عزيز الناصري: المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي امتداد عابر للتاريخ والجغرافيا

حجم الخط
0

في مدينة زاكورة التي تجمع بين الصحراء والواحاتالرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من المصطفى الصوفي: تستضيف مدينة زاكورة، من 29 إلى 31 مارس المقبل، فعاليات الدورة الثانية للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي، وذلك بمشاركة عدد من الدول العربية والأجنبية.

وخصصت لجنة التنظيم بالمناسبة العديد من الفقرات الخصبة، من أجل خلق مزيد من الدينامية والإشعاع الفني والثقافي للمدينة والمنطقة، وسيتم بالمناسبة تنظيم ندوة فكرية، في موضوع المرأة والفيلم الوثائقي، والتي تهدف إلى طرح مجموعة من الأسئلة حول طبيعة وتمثلات وقضايا وكيفية حضور وتناول المرأة في الفيلم الوثائقي.

وستكرم الدورة المخرجة المصرية شيرين غيته التي تترأس لجنة التحكيم، فضلا عن الدكتور لحبيب ناصري ناقد وباحث جامعي رئيس المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي، ومحمد محمد علي الهلالي من مؤسسي المهرجان الدولي للفيلم عبر الصحراء بزاكورة.

وتتكون لجنة تحكيم الدورة التي تحضرها مصر كضيف شرف، من المخرجة شيرين غيته، وتضم في عضويتها، كل من المخرج الفلسطيني فايق جرادة، والنقاد والباحثين المغاربة الدكتور بوشعيب المسعودي، ومصطفى طالب، إضافة الى الدكتور الحبيب ناصري رئيس المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة. وستمنح هذه اللجنة الجائزة الكبرى التي سيطلق عليها اسم جائزة (زاكورة للفيلم الوثائقي)، وجائزة لجنة التحكيم وجائزة الإخراج.

كما ان لجنة النقد، والتي ستمنح جائزة النقد لأحسن فيلم، فتضم الناقدين السينمائيين حسني مبارك، وحسن وهبي، والدكتور عبد الله الشيخ… في هذا السياق ومن اجل مزيد من الضوء عن الدورة، التقينا مدير المهرجان عزيز الناصري فكان هذا الحوار…- كيف تجري الاستعدادات لاستقبال ضيوف الدورة الثانية للمهرجان؟- كانت الاستعدادات ولا تزال تجري على قدم وساق، حتى يكون استقبال الضيوف وإقامتهم في أحسن الظروف، والتي تنسجم وكرم الضيافة الذي يعرف به الجنوب المغربي وزاكورة على وجه الخصوص. فقد تم إرسال دعوات رسمية للضيوف والمكرمين، وتلقينا تجاوبا وتفاعلا منهم جميعا، ولا ننسى الدور الأساسي للصحافة في التعريف بالمهرجان وتتبع مختلف مراحل الإعداد له، وهذه مناسبة لتقديم الشكر الجزيل للصحفيين المغاربة.- ما الذي يميز الدورة الجديدة عن سابقتها، من حيث أفلام المسابقة الرسمية، وفقرات المهرجان ككل وضيوفه؟- ما يميز هذه الدورة، هو إحداث مسابقة رسمية للأفلام الوثائقية، ستتوج بجائزة كبرى اطلقنا عليها اسم ‘جائزة زاكورة للفيلم الوثائقي’، علاوة على جائزة النقد والتحكيم والإخراج والجمهور. بالإضافة إلى ذلك سيتم تنظيم ورشات لفائدة تلامذة الثانويات تماشيا مع البرنامج التكويني السنوي للجمعية، والذي يرمي إلى تحسيس الشباب بأهمية السينما عموما، والوثائقي تخصيصا أملا في تمكينهم من آليات التفاعل مع الثقافة السينمائية، ولما لا خوض غمار الدراسة في إحدى المعاهد المتخصصة في السينما. أما الضيوف فقد حرصنا على أن يكونوا متميزين ومن مختلف المشارب الفكرية والإبداعية.- لماذا اختيار شعار المرأة والفيلم الوثائقي، خلال الدورة الجديدة، ما المغزى من ذلك؟

ج – كانت ولا تزال وضعية المرأة ومشاركتها وولوجها لميادين صنع الحدث، مؤشرا بارزا لمصداقية أي مجتمع يدعي اكتسابه آليات التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحقوقي. وحيث أن التوثيق هو حفظ للذاكرة الجماعية كما هو قذف للماضي أو الحاضر في المستقبل من اجل استخلاص الدروس والعبر الإنسانية بأشكالها، فان دور المرأة في كل هذا لا يمكن أن ينكره إلا جاهل لدينامية التاريخ الإنساني، وعليه جاء إيماننا القوي بدور المرأة الفعال كحامل للذاكرة وكممارس في الفعل السينمائي والوثائقي إما ككاتبة مبدعة أو منتجة أو مخرجة أو ممثلة أو تقنية أو مشاهدة. فاختيارنا لتيمة المرأة والفيلم الوثائقي ليس من قبيل الترف بل هو اختيار تحكمه الضرورة والعرفان.

س ـ أتشاطرني الرأي في كون اخيتار مصر ضيف شرف الدورة ستعطي لهذه الأخيرة قيمة رمزية كبيرة وذلك بالنظر الى التجربة السينمائية المصرية، وتاريخها السينمائي العريق على المستويين العربي والدولي؟.

نعم أشاطرك الرأي في أن اختيار مصر الشقيقة كضيف شرف لهذه الدورة يأتي نظرا للتجربة السينمائية الكبيرة والتاريخ السينمائي العريق والدور المهم لمصر عربيا ودوليا، كما أن المخاض الذي تعرفه مصر متأكدون نحن انه سينجم عنه ميلاد مصر قوية خصوصا على مستوى الإبداع الفني والجمالي عموما والسينمائي والوثائقي تحديدا، هذا المخاض يشبه إلى حد ما المخاض الذي تعيشه صناعة الفيلم الوثائقي في بلادنا في الوقت الراهن، ولعل هذا ما يدعونا جميعا إلى الاطلاع على تجارب الآخرين والانكباب على حوار هادئ يحدد معالم صناعة سينمائية و وثائقية وطنية تكون بوابة نحو ميلاد دينامية ثقافية بديلة للاستهلاك والتقمص ويكون عنوانها الإبداع والجودة والاستحقاق.

س ـ هل تعتقد معي أن الدورة قد تكون دورة النضج الأولي لترسيخ قواعد مهرجان دولي يكرم السينما الوثائقية على المستوى الدولي؟

ج – إن أي مهرجان هو بالأساس محفل ثقافي وفني له نبضه الخاص وشخصيته الخاصة والمستقلة، إن اقتضى الحال عن الأفراد لكن المنحازة للأمكنة والأفكار وللمبادئ المؤسسة، وهو بذلك شعور جماعي، يشارك في تأسيسه كل من له صلة به من منظمين وداعمين ومخرجين ومنتجين وكتاب ونقاد وصحفيين وجمهور منفعل ومتفاعل. فان توفرت العلاقة التشاركية لعناصر الفسيفساء هذه صارت اللوحة مكتملة جميلة وبالتالي ناضجة.

فحرصنا في جمعيتنا على العمل الجاد التشاركي والتشاوري سواء في مراحل التخطيط والإعداد والتنفيذ والتقييم، وكذا إنصاتنا لنبض الناس وتطلعاتهم، هي فلسفتنا التي نأمل منها وضع أسس مهرجان الممكن المتميز، مهرجان كبير لمدينة صغيرة لكن حالمة.

هل ترى معي أن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة ستسمو بالفيلم الوثائقي دوليا وذلك من خلال اختيار الأجود والرائع والمبدع؟.- ان لجنة تحكيم هذه الدورة اختيرت بحرفية وبتميز جاءا معا كثمرة لعملية تشاور مكثف، فأعضاء لجنة التحكيم يتميزون بثقافة سينمائية أكاديمية بالإضافة إلى تجارب متنوعة، والهدف من كل هذا هو السمو بالفيلم الوثائقي من خلال اختيار الأجود. بالإضافة إلى إحياء نقاشات يكون لها دور في الدفع بعجلة الإنتاج الوثائقي وطنيا.

ـ ما هي ابرز الفقرات الموازية للمهرجان والتي تراهن على خلق فرجة حقيقة للتظاهرة الدولية وإعطاء المدينة دفعة حقيقية على المستوى الثقافي؟.- علاوة على عرض أفلام المسابقة الرسمية وأفلام البانوراما، فان ابرز الفقرات الموازية لفعاليات المهرجان تتمثل في الندوة الرئيسية: ‘المرأة والفيلم الوثائقي’ بالإضافة لثلاث ورشات يؤطرها متخصصون ويستفيد منها شباب المدينة وتحديدا تلامذة الثانوي، بالإضافة إلى خرجات تواصلية واستكشافية للمنطقة، فضلا عن زيارة المكتبة الناصرية بتامكروت ومتحف محلي وبعض المآثر التاريخية.

ـ هل استطاع المهرجان ان يحقق ذاته من الناحية المادية، أم انه ما يزال يحتاج الى دعم مختلف الجهات المعنية من اجل ترسيخ قيمة مهرجان دولي، يكون من بين مراميه خلق مزيد من الحوار والتواصل والمحبة الكونية عبر الفرجة السينمائية؟- إن مهرجان الفيلم الوثائقي، احتفاء بالصورة في أبهى تجلياتها، هو بالأساس مهرجان ذو طابع خاص، إذ يستمد خصوصيته من طبيعة الفيلم الوثائقي الذي لم يجد له بعد ذلك الحيز الذي يستحقه في الثقافة المغربية، وخير دليل على ذلك أن المؤسسات التعليمية لازالت تتجاهل أهميته في معالجة المعلومات مع العلم مثلا أن العلوم المعرفية تتحدث عن أن الإنسان يدرك بالإبصار حوالي 80% من البيئة المحيطة به في الوقت الذي نجد فيه مدارسنا لازالت تعتمد الإلقاء والتسميع، وبالتالي لا تساهم كفاية من موقعها في التأسيس لثقافة الصورة والنقد والانفتاح والتعاطي مع الأفلام الوثائقية لدى شريحة كبيرة من الشباب المغربي، وبناء عليه فان القطاع الخاص لازال مترددا في دعم مهرجانات على هذه الشاكلة، في الوقت الذي نراه متهافتا على دعم المهرجانات الغنائية والتي تستقطب حشودا كبيرة، غير أن هذا لا يمنع من الإشادة بدعم الجهات الرسمية رغم محدوديته. ولا ننسى أن نشير هنا إلى التفاؤل الذي عمنا لحظة معرفتنا بصدور القانون المنظم لدعم المهرجانات والذي نعلق عليه أمالا كبيرة لخلق دينامية داخل المهرجانات من خلال دعمها ماديا ومعنويا. ـ ما الذي يميز مهرجان زاكورة ضمن مهرجانات عدة عربية ودولية تختار السينما الوثائقية كتيمة لها؟.- ما يميز مهرجان زاكورة هو رغبة الناس ومعهم المنظمين في جعله محفلا فكريا تفاعليا قبل أي شيء.

إن زاكورة المدينة الهادئة المستلقية على ضفاف الصحراء حيث الفضاء الأنسب لسكينة النفس ومعها الجسد، كانت لعهود طويلة إحدى محطات القوافل المتنقلة عبر الزمان والمكان ما بين إفريقيا الجنوب وأوربا الشمال، فمثلت بحق محطة تستريح فيها القوافل لتلتقط أنفاسها وتجدد قواها في رحلة البحث عن الأمل والتواصل بين الحضارات والثقافات، فكان الناس يرتحلون ومعهم الحكايات المتخمة بالتجارب والخيال في قوالب شفوية تجدد التواصل والارتباط بين البشر لتمدد معنى الإنسان إلى أطراف العالم، وان صارت الصورة اليوم بما تحمله من معاني و ألوان تيمة زماننا، فالواجب فينا وعلينا أن نتشبع بلغتها المباشرة منها والرمزية، علنا نخطو خطوات واثقة نحو المستقبل، مستقبل لن يكون فيه حضور أو دور إلا لمن يتقن فن الصورة وصناعتها.

وما نبتغيه من مهرجان زاكورة هو أن نحيي به هذا الإحساس بالامتداد والتواصل البين ثقافيا والعابر للتاريخ والجغرافيا. علنا بذلك نقف وقفة تأمل في المنجز من الأعمال الوثائقية الوطنية والعربية والدولية عبر النقد والحوار أملا في تحسين وتطوير آليات التقاط المتميز منها وتكريمه عرفانا للجهد وتشجيعا للمبادرة.

مهرجاننا نريده متميزا من خلال انتحاله لشخصية الجنوب المغربي الضارب في البساطة والحكمة والوجاهة، بساطة الكلمة وحكمة الصورة ووجاهة النقد.

ـ ما هي حدود إعطاء دينامية موازية للسياحة بالمدينة والمنطقة الجنوبية برمتها ضمن فعاليات المهرجان؟- إن مهرجاننا فرصة ثمينة لزيارة مدينة جنوبية تجمع بين الصحراء والواحات والقصبات في انسجام مع تقاليد الجنوب البسيطة، مدينة لم ينزع عنها الاسمنت وضجيج الحياة ما علق بها من جمال’وهدوء وأمن.

إلى جانب مهرجاننا هناك مهرجانات أخرى تعرف بمختلف تراث ومميزات المنطقة كالمهرجان الدولي للفيلم عبر الصحراء ومهرجان الرحل ومهرجان ‘تركالت’ الموسيقي الذي يقام في محاميد الغزلان.

عموما فتجربة الحياة في زاكورة ولو لأيام لابد وان تطبع سلوك الزائر وذاكرته وتجعل من اللحظات التي أمضاها هنا ذكريات ينقلها معه كتجربة حياتية تستحق الحكي أو التدوين أو التصوير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية