نهضة تونس المُؤجَّـــلة و’نهضة’ تونس المُستعجـــِلة… ما وراء الزجاج الأزرق في مبنى مونبليزير؟

حجم الخط
0

مكي هلالرغم الركود الظاهر في الحياة السياسية في تونس هذه الأيام فإن مياها كثيرة تجري الان تحت الجسر قد تخنق ‘السمكة’* وتغرقها، وقد لا تسعف نظارات* ‘المؤتمر’ في رصد كل هذا الحراك في سماء غائمة قد تعيق حمامة* النهضة عن الطيران وتجبرها على هبوط اضطراري، أول المؤشرات هو استقالة السيد لطفي زيتون من منصب المستشار السياسي لرئيس الحكومة وتسريب نص استقالته على الفيسبوك خلال أقل من نصف ساعة، كما أن نص الاستقالة أو الاعفاء من المهام والإضافات بخط اليد والتصويبات التي طرأت عليه بعد طبعه، فيها دلالات كثيرة قد نعود إلى تفصيلها في قراءة أخرى، وهي تكشف بوضوح أولوية العمل الحركي والحزبي ومصالح النهضة ومغانمها من الحقائب الوزارية لدى الرجل على التآلف والتحالف والتنازل من أجل خدمة الوطن في مرحلة دقيقة.كل ما تقدم بالإضافة إلى مؤشرات أخرى وتسريبات من مبنى مونبليزير والقصبة * تؤكد أن التيار تعطل وأن الود قد غدا مفقودا ما بين حمادي الجبالي وراشد الغنوشي والجميع يعلم المكانة التي يحظى بها زيتون عند رئيس الحركة منذ أيام المنفى في لندن، وأن مغادرته مكتب الجبالي إنما جاءت بضوء أخضر من المرشد، بل يذهب البعض الاخر إلى أنه عَيْنُ الغنوشي في القصبة، وهو رقيبه على الجبالي، خطوة زيتون إذن وقبلها صمته الاعلامي لزمن، وهو المولع بالمنابر والأضواء والميكرفونات، تنذر بقطيعة أخرى قد تضطر الجبالي للاستقالة وهدم البيت على كل من فيه، إذا لم يتدخل مجلس شورى الحركة لتطويق الخلاف في اجتماعاته المتواصلة.أحداث كثيرة ستأتي بالتأكيد، بسبب التحوير الوزاري المؤجل وهو ما سيقصم ظهر الترويكا على ما يبدو، لسبب بسيط وهو أن رموز التحالف وقياداته يتعاملون’مع الأمر بمنطق إما الغنيمة أو الهيمنة أو الرغبة فيها أو فيهما معا.علي كل حال بالمنظور الاستراتيجي يعتبر فشل الترويكا في هذه الفترة الانتقالية الحساسة خبرا سيئا بكل المقاييس، وإن هلّل له مناصرو المعارضة لأن تجربة التقارب واحتواء الاسلام السياسي تبقى مهمة جدا في بناء الوطن والتأسيس للتداول على السلطة في حياة سياسية بعيدة عن الإلغاء والغلو والتشدد ونفي الآخر، لكن مبدأ الإنصاف يقتضي أيضا القول إن حركة النهضة هي من بدأ بالإقصاء والتفرد وأخذتها العزة بالإثم حتى مع شركائها في التحالف والحكم، بسبب نتائج انتخابات جاءت في ظرفية خاصة وقد لا تدوم.حركة النهضة تقف اليوم على مفترق طرق ولم يعد الشيخ راشد يُمسك بكل خيوطها ويحكم توزيع الأدوار على ما يبدو، وقد نشهد انقسامات وانشقاقات كما حدث في تركيا مع حزب أربكان حين ولد حزب أردوغان من رحمه ثم اختلف الرجلان على كل شيء فيما بعد، فحديث الصقور والحمائم داخل الحركة لم يعد محض تحليل ينبني على أمنيات الخصوم بل إن حديث الانقسامات بين القيادات على خلفية جهوية ومناطقية ما بين أهل الساحل وأهل الداخل، أو الجنوب بعبارة أوضح، بات موضوع مجالس النميمة السياسية في تونس بل يصعد للعلن أكثر فأكثر كل يوم، ولم مبنى مونبليزير يجمع الجميع تحت سقف واحد هو مجلس شورى الحركة، فأسماء قياديين مثل سمير ديلو’والعجمي الوريمي يُحسبان على خط الجبالي المرن، فيما اختار وزير الصحة عبد اللطيف المكي ووزير الفلاحة محمد بن سالم خط التشدد تحت جناح راشد الغنوشي، طمعا ربما في تعويض الجبالي واحتكار صفة الرجل الثاني في تنظيم الإخوان العالمي فرع تونس، يضاف إلى كل ذلك أن موضوع لجان حماية الثورة ورابطاتها والموقف منها قد غذى مثل هذه الانقسامات بل يمكن القول إنه فاقمها…النهضة بدت إذن مستعجِلة في الهيمنة كما استعجلت الحكم بمفردها رغم غطاء الترويكا الخادع، وربما يعود هذا لسنوات القمع والاقصاء وقلة الخبرة ولجوع متأصل للسلطة ولتأصيل المشروع الاسلامي بغض النظر عن الكُلف المرتفعة وبغض النظر عمن سيدفعها، وإن كان وطنا جريحا وثورة وليدة. لكن قياديي الحركة أو بعضهم على الأقل وحتى بعض المتنورين من القواعد المسيّسة بدأوا يدركون أن الوقت حان لترتيب البيت من الداخل قبل أن تعصف بها رياح الانقسامات والانشقاقات، إنها السلطة ‘عامل التهرئة للأحزاب’ كما قال الغنوشي نفسه، آفة الحكم وسلطان الأضواء وبهرج الغلبة الذي يكشف معدن الرجال، وهذا قدَرُ كل الأحزاب الكبيرة التي انقسمت حين بلغت شوكتها حدود السلطة وإغراء المغانم.يبقى القرار إذن بيد مجلس شورى الحركة للحسم في أمر الحفاظ على الترويكا كتحالف سياسي يحكم، والتنازل عن العدل والخارجية للحلفاء حتى تعبر السفينة أمواجا متلاطمة ورياحا متربة عاتية تعيق الحمامة (رمز حركة النهضة) عن التحليق بعيدا عن أرض متحركة، بل تقربها من قفص الصائدين وما أكثرهم، وقد تنذرها بالسقوط والارتطام.استقالة لطفي زيتون تحمل أيضا فيما تحمل: أنه سيتفرغ لمسائل أخرى ربما هي أهم استراتيجيا بالنسبة للحركة وبالنسبة لزيتون نفسه، بما يعرف على الرجل من قدرة على التخطيط والتكتيك السياسي وإلا لما كان الغنوشي فرضه على الجبالي ليمسك بالملف السياسي والاعلامي في القصبة، وتضيف بعض الألسن إنه أراد باستقالته هذه التفرغ للحملة الانتخابية القادمة للحركة أو أن الغنوشي انتدبه للإشراف عليها، ومنصبه الحالي لن يوفر له متسعا من الوقت لعمل جبار كهذا وهامشا للمناورة والحركة على المستوى الاعلامي والتعبوي (واجب التحفظ في السابق كان عائقا واضطر زيتون في النهاية الى الالتزام به)، لكن اطرافا أخرى داخل الحركة لا تحبذ أن يضطلع زيتون بمنصب مهم كهذا قد يقرر مصير الحركة في معركة انتخابية ينتظر أن تكون شرسة، ويستدلون على ذلك بضعف شعبيته بين صفوف الإخوان والأصوات التي حصل عليها الرجل في مؤتمر الحركة الأخير، وبأنه صدامي وليس توافقيا بل هو يستمد كل قوته من تمسك رئيس الحركة به لقربه منه عاطفيا ووجدانيا وفكريا، فهو رفيق بل أخ غربة ونضال ومنفى وسفر بل هو في منزلة الابن لديه.في الأثناء تبقى تونس أو نهضة تونس كبلد سبق وعرف موجات تحديث ومدنية لا يمكن إنكارها رغم عشريات الدكتاتورية، تبقى النهضة مؤجلة بعد الثورة إذ تضيع على البلاد فرصة أخرى للتوافق المرحلي على الأقل والوفاق الوطني بهدف تسهيل العبور وكتابة الدستور، بمنطق الثورة وأهدافها وبتناغم مع العصر ومع ما تمليه فترات التأسيس لجمهورية ثانية من تسامٍ على صغائر الأمور وفتات الحقائب والكسب الآني والمناكفات القذرة والكيد السياسي، كل ذلك أسوة بتجارب أمم سبقتنا، إن كان حكام تونس الجدد فعلا أوفياء وإن كانوا فعلا صادقين، مثلما بشّر به شعارهم المركزي في حملتهم الانتخابية.’ أعلامي تونسي مقيم في لندن الهوامش’ مونبليزير: المبنى الرئيسي لمقر حركة النهضة في العاصمة تونس بشارع مونبليزير’ السمكة: هي رمز حزب التكتل أحد شركاء الترويكا في الحكم، فيما النظارات هي رمز حزب المؤتمر، أما الحمامة واللون الأزرق فهما رمز ولون حزب’حركة النهضة الاسلامية.’ القصبة: مقر رئاسة الحكومة بالمدينة العتيقة في تونس العاصمة qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية