د. عبد الحميد صيام القمة الثلاثية التي جمعت كلا من رئيس الوزراء التركي والرئيسين الإيراني والمصري في القاهرة على هامش قمة منظمة التعاون الإسلامي، تحمل رمـــــزية كبيرة وتذكرنا بالعلاقات التاريخية بين العرب والأتراك والإيرانيين وتفـــــتح أبواب الأمل لشعوب المنطقة لرؤية تقارب حقيقي بين الأمم الثلاثة يوما ما يقوم على التضامن والتكامل الاقتصادي وتطويرعلاقات مميزة قائمة على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لشرق أوسط مستقل وسيـّد وحر يمثل خيارات شعوبه الأصيلة ويعكـــس آمالها وأهدافها بعيدا عن التبعية والإملاءات الخارجية والمؤامرات والشك والاتهامات المتبادلة والتجاذبات الطائفية والدينية المتخلفة.من حقنا أن نحلم بمجيء يوم تقترب فيه أضلاع المثلث المفككة حاليا لتشكل ثقلا ديمغرافيا وجغرافيا وسياسيا واقتصاديا لا تستطيع قوة في الأرض تستخف به أو تتجاهله بل وتحسب له ألف حساب. لو حدث وتلاقت أضلاع المثلث لأصبح أمام الدولة الهجينة المزروعة بقوة السلاح في المنطقة خيارات ثلاث: الانصهار أو الانهيار أو الفرار. إما أن تصبح أقلية صغيرة كغيرها من الأقليات أو تنهار بشكلها الصهيوني الحالي القائم على العدوان والاحتلال والعنصرية أو أن يقوم غالبية السكان بالرحيل والعودة إلى مناطقهم الأصلية. هذا هو الحلم والذي تقف أمام تحقيقه عشرات الموانع بعضها ذاتي وبعضها موضوعي وغالبيتها نتيجة لعوامل خارجية تمنع ولو بقوة السلاح مثل هذا التقارب ولنا في التاريخ عبرة.شيء من التاريختاريخ الشرق الأوسط صنعه العرب والفرس والأتراك مع تقديرنا الكبير للدور العظيم الذي لعبه الأكراد قادة وجنودا مخلصين وجزءا أساسيا من مكونات الأعراق الثلاثة وحضاراتهم ولغاتهم وتاريخهم وفوق هذا وذاك من النسيج الديني الواحد الذي جمع كل هذه الأعراق تحت راية الإسلام. لقد تبادلت هذه المجموعات الثلاثة السلطة خلال أربعة عشر قرنا أو يزيد فمرة يحكم العرب المنطقة ومرة يقيم الفرس دولتهم مع العرب وعلى تخومهم ومرات تقوم القبائل التركية بالسيطرة على المجتمعين إما حربا أو سلما. ولا نظن أن هذا الحوض الكبير قد خضع لغير هذه المجموعات الثلاثة مــــنذ انتشار رسالة الإسلام إلا لفتـرات محدودة جدا. فقد هزم الإمبراطورية البيزنطية والصليبيين والمغول والمستعمرين الأوروبيين وطرد الروس من الشمال الإيراني والثغور العثمانية وبقيت القبائل التركية أو ما تفرع عنها تحكم بعض دول المنطقة حتى بعد الحرب العالمية الأولى. فلم يقفل ملف حكم قبائل الكجار في إيران، وهم من أصول تركية، إلا عام 1924 ولم تنته أسرة محمد علي من حكم مصر إلا عام 1952. ولم تكن هذه الأعراق تتصرف على أنها غريبة عن الجغرافيا لأنها قريبة من الحضارة والدين. فصلاح الدين الكردي هو الذي حرر القدس من الصليبيين والظاهر بيبرس المملوكي هو الذي هزم المغول و بقايا الصليبيين وخير الدين بربروسا وأخوه عروج التركيان هما اللذان حميا شواطئ الجزائر من غزوات الإسبان والبرتغاليين. إسرائيل هي العنصر الطارئ على المنطقة وجسم غريب فرض بقوة السلاح. إقتــــلع الاستعمار شعبا من وطنه ورمى به إلى المنافي وأحل مكانه كيانا غريبا عن المنطقة وحضارتها ولغاتها وتاريخها وذاكرتها الجمعية ومنظومة القيم المشتركة بين شعوبها وتركيبتها النفسية. فلا المنطقة قادرة على هضم هذا الكيان الغريب رغم بعض الاختراقات الفوقية التي لم تستقر في القاع بين الشعوب، ولا عمل هذا الكيان ولو خطوة واحدة تقربه من قلوب الناس بل كل ما قدمه المزيد من الأسباب التي تعمق عزلته وتزيد من كراهية الشعوب له. زرع الغرب الإستعماري إسرائيل في منزل القلب من الوطن العربي فاصلا جناحي الأمة الإفريقي عن الآسيوي. وظل الهدف الرئيسي لتلك القوى بعد إنشاء هذا الكيان الهجين ألا تتلاقى أضلاع المثلث كي تنفرد إسرائيل بالساحة ولتعلب دور شرطي للمصالح الاستعمارية، وخاصة لضمان بقاء قناة السويس مفتوحة من جهة ولضمان تدفق النفط في عصب الصناعة الغربية من جهة أخرى ولمحاربة كل القوى الوطنية التي تدعو إلى الاستقلال والتحرر والنهضة والسيطرة على الموارد الطبيعية.مصدق وناصر وأربكانأقامت إسرائيل منذ إنشائها أقوى العلاقات وأمتنها مع نظام الشاه في إيران ونظام العسكر في تركيا. وعندما حاول الشعب الإيراني أن يتحرر من سيطرة النفوذ البريطاني بانتخاب الدكتور محمد مصدق عام 1951 الذي أمم شركة النفط البريطانية والتف حوله الشعب الإيراني بأكمله، دبرت له وكالة الاستخبارات الأمريكية ونظيرتها البريطانية انقلاب 19 آب (أغسطس) 1953 (عملية أجاكس) ليعود الشاه من منفاه ليحكم البلاد بالقمع ربع قرن أو يزيد حتى تم طرده يوم 16 كانون الثاني (يناير) 1979 على إثر انتصار الثورة الإسلامية.وكما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل إن جمال عبد الناصر تأثر بتجربة مصدق الوطنية في تأميم البترول فقام بدوره بتأميم قناة السويس في 26 تموز (يوليو) 1956 إلا أن الرد كان أكثر عنفا وشمولية بتدبير العدوان الثلاثي على مصر ابتداء من 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1956. بعد انحياز الثورة المصرية للمعسكر الاشتراكي وإتمام صفقة السلاح عام 1955 مع تشيكوسلوفاكيا ومؤتمر باندونغ في نفس العام لإنشاء مجموعة دول عدم الإنحياز أصبحت الثورة المصرية تشكل تحديا ليس فقط للقوى الاستعمارية في العالم العربي وأفريقيا بالتحديد وللقوى الرجعية المرتبطة مع الاستعمار والذي كان يطلق عليها عبد الناصر وصف ‘أذناب الاستعمار’. أرادت أمريكا وبريطانيا درء الخطر السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط من جهة ومن جهة أخرى تطويق هذا القائد الوطني الذي ألهب خيال الأمة العربية وبدأ يحرك فيها مشاعر العزة والكرامة، فأرادت تقنين هذا الطوق المعادي لعبد الناصر عبر إنشاء ‘حلف بغداد’ عام 1955 والذي ضم في عضويته كلا من إيران وتركيا والعراق الملكية وباكستان وبريطانيا. ثم ما لبثت أن التفت إسرائيل على نظام عبد الناصر من الخلف بالتحالف المتين مع إمبراطور الحبشة هيلا سيلاسي. لقد أسقط الشعب العراقي حلف بغداد عام 1958 بعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا. لكن القوى المعادية للرئيس عبد الناصر عملت على إنهاكه وتوريطه في حروب جانبية مثل حرب اليمن فوجدت إسرائيل فرصتها التاريخية لضرب نظامه صبيحة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 وما لبثت تلك القوى أن تخلصت منه نهائيا في 28 أيلول (سبتمبر) 1970 لينفتح المجال واسعا أمام القوى المضادة للثورة للاصطفاف خلف السياسة الأمريكية التي وصفت بأنها تملك 99′ من أوراق اللعبة ولتنتهي هذه المسيرة بتوقيع اتفاقية كامب ديفد المذلة عام 1979 وبالتالي إخراج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي. لقد ظنت إسرائيل أن عصرا جديدا قد بدأ بعد انصياع نظام السادات تكون فيه الشرطي الوحيد في المنطقة مدعومة بالمثلث الإثيوبي الإيراني التركي. لكن حسابات الحصاد لم تنطبق مع حسابات البيدر. جاءت المفاجأة من ضلع المثلث الإيراني حيث انتصرت الثورة الإيرانية التي غيّرت موازين القوى بشكل حاد لصالح القوى المناوئة لإسرائيل التي خسرت أهم حلفائها في المنطقة. لقد كانت عودة الخميني مظفرا إلى طهران قبل شهر واحد من اتفاقية كامب ديفد المشؤومة وبالتالي تم تعويض خروج إيران من دائرة حلفاء إسرائيل بدخول مصر، الدولة الأهم، في علاقات سلام مع إسرائيل. وكأن لسان حال الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل: لقد خسرنا أهم حليف لنا في الشرق الأوسط إلا أننا كسبنا حليفا أهم. فطهران ليست مثل القاهرة ورفع العلم الإسرائيلي على بناية في قلب القاهرة أهم وأخطر من تنزيله من على بناية في طهران. تحولت سفارة إسرائيل إلى مقر لمنظمة التحرير الفلسطينية ووعدت إيران أن تنتصر لقضية الحق في فلسطين وأن تدعم كافة القوى المناهضة لإسرائيل. إلا أن تورط إيران والعراق في حرب مشبوهة الأهداف والنتائج دمرت قدرات البلدين وأعطت فرصة لإسرائيل في فترة الثمانينات للتغول في المنطقة وأن تمد ذراعيها الطويلين ليصلا من بغداد شرقا إلى تونس غربا.أما تركيا فقد جاء الرد على تغريب هويتها وإقامة أمتن العلاقات مع إسرائيل مع صعود نجم الدين أربكان القائد الوطني الذي حول تركيا الحديثة من دولة مسخ تتلطى على أقدام أوروبا إلى دولة متصالحة مع الجغرافيا والتاريخ. لقد كان أول من طرح في البرلمان التركي فكرة قطع العلاقة مع إسرائيل عام 1980 وفشل طبعا لكنه نظم مظاهرة ضخمة غير مسبوقة في نفس السنة انتصارا للقدس وردا على قرار إسرائيل بضم المدينة المقدسة وإعلانها عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل. لقد أفشل عسكر تركيا برنامج أربكان مرتين- فاقتادوه من منصب نائب رئيس الوزراء إلى السجن وبقي فيه ثلاث سنوات حيث خرج عام 1983 لينشئ حزبا جديدا يدعى ‘حزب الرفاه’ ويكسب انتخابات 1996 بالتحالف مع تانسو شيللر ويصبح رئيسا للوزراء. لكن العسكر أطاحوا به عام 1997 ودخل السجن مرة ثانية. لكن أفكاره انتشرت وتم انتخاب حزب العدالة والتنمية عام 2002 المنبثق من رحم حزب الرفاه الإسلامي الذي اسسه أربكان. لقد أعاد حزب العدالة والتنمية إلى تركيا هويتها الوطنية المنبثقة من رحم الحضارة العربية الإسلامية فوجدت أحضان العرب والمسلمين مفتوحة بانتظارها، ووجد الفلسطينيون خاصة حليفا قويا يقدم الشهداء في محاولة لخرق الحصار على غزة ويذرف الدموع على شهداء عملية ‘عامود السحاب’ في مستشفياتها. أما مصر فردت الاعتبار لتاريخها وهويتها وعمقها العربي الإسلامي بانطلاق ثورة 25 يناير 2011، والتي صححت جزءا كبيرا من 40 سنة من الإنحراف الذي فرض عليها من قبل أعداء الأمة منذ توقيع اتفاقية كامب ديفد. لكــن الأمور في مصر ما زالت غير مستقرة لأسباب عديدة ومتشابكة داخليا وخارجيا. لكن قناعتــــنا أن أيام حكم الطغاة ولى وإلى الأبد، ولا يستطيع لا مرسي ولا غيره أن يعيد مصر إلى عصر الاستبداد والدكــتاتورية والتبعية الرخيصة.إيران أولا وتركيا ثانيا ومصر ثالثا أنهت حكم الطغاة المرتبطين بأجندات غربية وقامت بحركات تصحيحية كبرى لتعيد البلدان الثلاثة إلى هوياتها الأصيلة والوطنية المنبثقة من مصالح الشعب الأساسية. حاول أتاتورك تغريب هوية تركيا، وحاول الشاه تغريب هوية إيران، وحاول السادات أمركة مصر ومبارك أسرلتها لكن الجميع فشلوا. فهل سيسمح لهذه الدول الثلاث التقارب الحقيقي والمدروس والمتكامل لتشكل معا حاضنة دافئة لآمال وطموح وتطلعات شعوب المنطقة في التنمية الرشيدة والتكامل الاقتصادي والتعاضد السياسي والإسناد المتبادل ضد الطغاة والمستكبرين والغرباء المستوطنين؟ نشك في هذا على الأقل في المرحلة الحالية. وقد يمنع مثل هذا التقارب حتى ولو بقوة السلاح لأن هناك من بين دول المنطقة من يصرعلى إعادة ترتيب الأعداء ويحرض قوى الهيمنة والتلسط ‘بقطع رأس الأفعى’ أولا.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويوركqmdqpt