د. فوزي الأسمر يعلم من يتابع خبايا السياسة الأمريكية ( والأوروبية ) أنه عندما يقوم رئيس دولة بزيارة رسمية لدولة أجنبية، فإنه يعمل مسبقا على أن تكون هناك نتائج متفق عليها، وأن تسفر هذه الزيارة عن نتائج تخدم أولا وقبل كل شيء مصالح بلاده.فمن هذا المنطلق يمكن رؤية رحلة الحج للرئيس الأمريكي، باراك أوباما، إلى الأراضي المقدسة في منتصف شهر آذار/مارس القادم، رحلة مصالح متعددة الجوانب، خصوصا وأنها أول زيارة رسمية يقوم بها كرئيس للولايات المتحدة إلى إسرائيل. ولا بدّ أن مستشاري الرئيس أوباما قاموا بدراسة وتقييم نقاط القوة والضعف عند الأطراف المشاركة، لدفع مصالح أمريكا قدما. بالنسبة لأمريكا، فإن أوباما يأتي إلى إسرائيل من منطلق قوة: فقد فاز بشكل مقنع في إنتخابات الرئاسة، رغم كل التحديات التي حاول بنيامين نتنياهو وبعض أغنياء اليهــــود وضـــعها في طريقه، خصوصا الدعم المالي والإعلامي لمنافسه من الحزب الجمهوري مِت رامني.وبهذا يكون أوباما قد حظي بفترة رئاسة ثانية تحرره، إلى حد ما، من الضغوط والإبتزازات التي تستغلها بعض العناصر للحصول على تعهدات وتنازلات في الحقبة الأولى من الرئاسة.بالنسبة للفلسطينيين، فرغم أن الولايات المتحدة صوتت ضدّ قبول قيام دولة فلسطينية غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة، فقد نجح الفلسطينيون في تحقيق هذا الهدف واصبحت فلسطين بمثابة ‘دولة تحت الإحتلال ‘. ويعرف الفلسطينيون والإسرائيليون أن الولايات المتحدة لم تعمل لدى الدول الحليفة، خصوصا الأوروبية، ولا لدى الدول الواقعة تحت سيطرة نفوذها، كي تصوت ضدّ قبول فلسطين كدولة غير كاملة العضوية.أما بالنسبة لإسرائيل، فقد فشل نتنياهو وحزبه رغم دعم أفيغدور ليبرمان له، في الحصول على أغلبية ساحقة تخوله السيطرة كليا على الأمور، فقد خسر الحزبان ثلث المقاعد في الكنيست التي كانت لهما قبل الإنتخابات. إضافة إلى أن نتنياهو نجح في عزل إسرائيل عالميا، خصوصا لدى الدول الأوروبية، بسبب مواقفه الهوجاء، وعمليات الإنتقام من الفلسطينيين بسبب نجاحهم في الأمم المتحدة والتي تلخصت في إعلان نتنياهو بالقيام بمزيد من بناء المستعمرات اليهودية على الأراضي الفلسطينية.وقد رأى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، يعقوب عميدرور، الضوء الأحمر نتيجة هذه التصرفات، حيث صرح، في لقاءات خاصة ومغلقة، بأن سياسة البناء في المستعمرات اليهودية أدت إلى إلحاق ضرر سياسي جسيم لإسرائيل في العالم (هآرتس 7/2/2013).وعندما سئل المتحدث الرسمي بإسم البيت الأبيض، غاي كارني، عما إذا كان الرئيس أوباما، يحمل معه مشروع سلام جديد ،رفض الرد على هذا السؤال. الواقع إن أوباما ليس بحاجة إلى مشروع جديد، فخلال السنوات الأربع الماضية وضع كل المشاريع التي يمكن وضعها، وفشلت جميعها بسبب الموقف الإسرائيلي، وتصرفات نتنياهو الحمقاء. إنه يحمل معه كل هذه المشاريع، ومنطقيا يمكن القول أنه سيعيد الكّرة، ولكن في هذه المرة من منطلق قوة، وضعف لدى نتنياهو. وإذا لم يستغل هذا الموقف فإن الأمور ستسير من سيء إلى أسوأ. وبدأت التصريحات التمهيدية تظهر في الصحف العبرية. فقد صرح داني أيلون، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي أنه: ‘يجب على إسرائيل أن تعترف بدولة فلسطينية كاملة العضوية في الأمم المتحدة، مقابل إعتراف فلسطيني بإسرائيل دولة للشعب اليهودي ‘(معاريف 9/2/2013). وتنقل صحيفة ‘هـآرتس’ ( 10/2/2013 ) تصريحا لوزيرة الخارجية الأمريكية، هلاري كلنتون، قولها: ‘إن الشعب في إسرائيل يريد تغييرا داخليا وخارجيا، ويوجد الآن أمل في دفع مسيرة السلام قدما ‘.وفي خطابه في الكنيست لمح نتنياهو أنه يجب الدخول في مباحثات مباشرة مع الجانب الفلسطيني (يدعوت أحرونوت 6/2/2013 ).