د. يحيى مصطفى كامل الغضب والالتباس والتعقيد الشديد والمرارة والفوضى…ليس أقل من كلماتٍ كتلك تصف الواقع المصري المتسارع الأحداث بصورةٍ تذهل أشد المحللين والمهتمين مراقبةً له، بل وحتى المشاركين في أحداثه الطاحنة الدامية المسودي الوجوه من دخان ناره المستعرة، وعليه فمن الممكن الاستطراد دون حد في إضافة الأوصاف التي تصب جميعها في خانة الغضب العارم والتفكك والتحلل …غير أن أهم ما يلفت انتباه كل مدققٍ في تلك المرحلة التي بدأت بفعاليات الاحتفال بالذكرى الثانية وما أتبعها هو أن الصورة ليست بسيطة وواضحة بجلاء كما عودتنا أن تكون، من ناحية النظام (مبارك أو الإخوان) ومن ناحيةٍ أخرى معارضوهم، وإنما تتميز هذه المرة بأحداثٍ أو حلقاتٍ متلاحقة وأحياناً متوازية يراها البعض متصلة ويرى فيها علاقة مسبباتٍ ونتائج منطقية، بل وحتمية، بينما يرى البعض الآخر فيها محض مصادفات متزامنة… وربما غنيٌ عن الذكر إنني هنا أقصد ذكرى الثورة وحكم المحكمة بالإعدام لبعض مشجعي نادي المصري البورسعيدي وما زامن ذلك وأعقبه من عنفٍ تتوالد موجاته وتزداد دمويته.بدايةً، يتعين علي أن أؤكد قناعتي الراسخة بأن الأحداث التي نعيشها أو يعيشها أي شعبٍ أو مجموعة بشرية هي نتاجٌ مباشرٌ للبيئة الاجتماعية والواقع بمجمل علاقاته (المعقدة على الأغلب) وتوازناتها، فهي لم ولن تكون أبداً مجرد ‘أشياء تحدث’ ولا هي تقع في الفراغ…قد يتخطى ذلك الواقع فهمنا في لحظةٍ معينة لقصر النظر أو قلة الثقافة والقدرة التحليلية، أو (وهو الأرجح) لجهلنا بتفاصيل ومعلوماتٍ من شأنها أن توضح الصورة تماماً، إلا أن كل ذلك لا ينفي أن ما من شيءٍ إلا ويقع على أرضية الواقع الصلدة في سياقٍ وظرفٍ تاريخيٍ محدد…من هنا، فإن الأحداث الجارية في مصر الآن لا يمكن فهمها بأي حالٍ من الأحوال بعيداً عن ذلك المبدأ الحاكم والمفتاح لفهم شتى المتغيرات الاجتماعية، وما قد تبدو ظواهر ذات أسبابٍ مختلفة ما هي في حقيقة الحال سوى انعكاساتٍ لنفس الإخفاق تدور على نفس أرضية الواقع المتأزم والإستعصاء الاجتماعي الحاد الذي لم تزده إحباطات الثورة المغدورة سوى حدةٍ وشراسة… والحقيقة أننا لا نحتاج أن ننظر بعيداً أو ننقب عميقاً لنكتشف معين الغضب الشعبي، فالحراك الثوري المصري الهادر سُرقت ثمرته أو لم يسمح لها بالنضج على أقل تقدير، فالجماهير العريضة التي اعتصمت وفقدت شباباً وعيوناً غاليةً وأطرافاً لم تر تحسناً قط في أي منحى من مناحي حياتها اليومية، فليس سراً أن الاقتصاد منهارٌ تماماً وأن الأمن مفقودٌ في الشارع الذي بات مستباحاً من قبل عصابات اللصوص وفيالق البلطجية التي فرضت حضورها وسلطانها على شارعٍ انسحبت منه قوى الأمن النظامية بصورةٍ تثير الريبة… والجماعة في الحكم فوق هذا وذاك لا تخفي انسياقها في نفس النهج الاقتصادي لمبارك ولا تحاول إخفاء انحيازها الفج لنفس الشريحة الاقتصادية التي دعمها مبارك، ناهيك عن الاستمرار في نفس نسق التحالفات والتربيطات الإقليمية؛ لذا فليس من عجبٍ أن نجد أنفسنا بصدد شعبٍ آخذٍ في التحلل إلى قطاعاتٍ متباينة الأهداف والمطامح ومتناحرة في أحيانٍ كثيرة، إذ فيما عدا النظام، ينقسم الشارع إلى مؤيدٍ ومعارضٍ ناشطين، أي على استعدادٍ للنزول إلى الشارع دفاعاً عن قناعاتيهما تظاهراً أو اصطداماً (وما أكثر ما يفضي الأول إلى الثاني) وكتلة تشكل السواد الأعظم من الشعب، بعضها مؤيدٌ وبعضها معارضٌ وبعضها لم يعد يكترث والبعض يجمع بين كل ذلك بنسبٍ مختلفة حسب الظرف وما يتصادف أن يعلق بذهنه من طوفان التصريحات والـ’توك شوز’ الإعلامية… وهناك الملل فالمزيد من الملل وفراغ الصبر يشكلان خلفية المشهد وقاسماً مشتركاً بين كل أطياف تلك الكـــتلة التي اعتدنا على تسميتها بـ’الصامتة’.على خلفية ما سبق حلت الذكرى الثانية للثورة وحكم المحكمة في قضية ألتراس المصري و أعقبها بفترةٍ ليست بالطويلة واقعة أو لنقل جريمة ضرب وسحل حمادة صابر الفضائحية… إن كل ما سبق ليشير إلى مجموعة من الاستنتاجات المزعجة للغاية والجديرة بقرع كل نواقيس الخطر إن لم تكن تصدعت بالفعل..أولا، وفيما يتعلق بسلطة الإخوان المسلمين، فللحق لقد أدهشنا أداؤهم كنت قد كتبت من قبل على صفحات هذه الجريدة عما قصرت الجماعة عن فهمه، والمشكلة أنني لا أرى أن شيئاً قد تغير للأفضل، ولا تملك طيلة الوقت سوى أن تسأل نفسك في انعدام تصديق:’أين كوادرهم؟ ألا يرون ما يحدث؟ ألا يفهمون المتغيرات والمستجدات؟…إذ تحت سيطرة ثنائيةٍ اختزاليةٍ شديدة القصور تحكم نظرتهم للمجتمع لم يستطيعوا التخلص بعد من تقسيم الجمهور إلى منضمين وأنصار من ناحية و’أعداء’ أو معارضين من جهةٍ أخرى…لا يرون شعباً …كما أنهم قصروا عن إدراك أن وقود تلك الثورة الذي دفع بالملايين للتحلق حول الشباب هو التفاوتات الاقتصادية البشعة التي يعاني بسسببها أغلب الشعب فقراً مدقعاً مذلاً، وإهانات الشرطة، وبالتالي فإن اللجوء إلى نفس أساليب مبارك القمعية مع إغفال ذلك الكم المذهل من التغيرات التي طرأت على الشعب المصري مما لا يوصف بكونه أقل من زلزال، من باب تحطم حاجز الخوف نثاراً وعودة ثقافة الاحتجاج وما وقع على جهاز الأمن من صفعات أثبتت للأبد تفوق قوة الجماهير وما خلفه ذلك في الجهاز من اهتزاز ثقته في قدرته على البطش والترويع… إنني أرى أن معالجة نفس المشاكل التي أطاحت بمبارك (مع فارق كونها تفاقمت) بنفس أسلوب مبارك الأمني الذي أثبت فشله الذريع على طريقة ‘وداوها بالتي كانت هي الداء’ لا يدل على وفرة الذكاء أو أبسط قدرٍ من الخيال أما الحديث عن ‘احترام أحكام القضاء’ و’حياديته’ فيبدو مضحكاً ومغيظاً لجماهير تدرك أن القضاء بات مسيساً في معركة التيار الإسلامي وخصومه، إذ كم رأوا من ‘فقيهٍ دستوري’ يؤكد شرعية دستور الجماعة ومن آخر يراه رجساً من عمل الشيطان، ناهيك عن حصار أنصار التيار الإسلامي للمحكمة الدستورية العليا.ثانياً: من ناحيةٍ أخرى نرى شارعاً فائراً يموج بالسخط والغضب، غير أن الجديد والمثير للقلق في آنٍ معاً كونه شارعاً منفلتاً، يتحرك ويفور ويموج وفقاً لآلياته الخاصة، ولا يخضع لسيطرة أيٍ من الفصائل الموجودة على الساحة، ولا حتى جبهة الإنقاذ التي تدعمه وتسبغ عليه مشروعيةً لا ينتظرها ليتحرك ولا أحسبه يأبه بها… يجوز أن بعضاً من الشخصيات البارزة في جبهة الإنقاذ متواجدٌ في ‘الواديين’ ويحظى بقدرٍ من الحضور والاحترام بحيث تصبح كلمته ‘مسموعة’ نوعاً ما ، إلا أن ذلك لا يفيد الترابط العضوي أو علاقة التبعية المباشرة حيث يأتمر الشارع بتوجيهات قادة الجبهة، كما لا يفوتنا أن نلتفت إلى ملحوظة بالغة الخطورة والأهمية، ألا وهي أن جموع المتظاهرين الغاضبين صارت تزخر بأعدادٍ كبيرة من صبية وفتيان أحداث، كثيرٌ منهم من أحياء فقيرة، مهمشون أبناء مهمشين…هم التجسيد الحي، بالمعنى الأكثر حرفيةً للكلمة، لظلم وتهميش وإفقار وعسف الأربعين عاماً الماضية، هم جسد المشكلة التي قامت من أجلها الثورة والتي تعاديها الجماعة بنهجها الاقتصادي (هذا إذا اعتبرنا ما نراه منها سياسةً اقتصادية…)، ومع ميراث العداء تجاه الشرطة وجراء استسهال البعض الانزلاق في شيطنتهم، أي هؤلاء الصبية، صاروا في أحيانٍ كثيرة يخوضون ما بات أقرب إلى حرب شوارع مع قوات الأمن… ثم أضيف إلى ذلك المزيج السام والمشتعل فكرة ‘المناطقية’ حيث بات سكان بور سعيد وسائر مدن القناة يشعرون بالاضطهاد والظلم والإقصاء وأنهم ضُحي بهم لإرضاء جمهورٍ أوسع، ذلك الشعور الذي زاد من حدته تمييزهم بقرار حظر التجول وما صاحب ذلك وأعقبه من تعاملٍ فظ ودموي من قبل منظومة الأمن…وهكذا، تزداد الصورة تعقيداً… شارعٌ وبلدٌ يتمزقان… شارعٌ يوشك أن يخرج عن السيطرة تماما… شارعٌ مليء بالغضب، يتوزع على دوائر قد تتماس أو تتراكب إلا أنها متميزةٌ بشخوصها وأساليبها ومشاعرها ورؤاها.. ووراء كل ذلك نظامٌ يلجأ للحل الأمني ويطلق البلطجية ويعيد الجيش إلى الساحة السياسية في التعامل مع المشكلة الاجتماعية- الاقتصادية متصوراً أن ظهيره الشعبي كفيلٌ بدعمه وإبقائه في السلطة على حساب مطالب الآخرين المشروعة. سوف يفشل الحل الأمني كما فشل من قبل، ولئن استمر النظام في إصراره عليه وفي عناده فإن ذلك ينذر بتنامي العنف والفوضى، فالعودة إلى الوراء أمرٌ مستحيل، على الأقل في الظرف الحالي، كما أن بركان الغضب لم يخمد بعد، فالمظالم التي تغلي في جوفه تزداد، وكل جنازةٍ لشهيدٍ سقط في مواجهة الأمن (أو أيٍ من معاوني وأنصار النظام) كفيلةٌ بجعله ينفجر ليحرق الجميع حتى تصبح ‘ثورة 25 يناير السلمية’ ذكرى أسيفة.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير في بريطانياqmdqpt