مالك التريكيباستثناء تنظيم أول انتخابات حرة في تاريخ البلاد، لم تنجز النخبة السياسية التونسية منذ عامين شيئا. كانت الانتخابات الحرة مدعاة بادىء الأمر للاعتزاز والتفاؤل، ولكن هذا الإنجاز سرعان ما آل به الأمر إلى أن يبدو كما لو أنه طلل ناء يتيم وسط خلاء سياسي موحش. بل إن أدهى الدواهي المتكاثرة في تونس أن هذا الإنجاز سرعان ما انقلب من نعمة إلى نقمة. ذلك أن خصوصية هذه الانتخابات أنها قد منحت أكثرية الأصوات (وليس أغلبيتها) لحزب يوجد بين أنصاره شباب موقن مطلق اليقين أن الشرعية الانتخابية هي مفتاح كل باب وبلسم كل علة، من أحرزها فهو بالجدارة حقيق وبالحقيقة جدير، بل هو معصوم، طيلة الولاية الانتخابية، من الهوى. ‘الشرعية’ في عرف هؤلاء هي مبدأ الكون وسدرة المنتهى. هي تجلي الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه: لقد قال الشعب كلمته، وبما أن الشعب قال فلا وجه للسؤال. إذن فلتخلوا أيها الحاقدون بين النهضة وبين حكمها العادل الرشيد. لا تحشروا أنفسكم بين ظفر ‘الشرعية’ وبين لحم سلطتهاô الشرعية. انصرفوا في حال سبيلكم ثم اندبوا حظكم. أيها ‘العلمانيون’ المصوتون لأحزاب صفر فاصلô ‘أيها المارون بين الكلمات (والانتخابات) العابرة، احملوا أسماءكم (وشهداءكم) وانصرفوا’ من شرعيتنا.هذا هو المنطق، بل هذه هي العقيدة التي يتعامل بها بعض من أنصار النهضة مع كل من يطالب الحكومة الحالية بالتنحي. ولهذا فإن لهم على الفايسبوك صفحات كثيرة يحرضون فيها على القتل جهارا نهارا. فإذا أضيف إلى ذلك ما صار معتادا من جموع المتطرفين (غير النهضويين) الذين يمارسون العنف ضد الأبرياء من المواطنين والمثقفين والفنانين والصحافيين ويحرقون المصاحف (!) ومقامات الأولياء الصالحين، تبين أن هناك تحالفا موضوعيا بين المتشددين من أنصار النهضة وبين المتطرفين في صفوف ما يسمى، خطأ وظلما، بالسلفيين. تحالف موضوعي بين انكشارية النهضة وبلطجية الخوارج. ومأتى موضوعية التحالف أن العدو واحد: إنه المجتمع المدني المؤمن بالحريات والكافر بالإيديولوجيات.الآن بلغت هذه العداوة (الضاربة في سحيق ظلام الغريزة شبه العشائرية) ضد المجتمع الحر حد الدفع بتونس إلى شفا هاوية لا عهد لها بها: هاوية الاغتيالات السياسية. إذ لا يعني ‘انتظار نتائج التحقيق’ تعطيل حقيقة بديهية، وهي أن اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد صباح الأربعاء لا يمكن بأية حال أن يصدر، إيعازا وتدبيرا وتنفيذا، عن معارضين للسلطة أو مناهضين لإيديولوجيا الإسلام السياسي أو مناوئين لعقيدة الجهل الخوارجي. بل الأرجح من سياق الكراهية والبغضاء الذي تردت فيه البلاد (حيث أن أطرافا، منها رئيس الدولة وزعيم الحزب الجمهوري، كانوا قد نبهوا الشهيد أن حياته في خطر) أن حماة حمى الوضع السياسي الراهن من ‘غلاة الشرعية’ ومتطرفيها وانكشارييها هم الذين أزهقوا روح هذا المواطن المسلم الحر ويتموا بنتيه الصغيرتين. ولا يستبعد أن يكون القتلة قد ذهبوا فرحين راجين أن تحتسب هذه الجريمة النكراء في ميزان حسناتهم.تلك هي فاجعة تونس اليوم. أم زكية طيبة، ولكن وحشا خبيثا خرج من أحشائها، وها إنه قد أخذ في تقتيل أبنائها عسى الأم تتعظ وتثوب إلى رشد ‘الشرعية’ البائسة اليائسة. شرعية عابرة في ظلام عابر.qraqpt