لماذا لن تصبح مالي ‘افغانستان إفريقيا’؟

حجم الخط
0

د. حسين مجدوبيلم يخض مقاتلو الجماعات الدائرة في فلك تنظيم القاعدة معارك ضد القوات المالية والفرنسية في شمال مالي، وانسحبوا نحو أقصى الشمال حيث توجد تضاريس صعبة تساعدهم على الاختباء والمواجهة، وقد لا يتجاوز الأمر مناوشات واختطافات بين الحين والآخر وعمليات مثل منشأة الغز أيت مناس في الجزائر. ويكون أقصى ما حققه هذا التنظيم هو تسهيل عودة نفوذ فرنسا الى قلب القارة السمراء.وشغلت الأزمة المالية المجتمع منذ ثلاث سنوات عندما تحول شمال البلاد الى فضاء لتحرك مسلحي تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، حيث بدأ يتوافد تدريجيا على المنطقة مقاتلون من مختلف دول المغرب العربي-الأمازيغي. وتزامن ذلك مع تنفيذ هؤلاء المقاتلين عمليات اختطاف وإعدام في حق مجموعة من الرهائن الغربيين. واستفاد تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وحركات أخرى مثل أنصار الدين من الانقلاب العسكري الذي نفذه عسكريون يوم 22 مارس ضد أمادو توماني وتقدم مقاتلوه نحو جنوب البلاد للسيطرة على مدن أسطورية مثل تومبوكتو. كما استفاد من السلاح الذي انتشر في المنطقة في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا. وترتب عن الانقلاب كذلك إعلان حركة الأزواد دولة خاصة بها.وفي الأسبوع الأول من يناير الماضي دقّ ناقوس الخطر في مختلف العواصم المغاربية والغرب وأساسا باريس لأن مقاتلي القاعدة تقدموا نحو الخط الفاصل بين مالي التابعة لما يسمى الساحل ومالي الخضراء في الجنوب بعد سقوط مدينة كونا حيث بدت الطريق سهلة للوصول الى العاصمة باماكو. وكان سقوط العاصمة، وإن كان صعبا للغاية ومستبعدا، سيشكل منعطفا بحكم أنه لأول مرة سيتمكن مقاتلو القاعدة من السيطرة على عاصمة دولة إفريقية بل وإسلامية.ويوم 11 يناير أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عملية ‘الهر الوحشي’ لوقف زحف مسلحي القاعدة وتحرير شمال مالي. ولم يجد صعوبة في اتخاذ قرار من هذا النوع رغم حساسيته، بل يعتبر من أسهل القرارات التي اتخذتها فرنسا للدخول في مواجهات عسكرية في الخارج. فقد صادق مجلس الأمن على قرارات متعددة ترخص بالتدخل العسكري لصيانة وحدة مالي الترابية، ومسبقا تواجدت قوى عسكرية فرنسية منذ الصيف الماضي في دول المنطقة مثل النيجر وبوركينا فاسو وكذلك في منطقة مالي الخضراء. في الوقت نفسه حصلت فرنسا على دعم لوجيستي مهم من طرف المغرب والجزائر يتجاوز مرور مقاتلات الرافال في أجواء البلدين. وأعلن وزير الخارجية لوران فابيوس أن فرنسا لن تبقى في مالي إلا الوقت الذي سيتطلبه بناء دولة قوية، في حين نادت افتتاحية لجريدة لوموند الأسبوع الماضي بضرورة الإسراع في إشراك الأمم المتحدة في بناء مالي لتفادي أي تأويل يضر بسمعة هذه العملية. ومنطقيا، كان من الصعب تردد فرنسا في التدخل في شمال مالي، فهذا البلد هو جزء من النفوذ التاريخي لباريس خلال القرن الأخير في ما يعرف بـ ‘إفريقيا الفرنسية’، وسيترتب عن انهيار مالي ووقوعه تحت سيطرة المسلحين المتطرفين انتقال الفوضى الى دول المنطقة وأساسا النيجر التي تعتبر منطقة استراتيجية لمصالح فرنسا في الخارج. وكشف مدير المرصد النووي الفرنسي ستيفان لوم في مقال له في جريدة ري 89 الرقمية يوم 15 يناير الماضي ‘فرنسا لم تتدخل لحماية الديمقراطية بعدما ساعدت أنظمة فاسدة طيلة أربعين سنة الأخيرة بل لحماية مصالحها المتمثلة في اليورانيوم في النيجر’.والمحافظة على المصالح الحيوية والاستراتيجية يعتبر محركا أساسيا عبر التاريخ وخاصة منذ الاكتشافات الجغرافية الكبرى لفهم النزاعات والتدخل في دول أخرى بشعارات إنسانية في بعض الأحيان مثل ‘نقل الحضارة الغربية’ في الماضي أو ‘دعم الديمقراطية’ في الحاضر. ولا يمكن فهم التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي بمعزل عما يشكله اليورانيوم، فالهدف هو حماية استباقية لتجنيب منطقة الساحل فوضى وضمان المصالح. وعلاقة باليورانيوم، فعمليا تعتبر فرنسا الدولة الأولى في العالم التي تستخرج 75′ من الطاقة الكهربائية التي تستهلكها من محركات نووية. وكان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قد قرر سنة 2008 أن تصبح فرنسا أول مصدر للطاقة النووية السلمية في العالم بعد حصوله على صفقات لبناء عشرات المفاعلات نووية في دول كبرى مثل الصين والهند ودول عربية مثل الإمارت العربية والمغرب والجزائر. واستمر خلفه الرئيس الحالي فرانسوا هولاند في تبني هذه الاستراتيجية في قرار أكد عليها خلال أكتوبر الماضي. والحديث عن المحركات النووية هو الحديث بالدرجة الأولى عن اليورانيوم وعن شركة أريفا التي تستغل هذه المادة في النيجر منذ سنة 1968، حيث سحبت من هناك مائة ألف طن من اليورانيوم لمعالجته وتحويله الى طاقة للمحركات النووية. وتعد أريفا من أكبر الشركات الفرنسية المتعددة الجنسيات حضورا في العالم دون أن تلفت الأنظار إليها، وهي أكبر شركة عالمية في استغلال الطاقة النووية المدنية، وبالتالي ركيزة أساسية لضمان نسبة هامة من الطاقة لفرنسا وجزء من النفوذ الاستراتيجي لباريس في الخريطة الدولية. وعليه، هل كانت ستتردد باريس في التدخل لحماية مصادر اليورانيوم الذي سيقوي من موقعها دوليا خلال العقود المقبلة؟ بطبيعة الحال لن تتردد لأن المقارنة بين ما يمكن أن تخسره من جنود وأموال في هذه الحملة، قتيلين و40 مليونا وفق وزارة الدفاع الفرنسية حتى الآن وقد يرتفع الى 200 مليون يورو خلال سنة، لا يشكل أي شيء أمام الأرباح المالية والاستراتيجية حاليا ومستقبلا. وفي أعقاب التدخل، ظهرت الكثير من الكتابات وخاصة في الغرب في وسائل إعلام كبرى مثل نيويورك تايمز ومجلة التايم الأمريكية الخبيرة في العلاقات الدولية التي كتبت يوم 19 يناير أن باريس تقود الغرب الى مواجهة جديدة مع المتشددين في شمال إفريقيا، وارتفاع الحديث عن توتر بين العالم الإسلامي والغرب على شاكلة ما جرى بعد التدخل في العراق وأفغانستان.لكن الذي وقع أنه ما كان يفترض أنه سيشكل ‘أفغانستان فرنسا’ في قلب إفريقيا يعتبر بكل المقاييس حتى الآن نزهة عسكرية للقوات الفرنسية، ولعل المنعطف هو زيارة الرئيس الفرنسي يوم فاتح فبراير الجاري لباماكو وأساسا تومبوكتو التي تحولت الى المعقل الرئيسي لمقاتلي القاعدة في المغرب الإسلامي. وتوجد عوامل متعددة لتفسير استحالة تحول شمال مالي الى ‘أفغانستان فرنسا’، ومن أبرز هذه العوامل:ـ غلبة الفكر الصوفي على سكان مالي وخاصة الشمال الذين يصعب عليهم تقبل الأفكار المتطرفة لتنظيم القاعدة وخاصة إقامة الحد في منطقة هي عرضة للفقر المعوز، ولهذا لم تكن مشاهد الفرحة خلال استقبال فرانسوا هولاند في باماكو وتومبوكتو بالمصطنعة بل عن فرح حقيقي وتجمع صحافة مالي على نبذ دخلاء القاعدة وما أحدثوه والترحيب بالتدخل الفرنسي. فطيلة الأزمة لم يهتم الرأي العام الدولي بما يقوله الماليون.ـ غياب حركة قوية محلية تحتضن مسلحي القاعدة، وهنا يوجد اختلاف كبير بين أفغانستان وشمال مالي. فحركة الطالبان هي التي كانت تتحكم في أغلب مناطق أفغانستان وهي التي استقبلت زعيم القاعدة أسامة بن لادن ووفرت له الحماية، بينما اعتبر سكان شمال مالي مقاتلي القاعدة بمثابة محتلين أجانب، حيث وقعت الكثير من المواجهات بين السكان المحليين وأعضاء القاعدة بسبب تطبيق الجلد وقطع الأيدي وفرض ثقافة متشددة.ـ أفغانستان شهدت حربا لمدة عقدين واستقبلت عشرات الآلاف من المقاتلين الذين اكتسبوا تجربة القتال واستعمال مختلف أنواع الأسلحة، في حين تلقى مقاتلو القاعدة في شمال مالي تدريبات محدودة وليس لديهم ثقافة السلاح بل البعض منهم انتقل من أقصى شمال المغرب من بلدات مثل الفنيدق حيث كان يمارس التهريب الى القتال في الرمال في ظرف أسابيع، فكيف سيكون المستوى العسكري هذا الشخص.ـ في الوقت ذاته، معرفة الجيش الفرنسي بالمنطقة وتضاريسها، ففرنسا هي التي وضعت خرائط منطقة الساحل وشمال إفريقيا وتعرف جيدا التضاريس، ومنطقة الساحل لا تساعد نهائيا على ظروف حرب العصابات، فغياب ساكنة كثيفة وغياب تضاريس صعبة يجعل مهمة الطيران سهلة للغاية في تعقب مقاتلي القاعدة، ويؤكد الخبراء العسكريون أنه يكفي السيطرة على نقط الماء لدفع هذه العناصر بمغادرة منطقة الساحل.ـ حركة الطالبان التي احتضنت القاعدة في أفغانستان توفرت على دعم لوجيستي قوي من مخابرات باكستان ورموز الوهابية في الخليج العربي وأحيانا من دعم إيراني وروسي غير معلن لإضعاف الولايات المتحدة، بينما في شمال مالي تتواجد دول ذات أجهزة استخباراتية قوية مثلما هو الشأن في تونس والجزائر والمغرب أعلنت الحرب على السلفية الجهادية منذ سنوات، وكذلك دول مثل بوركينا فاسو والنيجر وتشاد التي تساهم في تعقب القاعدة علاوة على حركة الطوارق التي تعتبر القاعدة عدوا حقيقيا.ـ غياب تعاطف في العالم العربي وخاصة شمال إفريقيا مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الذي لا يتردد الكثيرون في وصفه بالدمية في أيدي جهات غربية يتم توظيفها إعادة بسط النفوذ في العالم العربي، فأينما حل هذا التنظيم جلب معه الاستعمار في نسخة جديدة. -رفض الرأي العام العربي لمغامرات جديدة تعرقل مسار بناء الديمقراطية بعد اندلاع الربيع العربي-الأمازيغي باسم الدين وفرض الشريعة، وكانت ردود الفعل الرافضة هي الصادرة عن بعض السلفيين وبعض الحركات الإسلامية وليس كلها. كل هذه العوامل تفسر لماذا لا يمكن لمالي أن تتحول الى أفغانستان في قلب القارة السمراء، ولكنها تبرز كيف أن تنظيم القاعدة أصبح بدون وعي ممهدا من خلال مغامراته لإعادة انتشار الغرب في العالم العربي.’ كاتب من اسرة ‘القدس العربي’qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية