عبد الحميد صيامفي الوقت الذي فاز اليمين المتطرف في إسرائيل في انتخابات عام 1977 بزعامة مناحيم بيغن، اتجه النظام العربي الرسمي إلى التراجع والتفكك والانهيار. فقد قام أنور السادات بزيارته المشؤومة للقدس في نفس العام ودخل في مفاوضات أدت إلى اتفاقية كامب ديفد المذلة عام 1979 والتي أخرجت مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. شعرعندها زعماء الحرب الإسرائيليون أن أياديهم أصبحت طليقة فشرعوا في توسيع رقعة عملياتهم العسكرية واختراق الأمن القومي العربي ليس في دول الطوق فحسب بل في رقعة جغرافية شاسعة تمتد من العراق شرقا لتونس غربا. إن حادثة قيام الطائرات المقاتلة الإسرائيلية بتدمير مجمع البحوث العسكرية في جرمايا بسوريا في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 30 من شهر كانون الثاني (يناير) الماضي ليست الأولى من نوعها وربما لن تكون الأخيرة ليس ضد سوريا فحسب بل وفي أكثر من بلد عربي سواء في ما يسمى دول الاعتدال أو دول الممانعة. وسنستعرض في هذا المقال مجموعة من الانتهاكات لسيادة عدد من الدول العربية في مشارق الأرض ومغاربها في الثلاثين سنة الماضية. والعينة المدرجة أدناه لا تشمل كل الانتهاكات مثل خروقات المجال الجوي أو الغارات داخل الحدود أو زرع الجواسيس أو إغتيال العلماء والقيادات أو قتل جنود على خطوط التماس لأنها كثيرة. كما أننا لم نتطرق للحروب الخمسة التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 1982 و 2006 وعلى الضفة الغربية عام 2002/2003 وعلى غزة 2008/2009 وأخيرا حرب الأيام الثمانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012. العراق عملية بابل: تدمير المجمع النووي أوزيراك (OZIRAK) – 7 حزيران (يونيو) 1981يقع مجمع أوزيراك حسب التسمية الفرنســـية وتمـــوز حسب التسمية العراقية، تيمنا بالشهر الذي وصل حزب البعث فيه للسلطة، على بعد 17 كلم جنوب بغداد قــــرب مدينة بابل الشهيرة. بني المجمع بمساعدة فرنســـية إســـتمرت نحو خمس سنوات. حاولت إسرائيل وقف البناء بكل الطرق. ففجرت بعض المواد المعدة للتصدير من فرنسا إلى العراق في نيسان (أبريل) 1979، كما قام عملاء الموساد بتاريخ 13 حزيران (يونيو) 1980 باغتيال العالم النووي المصري يحيى المشد في الحجرة رقم 941 في فندق الميريديان بباريس وهو في طريقه إلى بغداد.في الساعة 3 و 55 دقيقة مساء إنطلق سرب من الطائرات الإسرائيلية (ف 15 وف 16) من قاعدة عتصيون الجوية فاخترق المجال الجوي الأردني قرب خليج العقبة ثم دخل المجال الجوي السعودي وتحدث قائد السرب زئيف راز بلهجة أردنية مدعيا أنه ضل الطريق ثم دخل المجال الجوي العراقي فلم يتم إكتشافه لأن السرب حلق على ارتفاع منخفض. وصلت الطائرات فوق المجمع الساعة 6 و 35 دقيقة مساء. أستمرت الغارات لمدة دقيقتين وتركت المجمع ركاما وعادت سالمة – غنى الطيارون في طريق عودتهم نشيدا توراتيا حول عودة النبي اليسع إلى أرض كنعان واحتلالها من سكانها الأصليين. قتل عشرة جنود عراقيين ومهندس فرنسي قيل إنه عميل للموساد وسهل عملية التدمير. إسرائيل دفعت تعويضات لعائلة القتيل الفرنسي فقط. أصدر مجلس الأمن بالإجماع القرار 487 (1981) الذي يدين العملية، ولحقت به الجمعية العامة فأصدرت القرار 27/36 الذي يدين العملية ويطالب إسرائيل بالتعويض. تونس1. عملية الرِجل الخشبية- حمام الشط – تدمير مقر منظمة التحرير 1 تشرين الأول (أكتوبر) 1985على بعد أكثر من 2000 كلم قامت ثماني طائرات ف-15 وطائرة بيونغ 707 معدلة لأغراض تزويد الطائرات المقاتلة بالمزيد من النفط في الفضاء بتدمير مقر منظمة التحرير الفلسطينية في منطقة حمام الشط على بعد 18 كلم من العاصمة مخلفة وراءها العديد من الضحايا من بينهم 60 فلسطينيا و200 تونسي وأكثر من 100 جريح. عادت الطائرات بعد أن تم تزويها بالمزيد من الطاقة في الجو فوق البحر المتوسط. مرة أخرى أصدر مجلس الأمن القرار 573 (1985) بتأييد أربعة عشر عضوا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت، علما أن الرئيس ريغان قال ‘لا نستطيع أن نتقبل مثل هذه العملية’. إسرائيل من جهتها بررت العملية على أنها رد على مقتل ثلاثة من عملاء الموساد في قبرص على يد ‘القوة 17’ التابعة لحركة فتح. أما الحبيب بورقيبة فكان متأكدا أن مثل هذه العملية لا يمكن أن تتم إلا بموافقة الولايات المتحدة.2. إغتيال خلـــيل الوزير- أبو جهاد – 16 نيسان (أبريل) 1988 قاد عملية الاغتيال إهود باراك، نائب رئيس الأركان آنذاك، ومساعده موشيه يعالون، قائد ‘سرية مقتال’ كما تسمى بالعبرية. وقد قام باراك بالتنسيق بين عملاء الموساد على الأرض والزوارق الحربية التي وصلت إلى الشواطئ التونسية. تم الاعتراف رسميا بالعملية في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 حيث قال ناحوم ليف لجريدة يديعوت أحرانوت بأنه ‘أفرغ عدة مخازن من الرصاص في جسد الوزير وكان حريصا على ألا يؤذي زوجته’. مجلس الأمن إجتمع لمناقشة العملية وأصدر قراره رقم 611 بتاريخ 25 نيسان (أبريل) وصوت لصالح القرار 14 عضوا بينما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت. القرار أدان انتهاك سيادة تونس واغتيال خليل الوزير لكنه لم يتطرق للفاعل. الأردنمحاولة إغتيال خالد مشعل- 25 أيلول (سبتمبر) 1997بناء على تعليمات مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتـنياهو، دخل إلى الأردن عميلان للموساد بجوازات سفر كندية، وانتظرا خالد مشعل، رئيس فرع حركة حماس في الأردن، أمام مقر الحركة وغرز أحدهما إبرة قرب أذنه أفرغت حقنات من السم في جسمه ففقد الوعي فورا ونقل إلى مجمع الحسين الطبي وهو بين الحياة والموت. من حسن حظ الرجل والأردن أن حراس مشعل تمكنوا من القبض على العميلين. أثارت الحادثة غضب الملك حسين الذي وقع عام 1994 اتفاقية وادي عربة للسلام مع إسرائيل رغم معارضة الغالبية من الشعب الأردني. هدد الملك حسين إسرائيل بإلغاء الاتفاق ومحاكمة العميلين علنا إن لم يرسل نانتياهو مادة لإبطال مفعول السم فورا وإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين رئيس الحركة الذي كان محكوما بالسجن المؤبد ثمنا لهذا الانتهاك. طار إلى الأردن رئيس الموساد داني أتون حاملا معه الترياق الخاص بإبطال مفعول السم وعاد بصحبة العميلين. بعد أيام أطلق سراح الشيخ أحمد ياسين الذي بقي في غزة لساعة استشهاده بتاريخ 13 حزيران (يونيو) 2003.سوريا1. التحليق فوق القصور الرئاسية 15 آب (أغسطس) 2003 وحزيران (يونيو) 2006بعد قيام حزب الله بقصف مستوطنة شلومي في الجليل الأعلى يوم 10 آب (أغسطس) 2003 ومقتل مســـتوطن يدعى هفيف دادون وصل وليم بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأمريكية، إلى دمشق ليحذر القيادة السورية من مغبة عدم تقييد حركة حزب الله. لكن إسرائيل إستخدمت طريقة أخرى في التحذير وذلك بخرق الطائرات المقاتلة للمجال الجوي السوري التي حلقت يوم الجمعة في 15 آب (أغسطس) فوق القصر الجمهوري. تكررت عملية الطيران فوق القصور الرئاسية في اللاذقية في حزيران (يونيو) 2006 أثناء وجود الرئيس داخل القصور.2. الهجوم على معسكر عين الصاحب 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2003قامت أربع طائرات من طراز ف- 16 بالهجوم على معسكر التدريب عين الصاحب على بعد 25 كلم شمال غربي دمشق. والمعسكر تابع للفصائل الفلسطينية كالجهاد وحماس والجبهة الشعبية القيادة العامة. تم تدميرالمعسكر وتدمير كمية من الذخائر والمعدات المخزنة فيه. وهي أول عملية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية منذ حرب تشرين (رمضان) 1973. وقد جرح شخص واحد في المعسكر. والعملية جاءت في أعقاب عملية انتحارية قامت بها حركة الجهاد الإسلامي في حيفا. 3. عملية البستان: تدمير مجمع دير الزور للأبحاث النووية 6 أيلول (سبتمبر) 2007قامت على الأقل 4 طائرات بتدمير المجمع النووي السوري بدير الزور والذي تم إنشاؤه بمساعدة تقنية من كوريا الشـــمالية وتمويل إيراني زاد عن المليار دولار. وقد قام فريق كوماندو إسرائيلي من فرقة ‘شالداك’ بمعاينة المجمــــع وتصويره قبل يوم واحد من العملية. قتل في الحادث 15 عسكريا وجرح نحو 50. بعد الهجوم المشار إليه بستة أسابيع، زار مراسل ‘يديعوت أحرونوت’ رون بن يشاي، المنطقة وأعد تقريرا موسعا بناء على شهادات سكان محليين، تؤكد تحليق الطائرات الإسرائيلية في سماء المنطقة. 4. تدمير مركز الأبحاث بجرمايا – 30 كانون الثاني (يناير) 2013 الحادثة قريبة العهد وليست بحاجة إلى مزيد من التفاصيل لكن الجديد فيها أن الحكومة السورية لم تتأخر كثيرا للإعلان عن الهجوم كعادتها، لكنها حاولت استغلال العميلة سياسيا. فقد جاء في بيان رسمي صادر عن قيادة الجيش السوري بأن ‘الإرهابيين حاولوا مرارا أن يقتحموا المجمع ويسيطروا عليه لكنهم لم يتمكنوا’. أي أن ما عجز ‘الإرهابيون’ عن تحقيقه قامت السلطات الإسرائيلية بتحقيقه. وكأن الطرفين الإسرائيلي والمعارضة يخوضان حربا واحدة ضد النظام. السفير السوري في بيروت هو الذي كرر الأسطوانة المشروخة باحتفاظ سوريا بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين. أما الشكوى الرسمية فلم تذهب لمجلس الأمن بل لقائد قوات الأمم المتحدة لفصل القوات في الجولان (UNDOF). الإمارات العربية المتحدة دبي- إغتيال محمود المبحوح- 19 كانون الثاني (يناير) 2010 وصل مطار دبي نحو 31 عميلا للموساد بجوازات سفر أوروبية في معظمها. وكان من بينهم 12 بريطانيا و 6 أيرلنديين و4 فرنسيين، 4 نمساويين وألماني واحد وعميلان فلسطينيان. دخلت المجموعات المدينة بكل خفة ومهارة وتوزعوا في عدة فنادق بما فيها فندق البستان-روتانا الذي يقيم فيه محمود المبحوح أحد قادة كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، في ساعة الصفر هاجمت مجموعة غرفة المبحوح رقم 230 حيث تم تخديره وصعقه بالكهرباء وخنقه في غرفة نومه. ثم عاد الجميع وخرجوا من البلاد بنفس الخفة والمهارة اللتين دخلا بهما ما عدا الفلسطينيين اللذين اعتقلا لاحقا. مثل هذا الإختراق الأمني الخطير وغير المسبوق، قد يطيح بكل طواقم الأمن والشرطة والمخابرات بكل فروعها ورؤسائها ووزرائها في أية دولة تحترم نفسها وسيادتها. الغريب أن بعض المسؤولين حاولوا أن يلعبوا دور البطولة وراحوا يعقدون المؤتمرات الصحفية ويعلنون عن كشف أسماء العملاء ووضع أسمائهم على قوائم المطلوبين للإنتربول حتى ليعجب المراقب من مثل هذا الموقف الغريب وكأن العملاء اعتقلوا في آخر لحظة ويقبعون الآن في زنازين انفرادية؟ السودان تدمير مصنع اليرموك للأسلحة الخرطوم 24 تشرين الأول (أكتوبر) 2012في الساعات الأولى لفجر الأربعاء قامت أربع طائرات إسرائيلية بقصف مصنع ‘اليرموك’ للذخيرة جنوب مدينة الخرطوم. وقد سمعت إنفجارات هزت المدينة وتتطايرت شظايا الصواريخ والذخائر في كل إتجاه. أعلن وزير الإعلام السوداني أحمد بلال عثمان أن إسرائيل استهدفت المصنع ‘لإضعاف قدراتنا الدفاعية وتطويرها من أجل إضعاف السيادة الوطنية السودانية’. وهذه ليست المرة الأولى التي تخترق إسرائيل السيادة السودانية. ففي كانون الثاني (يناير) من عام 2009 هاجمت إسرائيل قافلة عسكرية قرب بور سودان محملة بالذخائر قيل إنها متجهة إلى غزة لإيصال مساعدات عسكرية إيرانية لحركة حماس وتقول مصادر أمريكية إن نحو 40 شخصا قتلوا في العملية. السلطات السودانية لم تتوعد كغيرها بالرد في المكان والزمان المناسبين، ولم تتقدم بشكوى لمجلس الأمن لأنها تعرف سلفا أن المجلس سيُمنع من الاجتماع لمناقشة الشكوى. الشيء المشترك بين أنظمة الحكم في الدول العربية أنها تلحس كرامتها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل لكنها تستأسد على شعوبها عندما تطالب بحقوقها في الكرامة والحرية والمواطنة المتساوية وتمكين المرأة وسيادة القانون وتبادل السلطة واحترام حق التعبير والتجمع والتنقل ولجم الفساد والفاسدين وأنسنة أجهزة الأمن وتحديد دور الجيش في حماية الوطن لا حماية النظام وقتل المواطنين مما يذكرنا بقول عمران بن حطان موجها كلامه للحجاج: ‘أسد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تهرب من صفير الصافر” أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويوركqmdqpt