ممدوح فراج النابيصَدَر للدكتور حسين حمودة الناقد الأدبي والأستاذ بكلية الآداب جامعة القاهرة، كتاب ‘ميادين الغضب: قراءات في روايات مصرية’، عن دار العين للنشر والتوريع بالقاهرة،2013. والكتاب يأتي استمرارًا للمشروع النقدي الذي يعمل عليه الناقد حسين حمودة، بدأب وإصرار متلازمين منذ رسالته للماجستير عن ‘يحيي الطاهر عبد الله’، ثم دراسته الرائدة في الدكتوراه عن ‘تمثيلات المدينة في الرواية’ (كلاهما صدرا في كتاب عن سلسلة كتابات نقدية بالهئية العامة لقصور الثقافة)، ثم كتابه المهم عن نجيب محفوظ:’فى غياب الحديقة: حول متصل الزمان والمكان فى روايات نجيب محفوظ’، عن دار مدبولي.-1-في نفس الاتجاه النقدي والاحتفاء بالسَّرد، يأتي كتابه الصَّادر حديثًا. وهو عبارة عن مجموعة من القراءات النقدية المعمَّقة لروايات مصرية، وإن كان المؤلف يعتبرها ‘ليس أكثر من محاولة للإصغاء إلى نبرات في نصوص مجموعة من الروايات المصرية التي كتبها روائيون وروائيات ينتمون إلى فترات زمنية متباينة، وإلى اتجهات متعدِّدة، وإلى طرائق متنوِّعة في الكتابة’ ومع إقرار المؤلف بحسّه النقدي، أن القراءات ستظل ‘عملاً مفتوحًا’، بمصطلح ‘إمبرتو إيكو’، أو ‘ما من سبيل أو إمكان لقراءة كاملة، أو نهائية ــ بتعبير المؤلف نفسه ــ لأيّ عملٍ أدبي’ ومع تأكيده بأنَّ ثمة تباينًا بيننا في قراءتنا لأيّ نصٍّ أدبي، إلا أن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن اختياراته لهذه الأعمال المتنوِّعة، والتي تبدأ من جيل الروَّاد (نجيب محفوظ(بداية ونهاية)، ثم يوسف إدريس(الحرام) وتظل قابلة للانفتاح إلى أجيال تالية (صبري موسي: فساد الأمكنة) وبهاء طاهر (واحة الغروب)، ومحمد البساطي (صخب البحيرة)، ويوسف أبو رية (طواحين الصمت) وأخرى بعيدة زمانيًا عن جيل الرواد كـ (أمينة زيدان وميرال الطحاوي ومي التلمساني وسهى زكي،… وغيرهم) بما تحمله (الأعمال) من اتجاهات متعدِّدة وطرائق مغايرة، بما لا يشي (في معناه السَّاذج)، إلى أنه تمرُّد على جيل الآباء، بقدر ما هو يشى (في معناه العميق) بخصوصية التجربة، وما يتبعها من تنوُّع في طرائق التعبير عنها، وفقًا لقناعات أيديولوجية أو حتى وفقًا لثقافات مغايرة، تفرض أدواتها بإلحاح عجيب. فالاختيارات ـــ بناءً على هذا ــ غير خاضعة لإكراهات العلاقات الاجتماعية أو حتى إكراهات الانتماءات الثقافية والفنية، وإنما تنزاح (في أغلبها) إلى إكراهات ذوقية ترى أن ثمة ‘أهميةً ما’ في روايات معينة، أو حتى تستلمحَ ‘جمالاً ما’ في أخرى، وربما تستوقفه’قيمة ما’ في ثالثة.-2-وسواء اختلفنا معه على مبعث الأهمية هنا أو نوعية الجمال هناك، أو مدى القيمة في تلك، فالشيء الوحيد الذي نتفق فيه معه على أن ثمة جمالاً منحته القراءة للنصوص، وثمة روئ عميقة استخلصتها تحليلاته، التي تنصاع إلى النص بدءًا ومنتهى، منصتًا للأثر الأدبي وهو يروي حكايته بطرائقه المختلفة، وصولاً إلى دلالته المفتوحة إلى دلالات أرحب وأعمق، قد يقصدها النص (أو ربما لا يقصدها بالمرة)، مستندًا إلى مرجعيات ثقافية فرضتها طبيعته الأكاديمية، وإن كان طوعها متخفِّفة من صرامتها. وقد توزَّعت عبر قسمي الكتاب، فالقسم الأول منه بمثابة دراسات مُسْتقِلَّة، تبحث عن ثمة ‘خصوصية ما’ كما هو الحال في قرائته لرواية ليوسف إدريس، التي حملت عنوانَ ‘تصدعُّات الحرام’، وفيها يبحث عن تنويعات الحرام داخل الرِّواية، وفق منظور هذه الجماعة الرِّيفية التي تعيش على تخوم عالم شبه مغلق عليها، تهيمن عليها سطوة الأسطورة وحضورها الطاغي، ومع أن حضور الحرام كفعل داخل المتن، ماثل بتحقق الفعل نفسه ورد الفعل عليه، إلا أن هذا لم يمنع من اكتشاف تنويعات أخرى حسبما وجد المؤلف، لِتَأَمُّل الحرام وفق مفارقات متناقضة ‘المسموح وغير المسموح، المباح وغير المباح، وعليه تتمثَّلُ لنا (كما يقول المؤلف) مفردة الحرام ــ داخل النص ــ نقيضًا لنسق أخلاقي مُسَلَّم به، أو يأتي حضور الحرام في تصوّر مرتبط بحسِّ ديني، وهناك مَنْ يتمثَّل الحرام داخل الرواية: ‘كاختزال لتجربة مخوِّفة مقرونة بالاستنكار والاستبعاد’. وقد تأتي الدراسة باحثة عن ‘الملاذ’ لشخوص نأووا عن قُبح المدينة وفجاجتها، أو حتى شرورها فلاذوا ــ واهمين ــ بالصَّحراء كما في ‘فساد الأمكنة’ لصبري موسى، بما منحته الطبيعة من عالم ‘ يتعالى على ما هو عابر وزائل (ويصير) المكان المشبع بأزمنة شتى استردادًا لفطرة أولى مفقودة،’ (والتشديد من عندنا ص28-29)، ومن ثم اكتشفت (مثلما اختبرت الشخصيات) بأن الصحراء بمثابة ‘الملاذ’ ولكنه ‘المحال’، ويذهب في رحلته عبر استكشاف معالم هذا العالم الذي يصبوا إليه أو ينشده (حتى في اخيتارته النقدية بما أنه فنان)، وقد بدت معالمه مع الأسف لأسباب قد يتفق معها أو يختلف، تندفع إلى مآلها الأخير كما في ‘صمت الطواحين’،ليوسف أبو رية، و’عمارة يعقوبيان’ لعلاء الأسواني، فالعالم الذي يشيده الروائيان والموشك على الانهيار خاضع لتلك التحولات السِّياسية وما يتبعها من تغييرات اجتماعية. ففي’صمت الطواحين’ يتلَّمَس لهذه التحولات التي جاء العنوان دالا علي مآلها (الصَّمت) بعد (الصَّخب) ليس في موقع الحدث (العاصمة السياسية كما سيحدث في عمارة يعقوبيان)، بل يرنو عبر الجغرافيا والتاريخ، إلى أثرها في الحياة البسيطة القائمة في الأطراف، وكذلك في البشر البعيدين عن المركز، وهو نفس الشَّيء الذي تحقَّق بصورة أو بأخرى في ‘عمارة يعقوبيان’، حيث العمارة دال على خلخلة البُنى الاجتماعية، ومثلها يستحضر أزمنة تاريخية كعلامة على حالتي التبدُّل والانحلال، فإذا كانت ثورة 1952 بمثابة بداية التحوُّل في صعود مَنْ صَعَدَ إلى أعلى السُّلَّم وعلى النقيض بداية سقوط مَنْ سقطَ.منه. فالرويتان لا تنفصلان عن بعضهما (في رأيي) في حالتي الصعود والهبوط، ففي ‘صمت الطواحين’ صار (المالك القديم) ذليلاً يعاني الفقر، أما الأجانب فقد غَرُبَتْ شمسهم، وزَالَ مجدهم بمصادرة الإقطاعات، حتى الأشياء تتلاشى، عالم يتلاشى ويبزغ عالم جديد، كعالمي محمد عزام وبثينة السيد في ‘عمارة يعقوبيان’. على المقابل كانت المقارنة بين’ زكي الآن وزكي بك الذي كان’ علامة على التغيرات، فحالة الرثاء لذلك الزمن الذي ولَّى، مرثية لما آل. ومع حالات التداعي والزيف، يبقى الأمل في ‘فردوس على الحدود’، وهو ما يستشفه ويستخلصه (المؤلف حسب عنوان دراسته) من رواية ‘شبرا’ لنعيم صبرى، فتصبح شبرا لدى أهلها (ولدى الناقد) ‘ساحةً للتعارف والترابط، تناهض عالمـــًا قائمًا بعالم مُستعاد’، ويرى الناقد فيها بعدما ضَجُر مِنْ البحث عن ملاذه أو فردوسه المفقود، في عوالم متخيَّلة، ‘واحة قد برئت مما تكابده الصِّراعات الإنسانية في هذه المدينة، فلا اغتراب هنا، ولا انفصال، ولا إيهام حضري، ولا مجتمع متكالب (بكلماته) تنتفي وتنمحي في حشده خصوصية الفرد وتتلاشى روحه’.-3-ليس ثمة شك أن الناقد، هنا، يبحث عن قيمة جمالية ‘ما’ داخل النص، دون أن يكفَ عن تجريب واختبار أدواته وممارساته النقدية في إظهار هذه الجماليات، أو تلك الرؤى، عبر تطويع هذه التقنيات التي تنهل من نظريات نقدية مُتصِّلَة بعلوم السَّرديات، وبغيرها من علوم أخرى، في استظهار ما يخبو من جمال تكَشَّف وَيَتكَشَّف طوال تجريب أدواته بلغة تذيب الصرامة الأكاديمية، وتخفِّفها لاستمالة الأغلبية النافرة [ممن عناهم في إهدائه] الذين لم يقرأوا ‘كتابًا عن روايات’ أو بعضهم ممن ‘لم يقرأ روايات’، حتى ولو كانوا الآن أرواحًا هائمة. وهو ما نلمحه في استخلاصه لتلك المراوحات التي تبدو عليها بحيرة البساطي وناسها في ‘صخب البحيرة’، فالرواية تعكس ‘واقع هذه الجماعة التي تقاوم تغيُّرات الزمن وعوارضه، والذي لا ينفصل عن واقع البحيرة'(ص60) حتى أن الجميع في عالم البحيرة راحَ يبحث عن سُبل البقاء، في سياق محتشد بأسباب الفناء، وإن كان ينتهي إلى أنهم جميعًا (المبحرون، والصَّيادون، وسُكَّان الجزر) يذهبون عن البحر بالموت وبغير الموت. كما أن المرأة التي هي واحدة من شخصيات البحيرة نموذجٌ حيٌّ لهذه الثنائيات وتلك الانقسامات، فهي حاضرة ‘بعالمها الراهن، وعالمها القديم معًا، معيدة ومستعيدة صورة حواء الخالدة وبوقائع يجعلها في موقع أخلاقي تتوسَّط الحفاظ على المواضعات والتمرُّد عيلها، نعمة الجسد ونقمته، الحفاظ عليه وامتهانه’،كما لاينفصل عن هذا العالم الزمن الذي هو زمن ممتد غير مرتهن بتاريخ مرجعي يراوح بين الماضي والحاضر.وقد تأتي الخصوصية (أخيرًا) من تعقُّب مراوغات السؤال الذي طرحته الشخصيات (كما في قراءته لرواية بهاء طاهر واحة الغروب) فانتهت الأسئلة بهم إلى المزاوغة عن اليقين، فمع أن السؤال ظل الهاجس المشترك لجميع الشخصيات، إلا أن جدوى التساؤلات التي طرحتها الرواية أو شخصياتها على اختلافهم، لا في الإجابة عنها، ‘فلعلَّ الإجابة (كما يقول حمودة) قابعة في مكان ما بالعالم، أو لعلها غافية في مكان ما بداخلنا'(ص56) وإنما في طرحها وكفى،كأن تتعلق بمسائل وجودية كما ظلَّ (على طول السَّرد وعرضه) يسأل محمود بطل الرواية: ‘ليتني أعرف ماذا أريد؟ ومَنْ أكون؟’ وهو ما ينتقل بنفس الصِّيغة إلى الأسكندر بعد بعثه ‘مَنْ أكون حَقًا؟ مَنْ أَنا؟’، أو أن تتعلق بمسائل معرفية كتساؤلات كاثرين عن ألغاز الأسكندر الأكبر، وقد تتجاوز هذا كله إلى نوع من المراجعات أو المحاكمات للذات كما هو حال تساؤلات (محمود، وكاثرين، والشيخ يحيي)، فجميع هذه الشخصيات في بحثها عن اليقين، كما يقول حمودة: ‘تنظر إلى مسارات حيواتهم وكأنما في ضِفَّة أخرى أو من أُفْق آخر’ عبر الأسئلة التي ‘تجاوز الصّوت الواحد، وتتخطَّى الثبات وتعكس زوايا متباينة للحقيقة، أو تجسِّد تصورات مختلفة لها وعنها'(56)، ويؤكد في النهاية أنَّ الرواية في طرحها للسؤال بإلحاح، ‘وبطرائق متنوِّعة وكأنها تومئ إلى طريق يمكننا ــ أو ربما يجب علينا ــ أن نسلكه'(ص 56)، وكأن الناقد يشير إلى المعنى الجمالي الذي يجب أن نخرج به بعد قراءة الرواية.-4-وفي مسعى جمالي لاينفصل عن جملة أهداف الكتاب، التي تتحقَّق تِباعًا من استكشاف جماليات النصوص، أو استلماح قيمة هناك، يأتي القسم الثاني، وفيه يناقش المؤلف تيمات في مجموعة روايات، ففي الدراسة الأولى من القسم الثاني التي جاءت بعنوان :’المدينة سجنًا…العالم سجنًا’، يبحث عن وَقع السِّجن (ورديفاته: القمع / القهر/ الاغتراب) وأثره / أثرهم على الشَّخصيات من خلال قراءته لثلاث روايات (‘تلك الرائحة’ صُنع الله إبراهيم، ‘مأساة العصر الجميل’ لضياء الشرقاوي، و’قَدَر الغُرَف المـــُـقْبِضَة’ لعبد الحكيم قاسم). لايعوِّل المؤلف على السِّجن بمعناه المألوف، كأسوار وزنزانة، وإنما يتجاوزهما إلى العالم عندما يصير سِجنًا شاسعًا وهائلاً، ليس شرطًا أن يكون هناك سَجَّانٌ أو أسوارٌ، فيكفي أن يخرجَ الفردُ من السّجن الحقيقي وهو يحملُ في نفسه السّجن بتحوير عبارة الشَّاعر ‘ناظم حكمت’، فزمن السّجن ومكانه من الممكن أن يرتحلا إلى أزمنةٍ وأَمْكِنةٍ أخرى كما يقول المؤلف. فمن الاغتراب والشُّعور بالضياع، وتقييد الحركة،كما حسَّهم بطل ‘تلك الرائحة’، إلى المدينة التي تصير سِجنًا باستئصالها الأواصر المتَّصِّلَة بالطبيعة الحيَّة، وبتمزيق الروابط بين الفرد والجماعة كما في ‘مأساة العصر الجميل’ حتى تُصْبِحَ الشَّقة في العمارة أشبه بالزنزانة على حدِّ قول أحد شخوصها، إلى ‘قَدَرِ الغُرَفِ المـــُقْبِضَة’ على النَّفْسِ في ذات الرِّواية حاملة الاسم، الذي يتوازى مع وطأة السُّجون، أو ترتفع إلى قَهْرٍ كوني لا رادَ له ولا مهرب منه (بكلماته).وتأتي الدراسة الثانية عن ‘سرد الراويات’، وتسعى إلى استكشاف جانبٍ من جوانب المغامرة السَّردية، التي تتأسَّس عليها تجربة الكاتبات المصريات المعاصرات، [ميّ التلمساني، ميرال الطحاوي، أمينة زيدان، ونعمات البحيري] كنماذج دَالَّة على غيرها قابلة للاتفاق أو الاختلاف في المسعى، بما تستدعيه لديه (ولدينا كقرَّاء) من تساؤلات عن كونها فضاءً يَصْلُحُ لتمثيلِ الذَّات والعالم، الأنا والجماعة. أو من قبيل وجود اتصال أو انفصال بين تقنيات السِّيرة الذَّاتيَّة وجماليات الرِّواية.عبر استدعاءات لتجربةٍ قد تُعَبِّر عن عالمها الخاص (حالة أمينة زيدان)، أو حتى تسعى لاكتشاف التطوُّر الذي طرأَ على الذات والعالم بعكسه على الآخرين والمحيطين، وعلى المباني والشوارع، وعلى الأشياء أيضا (حالة ميّ التلمساني)، أو حتى التطرُّق لوضعية المرأة في مجتمعات أبوية (حالة ميرال الطحاوي)، أو حتى اقتناص تجربة مرض، وقدرة الذات السَّاردة في الالتفاف على الألم بكتابة بديلة تتجاوز الألم، إلى الأمل في اكتشاف العالم بمنظور جديد (حالة نعمات البحيري)، لينتهي عبر قراءته المتأنية باحثًا عن صوت الذات بوصفها راويًا، ومنها إلى رصد ملامح ‘ما’ من تجربة الرواية الجديدة، وإن كنا نرى من جانبنا أن إعلاء الذات الإنثوية بوصفها ساردًا ليس إلا إحدي محاولة (أو إذا شئنا الدقة حبائل) شقيقات شهرزاد في مناهضة ذكورية فجَّة، وردِّ نِصَالها التي طالما غرستها في أجسدهن.ومن تجربة الموت الخاصة لدى نعمات البحيري، يوسِّعُ دائرة ودلالة الموت في الدراسة الثالثة: ‘فجيعة الغياب، ألفة الغياب) عبر قرائته لروايات سبع، متباينة حسب صدورها، وأيضًا حسب تقنياتها، وعبر تمهيد (لم يشر إليه بنصه) يحدِّثنا عن الموت وتردداته وحضوره منذ الفراعنة الذين نظروا إلي الموت على أنه ‘ليس حدثًا تنتهي الحياة بانتهائه، بل كان المرء يواصل حياته منه’، والعجيب أن اقتران الموت وتردُّد طقوسه وشعائره المميِّزة له عبر الأزمنة، اقترن برغبة ظلت تناوئ الموت من حيث هو تلاشي وغياب نهائي، بل سعت إلى تَلَمُّس نَوعٍ من الألفة في تجربة مؤلمة على حد قوله، وهي النتيجة التي يصل إليها المؤلف بعد اخبتار الموت وتنويعاته في سياقات روائية مختلفة عن الموت، فقد يتحوَّل من قَدَرٍ غاشم يختبر الإنسان إلى حُكم أخلاقي على ما فعلت نفيسة كما في (بداية ونهاية)، أو إلى اعتبار الموت محض غياب جسدي أما الرُّوح فتعود إلى مصدرها كما في (التجليات)، إلى الموت عِقابًا وانتقامًا وثأرًا ثم خلاصًا على حُبٍّ أُهْدِرَ كما في (خالتي صفية والدير) إلى اعتبار الموت حافزًا للتشبُّث في البقاء كما في (يوميات امرأة مشعة)، إلى الموت كمصيرٍ مُرْتَقَب يدفعُ إلى أنشودة أخيرة لتهاوي الأحلامِ كما في (تغريدة البجعة)، إلى الموت باعتباره خيطًا للتواصل مع الرَّاحلين، وفي ذات الوقت بصيرة لاكتشاف عوالم الأحياء، كما في (شجرة أمي)، إلى الموت كقدرٍ مَنْذُور ووسيلة كشف للامبالاة العالم كما في (جروح الأصابع الطويلة)، وقد يتجاوز هذا كله إلى اكتشاف سُبُل وطرائق لاستئناس ذلك الموت، ولإقامة جسور ممتدة بين الأموات والأحياء، قطعها الموت قبلاً، فاستعادتها الكتابة لاحقًا.وانبثاقًا من الحالة الثورية التي اندلعت من ميدان التحرير، ومنها إلى ميادين مصر المختلفة يوم 28 يناير 2011، تأتي الدراسة الرابعة التي حَمَلَ الكتاب عنوانها (ميادين الغضب) لرصد كافة أشكال الموجات الثورية في الميادين، من خلال المتخيَّل الروائي، باعتبار الميدان أو (السَّاحة حسب مفهوم باختين القديم) يسمح ‘بتعرُّف أبعادٍ متنوِّعة تتصل بعوالم الشَّخصيات الروائية، وبالوقائع الكبرى، التي تنخرط فيها وبالأواصر التي تصلها أو لا تصلها بالآخرين من حولها، وبوعيها المديني، وبعلاقتها بالفضاء الأكبر المكاني أو الزمني أو المتخيّل المحيط بها ‘(ص 211). والأهم هو أن الميدان بما أنه يستطيع إعادة صياغة الشخص، ففيه تتحول الذات الفرد إلى جماعة، ومن جماعة صغير إلى حَشدٍ كبيرٍ غير محدود، ومن هذه الدائرة يتحوَّل الفعل الرتيب إلى احتجاج، يؤل إلى تحقيق مصير بديل عن غير الذي كان، وهو ما يخبتره عبر روايات نجيب محفوظ، وإدوار الخراط، وإبراهيم أصلان وغيرهم، والتي تتغيَّر فيها أسباب الغضب، وهو ما يشي بالتأكيد على توارث ميراث كبير من الظلم والقمع، لا فَرقَ بين حاكم أجنبي أو محلي أو حتى مُنْتَخَب، تساوى الجميع في استخدام الأدوات القمعية لفضِّ الاحتجاج، ومع الإفراط في القمع يرنو الحُلم وَسَطَ هُتَاف المحتشدين في الميادين الغاضبة، بأوطانٍ أكثر أمنًا، وحُكَّامٍ أقل قَهْرًا، وغدٍ أكثر حرية وحياة، وربما بعالمٍ أكثر نُبلاً، وما بين الحُلْم وتحقيقه تتسعُ الميادين (لا لتلك الرِّوايات التي اختارها حمودة) أو حتى الشُّهداء (ممن أهداهم الكتاب)، وإنما لهُتافات الغاضبين، وزمجرة المقهورين، التي تهزُّ العروشَ، وتُسْقطها، إنْ لم تستجبْ لصيحاتها وغَضْبَاتها، فهل يُعَيرُ أصحاب العروش (والكروش) آذنهم لتلك الزَّمجرات الهادرة، أو ننتظر أن يصبح المشهد قابلاً للتكرار ليس في الإسقاط وفقط، بل وكحكاية تسردها المرويات والسَّرديات، ظلَّ/ ظلَّت الميدان أو الميادين فيها البطل الأوحد والشَّاهد على قَمْعِ الحكُّام وهدير المحكومين وإنْ اختلف الزمن أو الأشخاص؟!qadqpt