د. علي الص
كرأما الجمجمة التي أعنيها فهي جمجمة ملالا الفتاة الباكستانية ذات الخمسة عشر ربيعا التي أطلق عليها (المجاهدون) النار على رأسها تحديدا لأنها ناشطة في حملة تطالب بتعليم الفتيات وتدعوهن إلى التحرر من الجهل والتي أجرى لها الأطباء (من الكفرة الفجرة) في لندن مؤخرا جراحة ناجحة لترميم جمجمتها المتهشمة. وأما المخطوطات فهي مخطوطات تمبكتو الأثرية النفيسة وكتبها في الفلسفة والفلك والقانون والتاريخ والتي تعود الى القرنين الخامس عشر والسادس عشر والتي تقدر بالآلاف والتي أحرقها (المجاهدون أيضا) قبل رحيلهم من المدينة- لدى اقتراب الجيش الفرنسي والقوات المالية منها. قرأت عن تمبكتو التي تقع شمال مالي، يسميها المؤرخون والرحالة جوهرة الصحراء الكبرى وبوابة أفريقيا. ملتقى الثقافات والحضارات مر بها حسن الوزان (ليون الأفريقي). وسبب وجود العرب والطوارق فيها كأغلبية هو أنهم نزحوا إليها بعد سقوط الدولة العربية الإسلامية في الأندلس وقامت وازدهرت بها سلطنات إسلامية قبل دخول الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر. ولكن هل هي صدفة محض أن يأتي الخبران خبر المخطوطات وجمجمة ملالا معا الواحد تلو الآخر في نفس النشرة الخبارية أم أنه بفعل خبث ودهاء محرر النشرة؟. أخواننا (المجاهدون) يبلون البلاء الحسن في أفريقيا ويقدمون يوما بعد يوم أبلغ وأوضح الرسائل الجهاديةمما أدى الى نفاد صبر الرئيس الفرنسي فذهب الى مالي بنفسه ووزرائه بعد أن أرسل صفوة جيشه. والعجب كل العجب لمن لا يفهم هذه الرسائل ويضيع وقته ووقت المشاهدين والقراء في مناظرات تلفزيونية محتدمة وأعمدة صحفية ملتهبة لبحث وتفسير وقراءة الخطاب الجهادي. بل أن العجب الأعجب لمن لا يزال يتردد عن النصرة وتقديم ما استطاع من قوة ومن رباط الخيل ليرهبوا به عدو الله وعدوهم. قرأت أيضا أن هناك لافتة في مدخل المدينة كتب عليها الرقم 333 الى جانب اسم المدينة. يشير العدد الى مقامات الأولياء الصالحين المدفونين في المدينة التاريخية من الأدارسة والسعديين الهاشميين قام المجاهدون بشطب العدد باللون الأسود مثل ما دمروا ما تيسر لهم من هذه المقامات. هل من أبلغ وأوضح من هذا الخطاب المتكرر. يبدو أنهم نفس المجاهدين او بعض أخوانهم في الله الذين هدموا أضرحة الأولياء في ليبيا مثلما فجر أخوة لهم ضريح الإمامين العسكريين في سامراء العراق عام 2006 فأوقدوا نارا للفتنة لم تنطفئ بعد. وكذلك إطلاق الرصاص على رأس الفتاة الباكستانية الداعية الى تعليم بنات جنسها يصدر لا شك – عن نفس العقلية الملهمة التي هاجمت وحرمت مقاهي الانترنت في مدن غرب العراق آنذاك وقتلت الحلاقين الذين يحلقون لحى زبائنهم. (قال الشهود أنهم كانوا يمنعون بيع السجائر ومساحيق الزينة وأجهزة الراديو والتلفزيون في أسواق تمبكتو وأن المفتش سجن امرأة كانت تنشر الغسيل حاسرة الرأس). ومن الواضح جدا أن استهداف رؤوس البشر بالرصاص أحد أهم الثوابت في العقيدة الجهادية المظفرة وإذا قيل سابقا ‘ لا ينبئك مثل خبير فليس هنالك على وجه البسيطة من هو أخبر منا أعني العراقيين بالرؤوس المثقوبة والمجزوزة منها على السواء. فقد حصدت (الغزوات المظفرة) الآلاف من (رؤوس الشرك) في العراق ولا تزال تحصد لحد اللحظة رؤوس الضلالة والشرك هذه اقتلعت وهي تتسوق الخضار في سوق شعبي مكتظ أو ترتشف (استكان) شاي ساخن في مقهى رصيف شعبي هو الآخر وهي تتجاذب أطراف الحديث بينما الأصابع تداعب بوداعة حبات المسبحة أو بينما كانت تبسمل عند الفجر في (مسطر العمالة) وهي تنتظر أرزاقها لتعود آخر النهار المضني بـ (حق القدر) للعيال أو وهي تكبر تكرارا في صلاة عيد أو في (كراجات) النقل العام المكتظة بينما هي ذاهبة إلى مدرسة أو جامعة أو مصلحة حكومية. أو في مجلس عزاء تقرأ الفاتحة على فقيد ما فإذا هي تلحق به أفواجا أو… أو… أو…. ليس بسيوف قاطعة فحسب بل بسيارات (استشهادية) مفخخة بحنكة وحرفية أو بعبوات لاصقة مزروعة بإحكام دقيق أو بمسدسات صغيرة كاتمة وذلك أضعف الأيمان!
فرؤوس العراقيين نالت حظها وكذلك نال أولياؤنا ورموزنا حظهم من (التكريم) قبل ملالا وأحرقت مدننا البهية المفعمة بالحياة فأصبحت وأمست وما برحت أطلالا قبل تمبكتو بوقت طويل. كاتب عراقي مقيم في اليمن[email protected]