رواية ‘بورتو سعيد’ للروائي سامح الجباس: عودة الروح الغائبة

حجم الخط
0

شوقي بدر يوسف’الإسكافي لا يرتفع فوق الحذاء’ غاستون باشلارتعتمد رواية ‘بورتو سعيد’ للروائي سامح الجباس والصادرة عن دار شرقيات 2011، على ثيمة المكان طبقا لما أردفته العتبة الأولى للنص وهو العنوان المستمدة رمزيتها من ميناء بورسعيد بمكانيته المتمحورة حول عدة شوارع وحارات منتخبة من دروب المدينة الباسلة صاحبة اليد الطولى في التاريخ الوطني المصري المعاصر في أيقونة ساردة لطبيعة ما حدث وما يحدث في هذا المكان من أمور وأحوال إنسانية وغير إنسانية كاشفة تبدأ منذ العدوان الثلاثي على منطقة القناة كما تعتمد أيضا المادة الوثائقية المختارة بعناية فائقة في بلورة تاريخ المدينة ورفد حالة من الحضور الإنساني للمكان بتفاعله مع أزمنة تراثية قديمة وأزمنة أخرى آنية حاضرة فيه بكل قوة من خلال دينامية الخيال واستعادة تجربة المكان الأليف، وأيضا من خلال أنسنة الأشياء الكاشفة عن طبيعة هذا المكان والمجسدة لروح البيئة الساحلية البورسعيدية في تجليات إرثها وطبيعة تشكلها وتمردها المستمر على واقعها المستهدف بصفة دائمة، كذلك الاحتفاء بالتاريخ الاجتماعي والوطني للمدينة من خلال شخصيات فاعلة انتخبها الكاتب حسب طبيعة المكان وجغرافيته المألوفة وسيرنة البعد الذاتي عنده باعتبار أن هذا المكان هو مسقط رأس الكاتب والعائش فيه حقيقته الاجتماعية والمهنية والذاتية الحاكمة، كما أنه احتفى أيضا بأسطرة بعّدى المكان والزمان في شكل سردي تجريبي يتقاطع مع مقاطع ومتواليات نصية تفضي إلى أخبار محددة منتقاة من الوثائق الصحفية والتراثية القديمة والحديثة استخدمها في ربط الأحداث واختيار أهمية موقعها في تاريخ وترميز روح المكان من خلال التركيز على بعض شوارع المدينة وحاراتها التي أختار منها الكاتب سبعة عشر شارعا وحارة رفد في كل منها ثيمة خاصة بها بدءا من ‘شارع كسرى’، وانتهاء ‘بشارع الأزهر’ مرورا بهذه الأماكن البورسعيدية المألوفة ‘حارة العباني’، ‘شارع عدلي’، ‘شارع مظلوم’، ‘شارع شهداء القنال’، ‘شارع أبو الحسن’، ‘حار الأصمعي’، ‘شارع الشهيد محمد عطعوط’، ‘شارع الشهيد محمد طرفان خميس’، ‘شارع الشهيد طيار رفعت البري’، ‘شارع الثلاثيني’، ‘شارع محمد صالح حرب’، ‘حارة دسوقي’، ‘شارع المقدس’،’شارع رمسيس’، ‘شارع محمد علي’، حيث يتواصل السرد مع المكان البورسعيدي على إطلاقه في متواليات نصية تحكى وتسرد أحوال المدينة العظيمة الباسلة من خلال هذه الشوارع، وتختار من بعدي الزمان والمكان أحداثه البارزة سواء أكانت تراثية قديمة أم معاصرة في ثوبها القومي والوطني والاجتماعي، ولعل المكان بأبعاده الجغرافية والإنسانية وشخوصه المنتخبة من الواقعي والمتخيل انطلق من هذه الأماكن التي انتخبها الكاتب من أركان المدينة ليجسد وقائع إنسانية عاشتها شخوص وأشياء محددة تفاعل معها تاريخ المكان وأبرز حولياته لتتزامن مع ما يحدث الآن من أحوال تخص المكان والزمان في أحداثه الآنية في ترميز فاعل يسرد ويتحدث عن أماكن بعينها تعيش حتى الآن ولكنها تحكى الماضي القريب، ولعل هذا السرد قد جاء في هذا الوقت بالذات ليعيد صياغة الرمز الباقي من المكان والمتفاعل مع تحولات الأحداث التي مرت بها المدينة في أزمنتها المختلفة. يستخدم الكاتب في صدر كل مكان وشارع مقاطع تراثية لتوصيل المعني وتأويل الدلالة بخيط رفيع يتقابل من قريب أو بعيد مع أحداث النص، والمدينة في تكوينها الأصيل كانت حاضرة بقوة حسبما جاء في المقطع الأول من الشارع الأول من النص وهو ‘شارع كسرى’ حيث يبدأ الكاتب بهذا المقطع التراثي المستمد من خطط المقريزي’.. بناها قليمون بن أتريب بن قبطيم وسميّت تنيس نسبة إلى تنيس بن حام بن نوح…’ (خطط المقريزي)، وتبدأ الأحداث في المتوالية الأولى ببرقية تصل الراوي المتحدث عن نفسه تقول :’ البقاء لله. توفى إلى رحمة الله فريد عارف الشهير بفريد شوقي’ وتعود الذاكرة إلى الثامن من يوليو عام 1957 سينما ريفولي بالقاهرة حيث يجلس فريد هذا خلف شباك التذاكر، وهو من يرسل إلى الراوي هو وزميله منير فلتاؤوس موظف شباك سينما ديانا عام 1956 برقيات تعرفّه بالأفلام المعروضة في سينمات القاهرة الشهيرة حتى يحضر من بور سعيد خصيصا لمشاهدتها، تعود الذاكرة إلى هذا الزمان الصعب أثناء العدوان الثلاثي على مصر، بينما يتقاطع السرد بأخبار صحف عام 1956 أثناء القتال في بورسعيد نأخذ منها هذا الخبر المنشور في جريدة الجمهورية يوم الخميس الثامن من نوفمبر 1956 :’القتال مستمر في بور سعيد، صّرح السيد عبد القادر حاتم مدير عام مصلحة الاستعلامات في الساعة التاسعة من مساء أمس بأن القتال لا زال مستمرا في مدينة بور سعيد وأن المعتدين قطعوا المياه عن المدينة بعد أن فشلوا في احتلالها’. السارد ينادي على من رحلوا من المدينة أصدقاء الزمن الجميل، وشهداء المدينة الباسلة، وهم شخصيات حقيقة عاشت في هذا المكان واستشهدوا على أرضه ‘سيد عسران’، ‘حسين عثمان’، ‘على زنجير’، ‘أحمد هلال’، ‘محمود عطعوط’، ‘لطيف مرقص’، ‘نبيل الوقاد’، ‘أم علي’، ‘زينب كفراوي’، ‘أمينة غريب’، أسماء كثيرة لا حصر لها كانت تعيش المدينة بكل عنفوانها وسطوتها، ولكنها غابت عن المكان بفعل الاعتداء الثلاثي الغاشم على المدينة، ويتخلل السرد مقطع صحفي نشر بجريدة الجمهورية يوم الأثنين 17 ديسمبر1956 يقول: ‘اشتباكات عنيفة في بور سعيد، ‘ستوكويل’ يعلن أن الأهالي صرعوا ضابطا وجرحوا بعض الجنود، الباقوري يخطب الجمعة في بورسعيد، اعتقال 1000 مصري’. وخبر نمطي آخر يقول :’بحثت أمس الخطوات التمهيدية لمشروع صناعة التليفونات بمصر’، يستخدم الكاتب أسطورة جزيرة الفرما القديمة التي تظهر فقط في الليالي القمرية، ويظهر فيها الموتى وهم يعبرون الشوارع متجهين إلى البحر ليشاهدوا هذه الجزيرة الأسطورية التي كانت من معالم المدينة في الزمن القديم ثم اندثرت ضمن ما اندثر من معالم في محاولة لأسطرة المكان وبث روح الميثولوجيا القديمة المستمدة من غرائبية المشهد وروح جزيرة الفرما المتأصلة في ذات المنطقة. وفي متوالية ‘حارة العباني’ وهو المكان الثاني في سلسلة الأماكن البورسعيدية المحتفى بها في هذا النص، في هذه الحارة يستدعي السارد ثلاث شباب من شباب الحارة ليتحدثوا عن مباراة كرة تقام بين بور سعيد مع الزمالك يتخلل هذا الحديث، مونولوج داخلي لأحد هؤلاء الشباب يقول فيه :’ ثلاث سنوات مرت منذ تخرجت يا عمر من كلية الهندسة ببورفؤاد. حاولت أن تعمل في أي من شركات المقاولات الخاصة، إلا أنك لم تجد الواسطة المناسبة، في كل عام تقول لنا الحكومة ‘مفيش فلوس.. مفيش تعيينات’ ويهاجموننا في برامج التليفزيون ‘أنا مش عارف أيه الشباب الخرع اللي قاعد يقول أنا مستني تعيين الحكومة’. ويتخلل النص ما يجري على صعيد التجارة الحرة في المدينة من تهريب للملابس المستوردة والمخدرات في منطقة الجرابعة، حيث تصب الأموال في جيوب تجار معدودين، وانتشار تهريب ذريعة السمك في منطقة المناصرة واستخدام سيارات ربع النقل التي تقل الممنوعات بين الجمرك ودمياط بكثرة، ويتخلل النص وثيقة تتعامل مع زمن هذا الوقت من خلال خبر نشر يوم الخميس 13 مارس 1958 في جريدة الأخبار عن مطبوعات كتابي التي كان يصدرها حلمي سلام في ذلك الوقت مفاده :’ مطبوعات كتابي تقدم لك اليوم مع باعة الصحف أول ترجمة عربية للكتاب المشهور الذي قرأه العالم بكل لغة ‘ليالي بلزاك’ (قصص ماجنة)، أصرح من ‘ليالي بوكاشيو’ الإيطالية الديكاميرون، وأجرأ من ألف ليلة وليلة العربية، 200 صفحة مزينة بالصور- الثمن 10 قروش فقط’. وتنتقل الأحداث في إيقاعها السريع إلى نص ‘شارع محمد علي’ حيث يحتفي الكاتب بتقنية الأنسنة في مونولوج داخلي جاء على لسان ‘نجمة البحر’ المعلقة على باب أحد العمارات ويبدأ النص بهذه الوثيقة النصية المستمدة من العدد الحادي عشر من مجلة الهلال الصادر في شهر يوليو 1893 والذي يقول: ‘يسافر جناب اللورد كرومر من القاهرة في 3 يوليو الجاري، وفي غده يغادر الإسكندرية لتبديل الهواء في أوربا’، ثم يبدأ النص بحديث النجمة التي علقها صاحب إحدى العمارات في بور سعيد على باب عمارته وهو العائد توا من التهجير وكله تفاؤل وأحلام بحياة جديدة، تيمنا ببحر بور سعيد وما يخرجه من خير وثراء، تقول النجمة :’ جففت السنوات أحشائي حتى صرت أنشف من الخشب. لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي فارقت فيه عالمي في البحر إلى عالم الناس. نقلني صياد اسمه منصور إلى طاولت سمك، رآني صاحبي فأعجبه لوني الأحمر’. (ص90) وتشاهد نجمة البحر ما يحدث أمامها من أحداث مأسوية تطال شخصيات البيت المعلقة على بابه، وبعد أن كانت حديث أهل العمارة والتفاؤل المحيط بالمكان أصبحت ترى وجها جديدا للمكان والزمان: ‘جاء بشر من كل مكان، أسمعهم يتكلمون عن التهريب من منفذ اللنش ومنفذ دمياط.. ستات بجلابيب سوداء، ورجال ذو سحنات غير مريحة. لا أحد عاد يذكرني أو يراني.. اشتقت إلى الماء كثيرا. ليتني أموت (ص91). وتشاهد النجمة من مكانها مشاهد غير مألوفة لتأزمات الواقع وفساد الذمم والضمائر تركها المستعمر وعلى رأسهم اللورد كرومر الذي كان يوما ما يذهب إلى أوربا ليغير الهواء. وفي نص ‘شارع الشهيد محمد عطعوط’ وهو نص شبه سيرّى يعتمد المذكرات الذاتية لأحد المسئولين عن المدينة أثناء العدوان الثلاثي ويبدأ النص بهذه العبارة النصية المستمدة من كتاب خطط المقريزي: ‘كانت الفرما على شط بحر تنيس وكانت مدينة حصينة وبها قبر الحكيم جالينوس وبنى بها المتوكل على الله حصنا على البحر..’ (ص50) بعد ذلك تبدأ اليوميات التي كتبها السيد محمد رياض محافظ منطقة القنال أيام العدوان الثلاثي على منطقة القنال ابتداء من يوم 30 أكتوبر 1956 حين بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية تقوم بغاراتها الجوية العنيفة على المدينة، ومن خلال هذه الحوليات اليومية يذكر السيد المحافظ الروح القتالية العالية التي كانت تتمتع بها بورسعيد ومنطقة القناة بأكملها، والدور المجيد التي قامت به المقاومة الأرضية للمدفعية المصرية ضد طائرات العدو وأثناء ونزول جنود المظلات في بورفؤاد والرسوة ومطار الجميل واشتباك الأهالي والشرطة وجنود الجيش معهم وتتوالى يوميات المدينة خلال هذه الفترة عبر هذا الشارع الذي سقط فيه الشهيد محمد عطعوط ومن ثم سمى باسمه بعد ذلك وتتوقف المذكرات في يوم 22 ديسمبر وهو اليوم الذي انسحبت فيه القوات الغازية وختم فيه السيد المحافظ يومياته بمقتطف مما كتبه في هذا اليوم حيث قال: ‘أخطرني الجنرال بحضور الكولونيل ‘إنجلهم’ قائد القوات الدولية في بورسعيد أن الانسحاب يتم اليوم وطلب أن يبلغه هل لا يزال ‘مورهاوس’ على قيد الحياة أم أنه قد مات ثم قال الجنرال ‘استوكويل’ موجها حديثه إلى قائد القوات الدولية: ‘ أود أن أبلغ القوات الدولية للأمم المتحدة أن محافظ القنال قد واجه الموقف بشجاعة وكفاءة وأن المقاومة السلبية قد نجحت نجاحا كاملا فلم تقدم لنا أية مساعدة من أي جهة’. (ص60) تستكمل هذه المتوالية ما أشار إليه الكاتب من بيانات تحدد مساحة القوة العسكرية الغاشمة التي بدأ بها العدو قتاله على مدن القناة والتي جاءت في متوالية ‘حارة العباني’ أثناء عدوان 1956، وهي القوات التي كانت إمرة الجنرال سير تشارلز كيتلي ونائبه جنرال سير هيو أستوكويل بعددها وعتادها وأسراب طائراتها وبوارجها ومدمراتها. وفي متوالية ‘شارع الشهيد عريف محمد طرفان خميس’ تبدأ المتوالية بهذه الوثيقة السردية التراثية المستمدة من كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي: ‘قال أهل السيّر: كان الفرما والأسكندر أخوين بني كل واحد منهما مدينة، فقال الأسكندر: بنيت مدينة إلى الله خضرة وعند الناس فقيرة فبقيت بهجتها ونضرتها إلى اليوم. وقال أخوه الفرما: بنيت مدينة إلى الناس فقيرة وغنية عند الله، فلا يمر يوم إلا وفيها شئ ينهدم حتى أنه في زمننا هذا لا يعرف أحد أثر بنائها لأنها خربت وسفت عليها الرمال…’ (ص61)، ثم يمتزج هذا المنولوج الداخلي للريس منصور إحد صيادي بورسعيد الشرفاء، عن واقع الحالة التي يعيشها في هذا الزمن ما بين الغلاء وبنته التي بدأت تكبر والرزق الذي أصبح شحيحا، حينما بدأت كلمة التهجير تفرض نفسها على سكان المدينة بعد عدوان 67، يذهب الريس منصور إلى الإسكندريةـ تتخلل هذه الهواجس ما تقوله الصحف في ذلك الوقت: ‘قدركم أن تعيشوا في بوابة مصر الشرقية. وطأتها خيول عمرو بن العاص حاملة الإسلام إلى مصر. هي مفتاح القنال. لعاب دول العالم يسيل عليها، من حرب إلى حرب إلى حرب تولدون محاربين، من دفنوا في ترابها منذ عهد ديلسبس أكثر مما يعيشون على أرضها الآن، تضربونها بمدافعكم وصواريخكم، وقنابلكم ولا تموت. تجرح ولا تموت، ترتشف ترياق الانتصار وتنهض من جديد، ترسم عيونها بالكحل، وتحدد شفتيها بالقلم، وتنثر البودرة المعطرة على جوارحها، وتمشط شعرها المصبوغ بلون البحر وتبدأ من جديد’. (ص66)تتواتر حكايات الشوارع والحارات في المدينة لتؤثث في النهاية هذا النص السردي الحكائي الذي يعتمد المكان والتاريخ الاجتماعي والسياسي له كما يعتمد أسطرة لكثير من أدوات القص والحكي في رفد هذه الرواية التجريبية ذات الخصوصية في التناول والكتابة، وتعود الروح الغائبة مرة أخرى إلى الفرما لتؤسس من جديد بورتو سعيد المدينة التي ولدت لتعيش وعاشت لتولد كل مرة من جديد.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية