قال الحكماء: الحقيقة مُرَّه، فاستعيروا لها خِفَّة البيان؛ فايّ خفَّة تُستعار لحقيقتنا الآنيّه، وقد استعصت على البيان نفسه. دخلنا العولمة من أتعس وأرذل أبوابها؛ مدينة مدينة، فُتحنا للسياحة الاعلاميّة على العالم كلّه، لمدن الجغرافيا العربيّة، بالدم والفواجع والنكبات؛ وسطّرنا للتاريخ، سبقا تاريخيا، في الاعتصام لطعام واحد، الانتكاسات والتراجعات، إلاّ قليلا؛ وأضفنا لحقوق الانسان، أنّ التنطّع والسفه والجهل ليست من علامات الفشل العضوي، لطالما اسطحبت بالنوايا الحسنة، وذلك لإنّ حسن الظنّ من الدين!!نعم، فليقرأا في الشريط الاخباري، في أدنى الشاشات، أنّنا عازمون بجد على محاربة كل اشكال التغريب للأمة واللغة العربيّه؛ فالقذف والتلاسن والتنكيل بالفصحى، وفي حدود الادب الاسلامي، إلاّ ما شذّ من التبرّج اللفظي الفاضح، فالنائب العام حاضر وبشدّه، لاستقبال المتعفّفين عن الاستعارات والمجازات اللغوية المُشاهده. وعلى سبيل المثال لا الحصر، صحيح، أنّ ثمّة فارقا ثقافيا بسيطا، للمدعي العام، بين محاكمة الدكتور طه حسين قديماً ومحاكمة الدكتور نصر حامد أبو زيد حديثاً، رحمهما الله؛ إلاّ أنّ الموضوع واحد والحكم بائن؛ فالأوّل حُكم بالتنوير والآخر حُكم بالتكفير!؛ فهل هي الطوارئ الاقتصاديّة، يا ترى، التي ضاعفت جاذبيتنا إلى الأصلب، بعد مضاعفات اسعار البترول، أم هي النوازل السياسيّة المبتكرة وفنون المكايدة ذات الدفع الرباعي، (بالايدي والارجل)، وقد لبّدت سماء عالمنا الاسلامي والعربي، وأمّمته وهجّرته وكفّرته، فوجب علينا إذاً، التخاطب بين الناس على قدر عقولهم، لكيلا تُكذّب المفاهيم الدينيّة المُستحدثة، ونفشل جميعاً بالهبوط؟!أم هو الزمان، يا ترى، بآخره، ويكون الحليم فيه حيرانا؟ أم أنّه زمن علامات الكِبْر، وهي بطر الحق وغمط الناس، ولمّا يأتي زمن الحيران!؟ الفراغ قاتل، والهوّة شاسعة، وُسع الفرق بين بقرة مُؤمن بني إسرائيل، وموسى السامري؛ فتلكم دعوة صادقة لبركة الله، بيعت بعدها البقرة بوزنها ذهبا، وذاكم آتاه الله العلم، فأخلد بعلمه إلى الارض! وهكذا، وبما أنّ لكلّ مقام مقالا، وإذا ما أردنا امّ المعارك، وهي للعُلى، وجب علينا التحطيب وجيّداً، في غابات مفرداتنا، وتجنّب المباهلة والسجع والمُواربة، وتصويب حماساتنا المسطّحة بأحمال ثقة النفس الزائفة، ونُحسن العمل بالاحسان، فنُصدق الرجاء بالبركة؛ ولكيلا نصاب ببدانة النفاق، ونبرُك وبوحْلِنا، ونحن، ابتداء، الأضعف، في زمن لا يُرحم المغفّل فيه وبالقانون، فكيف بالجهل المركّب.( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّـهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (سورة النساء).أنّ القصور تُبنى بالصخر، – والصواب والاخلاص، وليس بالرسومات، – والتمنّي والتبختر؛ والدين يُبنى بالرجال، وليس بحفظ الآيات، – وحُسن الطالع والوَقور المُبتذل؛ وأصدق القول: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128) سورة النحل))؛ فلا يستقيم حامل الآيات مع الفاهم عن ربّه، العامل بها؛ فإذا كان هذا مراد الله، من عقوبة الكافرين المعتدين، بـبوإنْ’ وليس اإذاب وهي للتحقيق! بعد القدرة ذاتها على العقاب، وهي القوّة الحق والاعداد!؛ فكيف أذاً، نحن والحال بنا هكذا، وقوانا مستنذفة بخيارنا (ولك أن تقرأها بفتح الخاء أو بكسرها)!؟ ولجام الغضب والعقوبة منهمرة على أهل الدين الواحد، وأهل ذمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد أعدمنا الحكمة وأضعنا الموعظة، ناهيك عن الحسنة منها؛ وجابهنا وواجهنا، ولم نصبر، صبر الإرشاد، لرب العدل والرحمة والانصاف، ربّ العالمين، لنكون حقاً، مع الذين اتّقوا ومع المحسنين؛ وجب لنا، إذاً تحقيقاً، العدل في الضيق والضنك، ووجب علينا مُصابنا بمكر الكافرين لمَقاتِل الجسد والروح.طلال محمود شعبان[email protected]