ولكن بنظرة أوسع للأمور، نستطيع ملاحظة أن المصالح الأمريكية لا تقتصر على الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي. فهناك مشكلة النووي الإيراني، والحرب الدائرة في سورية والتغييرات التي حصلت في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فبسبب هذه التغييرات، أخذت تطفو على السطح بعض الأفكار القديمة.فالإستراتيجية الأمريكية لا تقتصر على فترة زمنية، إلا إذا برهنت فشلها. ولا تعتمد على الإنتماء الحزبي للرئيس الموجود في البيت الأبيض، ولكن على حماية مصالح الولايات المتحدة، وتوسيع مناطق نفوذها وهيمنتها. ويلعب الرئيس الأمريكي الدور الرئيسي في تحقيق هذه الإستراتيجية، وهنا فقط يختلف رئيس عن رئيس. بوش على سبيل المثال كان يعتقد أنه يجب تنفيذها بقوة السلاح، في حين يرى أوباما إمكانية تنفيذها بالطرق السلمية.وزيارة الرئيس أوباما تصب مباشرة في هذه الخانة . في مطلع عام 2004، وضعت الولايات المتحدة مشروعا أطلقت عليه إسم ‘ مشروع الشرق الأوسط الجديد / الكبير ‘ وذلك إبان ولاية إدارة الرئيس جورج دبيليو بوش، وبعد سقوط بغداد بأيدي الجيش الأمريكي. وهدفه حماية مصالح الولايات المتحدة ، وفرض هيمنتها، وطبعا لحماية إسرائيل، والمحافظة على الأنظمة الصديقة خصوصا تلك التي تتمتع بقدرات بترولية. إلا أن تطور الأمور في المنطقة، ومعارضة شعوبها للمشروع، ومواقف سورية، والمقاومة اللبنانية والفلسطينية إستطاعت إفشال تحقيق هذا المشروع. ولكن الفكرة لم تختفِ . فالبيان الذي صدر عن البيت الأبيض (11/2/2013) أشار إلى وجود أربعة ملفات على جدول جولة الرئيس أوباما: ملف النووي الإيراني، والملف السوري، والملف الفلسطيني/الإسرائيلي. اما الرابع فهو الأهم، وأطلق عليه كنية ‘حلم التغيير’ في منطقة الشرق الأوسط، بأدوات الإسلام السياسي. فالرئيس الأمريكي غير مرتاح للركود الذي طرأ على حل الدولتين الذي إقترحه، ولا من التطورات على الساحة السورية، وموقف كل من روسيا والصين وبالطبع من إيران منهـــا. ويرى على ما يبدو أن الوقت مناسب للتحرك في اتجاه المشروع الكبير. فوصول الإخوان إلى سدة الحكم في مصر وتونس وتهديدهم للنظام في الأردن كلها عوامل مساعدة لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد. ونجاح المشروع يحتاج إلى تنفيذ خطوتين أساسيتين: الأولى إقامة دولة فلسطينية واعتراف فلسطيني/عربي بدولة إسرائيل كوطن لليهود. ويعرف أوباما أنه يمكن تنفيذ هذه الخطوة عن طريق إتخاذ موقف حاسم. فالأجواء في إسرائيل تساعد على تنفيذ هذا المشروع، والجانب الفلسطيني أعلن أكثر من مرة عن إستعداده لقبول الفكرة. والدول العربية، والإسلامية وافقت على المبادرة العربية الداعية إلى الإعتراف بإسرائيل.أما الخطوة الثانية فهي محاولة إضعاف المقاومة اللبنانية التي تشكل تحديا مستمرا لإسرائيل. فحل المشكلة السورية، وإقناع إيران بالنسبة لمشروعها النووي، بأن تتعهد بأنه مشروع للأغراض السلمية، سيقطع الوريد ألذي يوصل الدم إلى المقاومة اللبنانية. لتنفيذ كل ذلك سارع أوباما في التحرك بعد عدة أسابيع من تسلمه فترة حكمه الثانية، فهو بحاجة إلى فترة زمنية لتحقيق أهدافه. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لأوباما تنفيذ هذا المشروع الضخم؟ المنطــــــق يقول نعم، والعقل يرفض ذلك بسبب تاريخ المواقف المتخاذلة للولايات المتحدة. فإذا كان أوباما جادا في تحركه، فإنه سيحمل معه الجزرة والعصا، ويجب إستعمال العصا إذا لزم الأمر. فإسرائيل لا تفهــــم سوى لغة القــــوة. ولغـــاية الآن فشلت كل الأساليب الأخرى، فهل رأى الرئيس باراك أوباما أن في مقدوره، في هذه المرحلة، دفع الأمور قدما؟ فبدون وضع ضغط حقيقي على إسرائيل فإن أوباما سيعود إلى البيت الأبيض بخفي حنين.’ كاتب فلسطينيqmdqpt