، فقد اكتسبت رصيدا لا بأس به من أساليب اللغة العربية وموسيقاها وإيقاعها المتميز. وحين اتجهت بعد ذلك بقليل إلى قراءة الشعر العربي القديم لم أجد صعوبة في التناغم معه واستيعاب عوالمه. ساعدني على زيادة تذوقه ما قرأته لطه حسين وآخرين. وما زلت إلى اليوم أستمد صيغا من القرآن والشعر الجاهلي وما بعده وما يوازيه من الأمثال والمقامات. ولكني أحاول أن أوظف هذا الرصيد اللغوي في فضاءات وجودية واجتماعية وتأملية. -4- ماذا عن رفاقك في الكتابة أيام الشباب؟ أولئك الذين كنت تقرأ عليهم مسوادتك وتستمع لما يكتبونه قبل أن يكتمل، وتتقاسم معهم اللذة الأولى للنص. وهل ظلوا جميعا على قيد الشعر بعد تلك المرحلة أم تفرقت بهم السبل؟ * لقد تفرقت السبل بكثير ممن شاركتهم النشوة الأولى باكتشاف لذة الكتابة التلقائية المباشرة. منهم من انقطع عن كتابة الشعر، وتلك ظاهرة ملازمة لتاريخ الشعر المغربي، ومنهم من اختار الكتابة النقدية أو القصصية. ومنهم من غيبته الموت وهو في عز عطائه. ومن حسن حظي أنني ما زلت على صلة ببعض من بدأت معهم أو إلى جانبهم مغامرة الكتابة الشعرية، وما رافقها من أنشطة شيقة مثيرة. ما زلت مثلا على نفس الصلة مع عبدالكريم الطبال، وما زلنا نتبادل نفس الاهتمام ونتحاور بنفس الحميمية والمتعة.-5 حين انتقلتم لكتابة الشعر الحديث، هل وُوجهتم من طرف المخلصين للقصيدة العربية الكلاسيكية بالانتقاد ؟ وهل كانت نظرتهم إليكم كمن ينظر إلى خائن؟* أنا بدأت في التحول إلى كتابة القصيدة الحديثة في أوائل الستينيات، وآنذاك كانت القصيدة التقليدية تعاني من قصور عن متابعة ما كان يعرفه المجتمع العربي ومنه المغربي من تحولات سياسية وثقافية. كانت حركة جمال عبد الناصر في مصر قد أحدثت حركات ارتدادية في كل العالم العربي. وظهرت كتابة سياسية ونقدية لا عهد للقارئ العربي بها. ومع ما صاحب الحركة الناصرية من حماس بدأت القصيدة العربية تعرف تحولات على مستوى الشكل والمضمون والأسلوب. واهتمت بما يتطلع إليه المواطن العربي. بينما بقيت القصيدة التقليدية، باستثناء نصوص قليلة، تلوك الشعارات وتتبارى في إعادة إنتاج شعر عهود الانحطاط، أو تقليد المجيدين من شعراء الكلاسيكية الجديدة، بقليل من التوفيق. لكل ذلك لم تجد القصيدة الحديثة خصما قويا يستطيع مقاومتها. فلم يلبث الشعر الجديد أن ساد بينما بقيت القصيدة التقليدية تنتظر المناسبات المدحية المفتعلة.-6- هل هناك ظلم عربي للشاعر المغربي على مستوى الحضور والإعلام والتداول؟ أم أن الشعراء المغاربة ـ تحديدا جيلكم- أخذوا الحيز الذي يستحقونه طبقا للقيمة الفنية لما كتبوه؟ *الشعر فن النخبة. هذه حقيقة يجب أن نضعها في الحسبان سلبا أو إيجابا. ولست أدري هل ما يشتكي منه الشعر من قلة اهتمام وسائل الإعلام راجع إلى هذه الحقيقة. ليس لنا أن ننتظر من وسائل إعلام تصطاد المشاهد بكل ما تستطيع من إغراء، أن تهتم بفن لا يجذب المشاهد المستهدف وهو يتكون في أغلبه من الأميين، كتابيا أو فكريا. على الشاعر أن يكتب دون انتظار جزاء ولا شكور. وإذا لم ترضه هذه الحقيقة فليهجر الشعر. لكن الشعر سيظل حيا مهما تنكر له الأميون وتجاهله الإعلاميون اللاهثون وراء القارئ السهل الاصطياد الرخيص التكلفة.ربما علي أن أسجل أن حظ قصيدة الستينات كان أفضل. ولعل فضل ذلك يعود لما كان سائدا آنذاك من قيم ثقافية وسياسية، قبل أن يفشو الشره والابتذال واللهاث وراء الكسب والجاه بجهد أقل وبتحايل أكثر.-7- لكن قياسا مع حضور وتداول الشعر في مصر ولبنان وفلسطين وبلدان عربية بالمشرق تحديدا، ألم يعش الشعر المغربي منذ بداية الحداثة نوعا من التهميش؟ أم أن قيمته الابداعية جعلته في نظر النقاد والمهتمين بالأدب والثقافة شعرا من درجة ثانية؟*خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، هيمنت على الجناح الغربي من العالم العربي قناعة بمركزية الشرق العربي، في كل المجالات: الإيديولوجية والسياسية والثقافية، وكان للثقافة القدْر الأكبر من هذا الانجذاب نحو مركزية بعض بلدان المشرق العربي، ولم يكن الأشقاء في البلدان العربية الشرقية مقتنعين وحدهم بتصور العالم العربي في إطار خارطة المركز والهامش، بل إن كثيرا من الكتاب المغاربة كانوا يشاركونهم هذه الرؤية. والحق أن بلدانا عربية معينة، مثل مصر ولبنان، كان لها السبق في استيعاب التحولات الثقافية التي كانت تكتسح العالم يومئذ، وكنا نتلقى ما يصلنا منها من كتب ومجلات بلهفة العطشان إلى ما يتدفق من منابع ذات مذاق جديد لا عهد لنا به. فلا غضاضة في الاعتراف بتلمذة الكثير من جيلنا مباشرة، بالسفر إلى مصر أو العراق …للدراسة في جامعاتها التي كانت تضم بين أساتذتها نقادا كبارا كان لكتاباتهم حظ الانتشار في كل العالم العربي، أو بالتلمذة عن طريق قراءة ما كانت تحمله المجلات العربية الشرقية من إبداعات وتحليلات سرعان ما ظهر أثرها ملموسا فيما بدأ يسود في صحافتنا وكتابتنا الإبداعية والفكرية والنقدية. غير أنه من البديهي أن يكون من بين التلاميذ من يصل إلى مستوى أستاذه، بل قد يتفوق عليه، وإلا كان الأستاذ فاشلا. فتفوق التلميذ يحسب لأستاذه كما يحسب لاجتهاده. ولكن هذه البدهية البسيطة ظلت غائبة عن بصر أشقائنا، وربما ما تزال لدى البعض.وأرى أن السياق يدعوني إلى ذكر واقعة كنت شاهدها. ففي أحد مواسم أصيلة الثقافية، خلال التسعينيات من القرن الماضي، استدعيتُ، مع ثلة من شعراء المغرب للمشاركة في جلسة شعرية مشتركة بيننا وبين شعراء مصريين. وحين حان توقيت الجلسة، التأمت دائرة الشعراء وكانت إدارة المهرجان قد عينت الشاعر المصري الرائد عبد المعطي حجازي لإدارتها، فتقبلنا ذلك بارتياح لاعترافنا بمكانته وريادته. وكان بين يدي كل مشارك كتيب يحتوي يوميات الأنشطة وتوقيتاتها وأسماء المشاركين فيها، مطبوعة بوضوح. ممن أتذكر من الشعراء المغاربة المشاركين في هذه الجلسة: محمد السرغيني وعبد الكريم الطبال (والعبد الضعيف). ومن المصريين كان العدد أوفر… افتتح الجلسة الشاعر عبد المعطي حجازي بتقديم الشعراء المشاركين وهو يتلوها من الكتيب المذكور، فبدأ بذكر أسماء الشعراء المصريين مقدما كل واحد منهم بفيض من الأوصاف التفضيلية المفصلة. وانتهى إلى ذكر أسماء الشعراء المغاربة الحاضرين بعجلة واستخفاف، بلا نعوت ولا حيثيات، بل بلا صفة الشاعر، وكان يتهجى أسماء الشعراء المغاربة بصعوبة، مما يدل على جهله المطلق حتى بوجودها . ورغم أن اسمي نجا من تحريفه، لا أدري لماذا، فلم ترقني لهجة الاستخفاف التي ذكرت بها أسماء شعراء مغاربة رواد لا تقل قيمتهم عمن كانوا يشاركون في الجلسة من الأشقاء المصريين. فرأيت أن أقل ما يجب علي هو أن أنسحب بهدوء حتى لا أحدث ارتباكا في سير المهرجان، وذلك ما فعلت بسلام…ولم أسأل أحدا عما حدث في الجلسة بعد انسحابي .لا أعتقد أن هذه الحادثة تحتاج إلى تعليق، فدلالتها ناطقة بما كنا بصدده في الجواب عن سؤالك…أما اليوم فأعتقد أن بعض الوعي بأهمية ما يكتب في المغرب بدأ ينتشر بين قطاع واسع من القراء المتتبعين في جميع بلدان العالم العربي. لقد غيرت عالمية الثقافة كل الخرائط ولم يعد هناك مركز ولا هامش . -8- أثرتَ في حديث سابق معك إشكالية هامة، تتعلق بإصرار الشعراء المغاربة على كتابة الشعر بشكل دؤوب حتى وإن كانت نصوصهم لا تحظى بالحفاوة الصحافية وبالمتابعة النقدية، فعدد كبير منهم لا زال يطبع دواوينه بشكل مستمر على نفقته الخاصة. أريد أن أسألك عن سر هذا الإصرار. *لا أعتقد أن الشاعر الحق يحتاج إلى حافز من خارج ذاته، فذاته الشاعرة هي التي تفرض عليه إبداع القصيدة دون أن تترك له فرصة الاختيار. وأكاد أقول إن الشاعر الحق يكتفي بقارئ واحد وإن كان في أقصى الأرض. والقصيدة تبحث عن قارئها إذا كانت تستحق القراءة. وقارئها خاص، حتى لا أقول نادر. وحتى الشعراء الذين اكتسبوا انتشارا لسبب ما، فإن القليل من قرائهم يتذوقون ما يقرءون ويدركون ما تكنه الكلمة الشعرية من أسرار. علمتني العقود الكثيرة التي قضيتها بصحبة الشعر، أن الشعر لا يمكن أن يصير فنا جماهريا إلا بتخليه عن أهم مقوماته، وهي دأبه على الكشف عن لغة خفية داخل لغة الخطاب اليومية. هناك خلط لدى الكثير بين ‘الواقع’ و’السائد’، وعند هؤلاء فإن الشعر الذي لا يحاكي ما هو سائد بين عامة الناس من إشاعات وأخبار وهوايات ولغط سياسي وإعلامي، شعر غير واقعي.إدراك الواقع ليس بالسهولة التي يعتقد هؤلاء، إنه أبعد عن المباشرة والمعاينة عكس ما يظنون. إن محاولة مقاربة الواقع الإنساني بكل تعقيداته الاجتماعية والفردية والنفسية تتطلب خيالا خصبا وعميقا وصبرا ودقة ملاحظة وحدس. فما نلمسه ونراه طوع إدراكاتنا الحسية، ما هو إلا سطح تمور تحته طبقات من الوقائع التي تصنع لحمة الحياة وسداها.أدرِك أن الكثير لا يقاسمني هذه القناعة، ولكن تجربتي قادتني إلى هذا الاعتقاد وقد يكون خاطئا. -9- على ذكر النقد، معظم الشعراء المغاربة يمارسون الكتابة النقدية موازاة مع كتابة الشعر، وأنا هنا أستحضر مثلا كتابيك:’الشعر المغربي المعاصر: عتبات التحديث’ و’سبع خطوات رائدة: دراسة في الشعر المغربي المعاصر’. هل قدر الشاعر المغربي أن يمارس النقد بين كتابة قصيدة وأخرى ويعوض هذا الغياب الفادح لنقاد الشعر اليوم؟*لا غنى عن النقد المنهجي (المحترف)، وإن كان الكثير منه يصب كل اهتمامه على الأدوات الشعرية حديثة كانت أو تراثية، ويهتم بحواشي القصيدة لا بأحشائها. وهذا الحكم على النقد المحترف ليس شاملا، فكثيرا من النقاد أنجزوا تحليلات نقدية وصلوا بها إلى أعماق لم يدركها الشاعر نفسه، وهذا هو النقد الذي لا مناص من وجوده لتطور الشعر، رؤيةً ولغة. وعندي أن هذا الصنف النادر من النقاد، يسكنهم الشعر كما يسكن الشعراء، ولكنهم اختاروا التعبير عن حبهم للشعر ودقة تذوقهم إياه وقراءته بحب ومعرفة بعوالمه، إي إنهم اختاروا التعبير عن شاعريتهم بواسطة ما يسمى النقد، طواعية لا عجزا عن الشعر مباشرة. وعما حاولته من كتابة عن بعض نصوص الشعر المغربي الحديث، فقد كان دافعي هو قراءة ما أنجزه شعراء سبقوني زمنيا وساهموا بجد وعصامية في تأسيس الحداثة الشعرية المغربية وتجاوز مخلفات القصيدة التي تمُتُّ إلى أزمنة الانحطاط. قصدت أن أتلمس خطواتهم وهم يزيحون ركام التكلف والابتذال بمعاناة وتحد أعطى ثماره حركةً تحديثية نشطة منذ أوائل الستينات. وأرى أن تصدي بعض شعرائنا إلى قراءة شعر مجايليهم أو متقدميهم كان من هذا القبيل. فلا يدرِك ما تكنه القصيدة من أسرار إلا من يكابد كتابتها. -10- الآن بعد التحولات التي عرفها الأدب العربي عموما، هل أنت مطمئن على راهن الشعر المغربي ومستقبله؟ *إن التراكم الكمي لا ينبغي أن يدعونا إلى الخوف على مستقبل الشعر، إذ لا بد منه لإفراز تيارات جديدة، لا يمكن التنبؤ بمفاجآتها. والمتتبع لما يبدعه الشعراء الشباب اليوم، لا تفوته لمحات تتجه بجرأة نحو مستقبل لشعر قد يدهشنا. إن زمن الارتكاس في جميع مناحي حياتنا يتجه نحو الأفول مدفوعا بوعي فائق بأهمية الحرية في اختيار أساليب الحياة والإبداع. وعلينا جميعا، كل بوسائله، أن نواظب بإصرار على توسيع هامش الحرية التي هي البلسم الواحد لعلاج كل أدوائنا، ومنها الرقابة الذاتية التي تحد من آفاق الإبداع. – 11 الأجيال الجديدة غالبا ما تعلن بشكل أو بآخر قطيعتها مع التراث؟ أو رغبتها في القطع مع كل ما هو قديم من أجل الانتصار لقيم الحداثة وما بعدها. كيف ترى الأمر؟* التراث لا يمكن إلغاؤه بقرار فردي أو جماعي .فكل مجموعة بشرية ذات امتداد تاريخي وماض مسطور أو محفوظ في الصدور، تراث يمتد بجذوره وأعراقه إلى كل مفاصل هويتها ويكوّن عنصرا أساسا من كيانها.غير أن المطلوب من ورثة حضارة ما ـ عربية أو غيرها ـ ألا يَملوا من العودة لتراثهم بقصد تمحيصه وتشذيبه وإعادة قراءته بعين ناقدة شجاعة ،حتى ولو أدت هذه القراءات الخبيرة العارفة إلى إلغاء ما علق به من أوهام ،اعتقد السابقون في صدقيتها اعتمادا على ما كان لديهم من وسائل التقييم ،وأثبت التراكم المعرفي الإنساني بطلانها.إن للتراث امتدادات في شتى المعارف والمعتقدات التي نبني عليها سلوكنا ووجودنا ،وهو ،شئنا أو أبينا، عنصر محايث لكينونتنا، ولكي لا نسقط في تقديسه وتكريسه وإعادة إنتاجه في حياتنا المعاصرة بصورته البائدة ،علينا أن نتسلح بالمعرفة والجرأة ونواجه تراثنا بالتساؤل المستمر والمراجعة المتواصلة ،لنحدد موقعنا منه وموقعه منا.الموقف من التراث يجب أن يتحدد وفقا لما نتوخاه منه. فإذا اعتمدنا ما اثبت الزمان صلاحه منه أساسا يحتمل حاضرا قويا ومستقبلا سليما ،فسيكون رافعة ومرتكزا ، ويكفيه ذلك إيجابية ونفعا .أما إذا اعتمدناه مُقاما ومسكنا .فإننا سنكون قد أقمنا عمراننا معكوسا واكتفينا بالإقامة في الأساس وأهملنا البناء فوقه .فإذا تصورنا ذلك ممكنا فليس معناه إلا الإقامة في الحضيض إلى ما لانهاية. لا شك أننا واجدون في تراثنا ،إن تأملناه بصدق ومعرفة ، عناصر متينة ساهمت في تأسيس المعارف الإنسانية التي أثمرت ما نراه يوميا من معجزات تكنولوجية تتطور بالثواني والدقائق .إن المنجزات العلمية في الطب والتكنولوجية.. ،والإبداعات الفكرية والأدبية الحديثة، لم تنبثق من فراغ ،بل هي نتيجة تراكم معرفي ساهمت فيه كل الحضارات ومنها حضارتنا العربية الإسلامية،وهي مسلّمة لا يجادل فيها عارف. -12 من خلال تجربتك الشعرية-و قد تحدثنا في سؤال سابق عن علاقتك بالنص الديني- أحب أن أعرف موقفك من التراث الأدبي. هل تنظر إليه نظرة تقديس أم نظرة مساءلة؟* أكاد أجيب بالإحالة إلى ما أجبت به عن السؤال السابق. فإن شأن التراث الأدبي جزء من شأن التراث الحضري العام .فإذا كان ذلك قابلا للمراجعة والتمحيص فإن التراث الأدبي غير محصن ولا منزه. كل عمل بشري مهما بدا في زمنه فوق كل نقد ،يجب أن يظل موضوع أخذ ورد. وليتنا نذهب في هذا السبيل النقدي ولا نحيد عنه أبدا. فإن الإدمان على المراجعة والنقد علامة صحة وبشارة نهضة.- 13الدورة الجديدة من المهرجان الوطني للشعر الحديث بشفشاون ستكون مخصصة للاحتفاء بتجربتك الشعرية، المهرجان هو أحد أكبر وأعرق الاحتفاليات الأدبية في المغرب، والمدينة التي ينظم بها هي المدينة التي ولدتَ فيها قبل اثنين وسبعين عاما. كيف تلقيت فكرة الاحتفاء بك هذا العام؟ هل هي بطاقة اعتراف وحب من المدينة لشاعرها؟*تعود بي الذاكرة إلى صيف 1965 .واسترجع تلك الفرحة البريئة وقد كلفني إخواني في ‘جمعية أصدقاء المعتمد’ ـ المبادِرة بتأسيس المهرجان ـ أقول كلفوني بتقديم فقرات المهرجان الأول في شهر شتمبر من سنة 1965 .واليوم بعد أكثر من نصف قرن يعود من خلفنا من أجيال الشعراء لتذكري وإطلاق اسمي على هذه الدورة من المهرجان الذي كان لي شرف المساهمة في انطلاقه.إنه شعور السعادة بالاستمرار في الحياة والعطاء الشعري كل هذا الزمن المديد، وتقدير عميق لوعي الأجيال الجديدة من الشعراء بشتى حساسياتها الشعرية،بأهمية نواصل السلسلة الشعرية الذهبية .إن هذه الالتفاتة تحسب في حسنات هؤلاء الشباب وتدل على مدى وعيهم الحضاري وترفعهم عن سخافة صراع الأجيال الذي لا يوجد إلا في ذهنيات مرضية موتورة.لست وحدي من يستحق التذكر من المؤسسين للمهرجان ،فهناك جنود عملوا أكثر مني أثناء التأسيس وبعده، حرصوا على توالي دورات المهرجان وتواصل ما انقطع منها، وفيهم من لم يكتب شعرا قط.ولم يكن لهم ميل إلى الظهور أو الإعلان عن الذات، بل كان حافزهم هو حب الثقافة وعشق الشعر. وهم الأجدر اليوم بالتذكر، أحياء كانوا أو أمواتا .لائحة هؤلاء الجنود المجهولين طويلة، وسأقتصر على ذكر اسم واحد تمثيلا لا حصرا، أفرده بالذكر لأنه لم يكتب شعرا ولا نثرا أو على الأقل لم ينشر كتابة، وكان وراء الإعدادات المضنية للدورات الأولى من المهرجان في زمن شح رسمي خانق ومحاربة سلطوية بليدة. إنه الأستاذ مَحمد أحرميم أمد الله في عمره .تلك إشارة ألوح بها لشباب الجمعية ولهم واسع النظر! 41- دعني أختم هذا الحوار بالعودة إلى تجربتك الشعرية، أجد تيمة الحلم حاضرة لك بشكل مذهل، أستعيد عددا من نصوصك’الحلم في زمن الوهم’ مثلا وأستعيد أيضا نصا آخر عنوانه ‘يبدأ الآن ما يتوالى’ الذي تختمه بهذا المقطع: ‘نهر أحلامي يجري/ عكس ما تهوى الرياح الموسمية’.ألا تزال حالما؟و بمَ تحلم أيها الشاعر؟ *الحلم اليقظ لا يخالف الحقيقة. وما يخالف الحقيقة هو الوهم. الحلم تخيل الواقع الذي هو على وشك البروز. والوهم هو السراب الخادع الذي يتقمص شكل الحقيقة بقصد الخديعة والتمويه. والحلم هو الخيال الخلاق الذي لا ينخدع بالسراب ويصر على تجاوزه مقتنعا بوجود منبع زلال مختف وراءه.وعنوان ديواني الثاني ‘الحلم في زمن الوهم’ يمتاح من هذا الوعي. فقد كتبت قصائده في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. وكان الوهم سائدا، والحلم اليقظ كان هو السلاح المجدي لتحدي الوهم والإصرار على تجاوزه.ما أزال أحلم يقظا، وأومن يقينا بأن كثيرا مما حلمت به، وغيري من الشعراء والكتاب ذوي البصائر، بدأ يتحقق ولا مرد لاكتماله. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية