يحزقيل درورإن زيارة رئيس الولايات المتحدة القريبة لاسرائيل أكثر أهمية من مسألة العلاقات الشخصية بين باراك اوباما وبنيامين نتنياهو، لأنه تكمن فيها فرصة لتحول الى أفضل في المستقبل السياسي والامني لدولة اسرائيل، وهو تحول مطلوب بالحاح.برغم قوة اسرائيل ووضعها الامني الحالي الذي هو جيد نسبيا، فان مستقبل أمنها القومي غير وردي. فالمواجهة العربية الاسرائيلية متعددة الطبقات تبدأ بالشأن الفلسطيني وتنتهي الى معارضة مجرد وجود اسرائيل؛ والقوة العالمية للجهات الاسلامية يتوقع ان تكبر؛ وستتضرر المكانة الجغرافية الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة وتقل مشاركتها؛ وستزيد قدرة أعداء اسرائيل على القتل؛ وستقوى الادارة العالمية بسبب مشكلات انسانية عامة وقد تفرض تسوية تكون في غير مصلحة اسرائيل. وينبغي ان نضيف الى ذلك مفاجآت محتملة كهجوم بسلاح غير تقليدي، وجبهة عدوانية موحدة شمالية شرقية جنوبية، وقضاء معادٍ لاسرائيل في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وانخفاض حاد لتأييد الولايات المتحدة.لا شك في ان اسرائيل قادرة على البقاء حتى في مواجهة عدوان متصاعد، لكن كلفة الدماء قد تكون باهظة. ولهذا يجب تطوير سياسة خارجية خلاقة تستطيع ان تحرف مسارات تاريخية نحو المرغوب فيه. وزيارة الرئيس الامريكي فرصة لذلك.إن السياسة النوعية تقتضي التأليف بين القيم والواقع. من وجهة نظر يهودية صهيونية قيمية مجردة، ما زال حق الشعب اليهودي في ارض الميعاد على حاله مع تطرق الى حقوق الفلسطينيين. لكن من وجهة سياسية واقعية لا يمكن التمسك بأكثر الضفة الغربية وأن نسيطر وحدنا على القدس الكبرى زمنا طويلا من غير ان نُعرض نماء دولة اسرائيل للخطر. والافكار التي تفترض ان ‘يعتاد’ الفلسطينيون على السيطرة الاسرائيلية، أو انه يمكن حل المشكلة الفلسطينية في اطار دولة الاردن، هي بمثابة هذيانات خطيرة لا أساس لها في الواقع.إن انشاء دولة فلسطينية بحسب اقتراح اهود اولمرت في حينه جيد في الحقيقة لمكانة اسرائيل السياسية لكن تصاحبه أخطار أمنية لأن احتمال عدم استقرار دولة فلسطينية وعدم اقامة اتفاقات السلام حينما ينشب الصراع العربي الاسلامي الاسرائيلي اليهودي عالية. ومن المؤكد انه لا أساس لأمل ان يُهديء انشاء دولة فلسطينية الصراع بعامة بقوته الذاتية. ولهذا تواجه اسرائيل معضلة صعبة بين بديلين سيئين: فاما ان تحاول منع حل الدولتين للشعبين، وإما ان تتقدم نحو اتفاق على انشاء دولة فلسطينية وترتيبات أمنية برغم انه لا ينبغي الاعتماد عليها.ويمكن مع ذلك ان يُصاغ بديل ثالث أفضل كثيرا وهو التأليف بين اتفاق مع الفلسطينيين وتسوية شاملة في الشرق الاوسط، على نحو قد يُحسن مستقبل اسرائيل السياسي الامني. وعلى اسرائيل ان تقترح اتفاقا بحسب المخطط الذي عرضه اهود باراك في كامب ديفيد في سنة 2000 مع اجراء ملاءمات.وينبغي ان يُعلق انشاء دولة فلسطينية بخطوات سياسية وأمنية، اقليمية وعالمية، تضمن أمن اسرائيل للأمد البعيد. وتشتمل بين ما تشتمل عليه على منع ايران من الحصول على قدرة ذرية، وعلى تعاون مع تركيا من جديد، وعلى سلام ‘ساخن’ مع مصر، وعلى علاقات كاملة مع أكثر الدول العربية والاسلامية، وعلى انضمام اسرائيل لحلف شمال الاطلسي، وعلى ضمان قدرة اسرائيل العسكرية.ولما كان رئيس الولايات المتحدة يحصر عنايته في القضية الفلسطينية فيجب على رئيس الحكومة ان يتناول القضية من نفس وجهة النظر الابتدائية. وعليه مع ذلك ان يعرض على اوباما توقع عدم استقرار خطير لدولة فلسطينية مع عدم وجود تسوية شاملة. وعليه ان يقترح، بخطوط مبدئية، خطة تؤلف على نحو وثيق بين انشاء دولة فلسطينية واتفاقات تُهديء أساس الصراع. ولا يمكن ان تكون أية علاقة حميمة شخصية بديلا عن موقف سياسي مناسب يعرضه نتنياهو. والتحدي الحرج في الزيارة هو التوصل الى اتفاق على مبدأ ربط ملزم وثيق بين انشاء دولة فلسطينية وتهدئة الصراع العام. وهذا التصور، اذا عُرض على اوباما بصورة محللة تحليلا عميقا، قد يقبله على أنه يفضي الى انجاز تاريخي له ولاسرائيل.هناك مشكلتان قد تضعضعان احتمال هذا التوجه المقترح. تكمن الاولى في السياسة الاسرائيلية الداخلية، وإن يكن أكثر الجمهور سيؤيد الخطة بحسب استفتاءات الرأي العام. ويمكن ايضا تشكيل ائتلاف مؤيد في الكنيست الحالية أو اجراء انتخابات جديدة أو ربما استفتاء الشعب.وتنبع المشكلة الصعبة حقا من عدم الاستقرار الحالي في الشرق الاوسط والشك في انه كم يمكن التقدم فيه لتهدئة الصراع. وأحتاج هنا الى مصطلح جديد يعرضه نسيم نيكولاس طالب في كتابه في 2012، Antifragile: Things That Gain From Disorder، وهو مصطلح ‘مضاد للكسر’ الذي لا يتناول القدرة على الثبات للازمات بل القدرة على استغلالها من اجل الانجازات.ينطبق هذا المصطلح على التطورات في الشرق الاوسط، التي تضعضع مواقف ونظما شديدة وقد تُحدث بذلك فرصا لتغيير الى أفضل في الصراع. إن الوضع في سوريا مثلا يُمكّن من تأجيل قضية هضبة الجولان الى المستقبل البعيد؛ وهناك زعماء سيريدون استعمال انجاز انشاء دولة فلسطينية لتقوية مكانتهم. لكن كل ذلك مشروط بصوغ خطة سياسية وعرضها وتحقيقها في مراحل تكون ‘بذرة’ لحال أفضل وإن نبتت في بطء.إن الدفع قدما بسياسة عامة كالتي نعرضها هنا غير سهل. لكن هذه هي الطريقة الوحيدة لاقرار مكانة دولة اسرائيل في الشرق الاوسط وتعزيز أمنها القومي للأمد البعيد. والاتفاق عليها مع رئيس الولايات المتحدة هو المهمة الاسرائيلية الحرجة في زيارة اوباما. ويتعلق النجاح أو الفشل في الأساس برئيس الوزراء.هآرتس 12/2/2013qeb