كعب الأسد الذي انكشف أخيرا

حجم الخط
0

يُطلق مصطلح (همارتيا) اليوناني الأصل على السقطة الحتمية لأبطال الحروب بعد أن يتخلى القدر عن حمايتهم، فيرتكبون الخطأ القاتل الذي لا يمكن إصلاحه، ولا مناص – من ثم – من الهزيمة والسقوط، ويعتقد فلاسفة اليونان وعلى رأسهم أرسطو أن القدر لا الشجاعة، ولا الذكاء، هو من يحمي المحارب في المعركة، وأن القدر مثل حداد عظيم، باليد التي يصنع بها الدرع، يصنع السهم المسموم، وأن كل الظروف المحيطة به سواء أكانت معه أو عليه، سوف تأخذه إلى سقطته الحتمية وخطأه القاتل.وهذا التقديم مبعثه تصريح مدفيديف الأخير حول الأسد، إذ قال إن الأسد ارتكب خطأ فادحاً، قد يكون قاضياً، وفرص بقائه في السلطة تتضاءل، وهذا التصريح يوحي بطريقة أو بأخرى أن روسيا حامية الأسد ودرعه من السقوط في المراحل السابقة، ربما لم تعد قادرة على الحيلولة بينه وبين سقطته الحتمية، فماهو خطأ الأسد، الذي جعل الروس يصرحون هذا التصريح، على لسان رئيس وزرائهم هذه المرة، لا على لسان لافروف، أو نائبه بوغدانوف، ولكن ميدفيدف لم يقل ما هو خطأ الأسد الفادح واكتفى بالإشارة إليه، ويأتي تصريحه بعد تصريح الإبراهيمي الأخير الذي قال فيه: إما الحل وإما الجحيم، حينها تساءل السوريون أي جحيم ونحن نعيشه منذ أكثر من عامين، ويستفزُّ تصريح ميدفيدف – بالسياق ذاته – أسئلة السوريين مرة أخرى: أي خطأ لم يرتكبه الأسد، بعد عامين من الثورة، بدءاً باعتقال الأطفال، وانتهاء بقصف المدن بالطائرات. ولكن يبدو أن خطأ الأسد الذي عناه ميدفيدف، مثله مثل الجحيم الذي تحدث عنه الإبراهيمي، هو خطأ من نوع آخر، جديدٌ وغير مسبوق.لايهم روسيا مقتل عشرات من السوريين يومياً، بالطيران أو بالمدفعية، أو ذبحاً أو حرقاً في مقرات التعذيب، ولا يهمهم عملياً سقوط الأسد، إن كان هو ذاهب إليه بصورة حتمية، وهنا يبرز إلى السطح احتمالات عدة لهذا الخطأ، وقبل الدخول في تفصيل أبرز تلك الاحتمالات، يمكن الإشارة إلى أن موقف روسيا والفيتو التاريخي الذي عصم الأسد من قرارات مجلس الأمن طيلة عامين، نشاز في السياق الدبلوماسي، ولكنه ليس نشازاً في المصالح الإقليمية والدولية، فمن جهة تعتبر إسرائيل نظام الأسد عدواً تقليدياً، ولكنه جار ودود، ومأمون الجانب، وهو مشغول بقتل شعبه عن قتل شعبها، وحشد كل طاقاته العسكرية لعقود عدة لأجل المعركة المصيرية، ولكن مع الشعب لا مع العدو التاريخي، فقد يكون خطأ الأسد هو احتمال تضرر مصالح إسرائيل وتوازناتها وحدودها المزعومة، والآمنة مع سوريا. ومن جهة أخرى، فإنه من المعروف أن مصالح إسرائيل متفق على حمايتها بين الكبار، في مجلس الأمن، ولاسيما الروس والأمريكان وبأدوار متبادلة، فقد يكون هناك فيتو يحمي الأسد، وبالمقابل يريح الإسرائيليين من خلال الإبقاء على نظامه للأسباب سالفة الذكر.إن من أبرز احتمالات خطأ الأسد، هو سماحه، أو تلقيه لنصائح إيرانية، وربما أوامر، بنقل شيئاً من الترسانة العسكرية، ولاسيما الصواريخ، إلى حزب الله، وذلك كي لا تصل إليها أيدي الثوار، ولكن لم ينتبه الأسد إلى خطورة هذا الأمر، وفداحته، وتجاوزه لكل الخطوط الحمر التي طالما تحدث عنها الإسرائيليون، وقد يؤكّد هذا الاحتمال قيام إسرائيل بقصف مواقع على الحدود السورية اللبنانية، بالطيران، الأسبوع الفائت، وتذهب إحدى الروايات العديدة للاعتداء الإسرائيلي، على أنه استهدف قافلة أسلحة وصواريخ متطورة إلى حزب الله، فهل أدى ضغط المعارك المتواصل على الأسد في دمشق وريفها إلى أن يتصرف بمنطق عسكري ضيق، فينقل ما يمكن نقله من أسلحة إلى حزب الله، حليفه وحليف إيران، ولكن ليس بالضرورة حليف روسيا، التي لا يمكن أن يكون دعمها للأسد سبباً يقلق الإسرائيليين، ومن هنا جاء ذلك التصريح واضحاً وصريحاً، وكأنه يقول للأسد بلسان شعراء الأساطير: انكشف كعبك، ودقت ساعة الرحيل، وحان وقت السقوط.صلاح إبراهيم الحسن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية