عبد العلي حامي الدين دول الربيع العربي تعيش على إيقاع رجات مرحلة انتقالية استثنائية بجميع المقاييس، فلا زالت قوة الجذب إلى الوراء تشتغل بقوة لزرع جيوب مقاومة التغيير والحيلولة دون التحول الديموقراطي الذي عبرت عنه الثورات الشعبية في المنطقة العربية.. في الآونة الأخيرة ارتفعت العديد من الأصوات المشككة في قدرة الحكومات الجديدة في بلدان الربيع العربي على تدبير تحديات المرحلة الانتقالية، وتطورت في بعضها ـ كما في الحالة التونسية ـ إلى مطالبة صريحة بالتدخل لدعم القوى ‘العلمانية’ و’اليسارية’ ومدها بأسباب النجاح ضد النموذج ‘الإسلامي’ الذي تمثله حركة النهضة..وزير الداخلية الفرنسي خرج عن واجب التحفظ وأدلى بتصريحات صادمة للشعور الديموقراطي ومتناسية حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي صناعة مستقبلها بأيديها وحق الشعوب في اختيار من يحكمها وفق إرادتها الحرة المعبر عنها في انتخابات شفافة ونزيهة..على خلفية اغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد انطلقت بعض المظاهرات الداعية إلى إسقاط الحكومة متهمة إياها بالانزياح عن مبادئ الثورة وأهدافها وبالمسؤولية السياسية على جريمة الاغتيال..ودون الدخول في خلفيات هذه التحركات وارتباطها بمشاريع وأجندات سياسية داخلية وخارجية مختلفة جذريا مع الاتجاهات الإسلامية الصاعدة في المنطقة العربية، فإنه من الضروري بذل مجهود أكبر لفهم طبيعة الحركات الإسلامية من جهة، واستيعاب الرهانات الأساسية لهذه المرحلة وآفاقها المنتظرة من جهة أخرى. التحولات الجارية في المنطقة العربية والصعود الواضح للحركات الإسلامية أعاد النقاش من جديد حول جملة من التصورات الفكرية والمواقف السياسية لهذه الحركات، وبدا أن هناك تركيزا كبيرا على هذه التيارات بوصفها كتلة من الأفكار والمواقف، أكثر من التركيز عليها بوصفها حركات اجتماعية وسياسية تنطبق عليها جميع قواعد التحليل السياسي والاجتماعي..الحركات الإسلامية حركات اجتماعية بالدرجة الأولى، صحيح يلعب الدين دورا مهما في تشكيل تصوراتها ومواقفها حول قضايا الدولة والمجتمع، لكنها كسائر التجمعات الإنسانية تبقى محكومة بقواعد الاجتماع البشري وبجميع مظاهر القصور الإنساني.. هذه الفرضية المحورية لها مجموعة من النتائج ينبغي أخذها بعين الاعتبار، من بينها أساسا أن هذه الحركات الاجتماعية والسياسية التي تتوفر على مقومات التنظيم المؤسساتي تسري عليها قواعد الصعود والنزول، كما سرت على جميع الحركات السياسية والاجتماعية عبر التاريخ، وتنطبق عليها القواعد الخلدونية في أفول الدول وصعودها..ولذلك فإن الذين يستعجلون سقوط الإسلاميين، لا يدركون بشكل جيد طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي لهذه الحركات، كما أنهم يخطئون في قراءة المرحلة السياسية الراهنة من منظور تاريخي.المهمة التاريخية الملقاة على عاتق الإسلاميين اليوم ليست هي التعامل بمنطق الأغلبية كما لو أننا نعيش في مناخ ديموقراطي حقيقي، وليست هي النجاح في تدبير الشأن العام والانتقال من عالم التخلف والجهل والفقر إلى عالم النهضة والتقدم والمعرفة في ظرف سنة أو سنتين.. المهمة الرئيسية الملقاة على عاتق الإسلاميين اليوم هي ترسيخ قواعد التداول الديموقراطي على الحكم، وإرجاع السلطة إلى منطق الإرادة الشعبية، وتوفير شروط التنافس الحر بين البرامج والأفكار، ووضع قواعد التوزيع العادل للثروات الوطنية، وقبل ذلك وبعده حماية الوحدة الوطنية من أي اختراق خارجي..طبع، هذه المهمة التاريخية ليست مهمة الإسلاميين فقط، فهم بالتأكيد عاجزون لوحدهم على القيام بها على أكمل وجه، ولذلك فهناك حاجة ماسة إلى الاستثمار في المشترك القيمي ونبذ روح التعصب والفرقة..البعض منشغل هذه الأيام في تدبير أقصر الطرق للتخلص من الإسلاميين ولو بالتحالف مع رموز مرحلة الاستبداد والتحكم، ومحاولة فرض جدول أعمال مناقض للتطلعات الشعبية التواقة إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية..أعتقد بأنه من المبكر جدا أن يستعجل البعض سقوط التيار الإسلامي في المنطقة العربية في اللحظة السياسية الراهنة..أولا، لأن هذا صعب من الناحية الاجتماعية والسياسية فالأمر يتعلق بحركات اجتماعية وسياسية تحمل آمال جماهير عريضة من الشعوب العربية لازالت تثق فيها ولها التزامات وتعاقدات اتجاهها ينبغي أن تفي بها، وثانيا،لأن المهمة التاريخية المطلوبة لإنجاز التحول الديموقراطي لا يمكن أن تتحقق بدون مساهمة أساسية للقوى الحية وفي مقدمتها التيار الإسلامي..طبعا، هذا الكلام لا يعني تأجيل النقد المطلوب لأداء الإسلاميين وهم يمارسون السلطة، فالنقد مطلوب لعدة اعتبارات: أولا، من الضروري محاسبة التيارات الإسلامية ونقدها على قراراتها وعلى أدائها خاصة عندما ترتفع لديها نزعات البراغماتية والواقعية أكثر من نزعات المواقف المبدئية المنسجمة مع القيم الديموقراطية، أو حينما تغض الطرف عن بعض نزعات الغلو والتشدد التي تهدد بتحطيم قواعد العملية السياسية.. وعموما فإن منطق الديموقراطية يستوجب ربط المسؤولية بالمحاسبة..ثانيا، من الضروري مساعدة الحركات الإسلامية على نفسها لتجاوز بعض المعوقات الذاتية باعتبارها حركات اجتماعية لها مواقف وقراءات سابقة تحتاج إلى مراجعات ضرورية تحتاج معها إلى زمن معقول..ويمكن أن نقول بكل اطمئنان أن قيمة الديموقراطية لازالت تحتاج إلى المزيد من الترسيخ في الوعي السياسي للعديد من الحركات الإسلامية..طبعا، لا يعني ذلك أن باقي القوى السياسية والفكرية قد حصل لديها الإشباع الديموقراطي اللازم..بالعكس، هناك خصاص ديموقراطي مهول لدى بعض التيارات يكشف عن نفسه في بعض المحطات، وخاصة حينما يمر الوطن بلحظات عصيبة مثل: حادثة اغتيال شكري بلعيد في تونس، أو بعد الأحداث الإرهابية الأليمة التي عاشتها مدينة الدار البيضاء ليلة 16 مايو 2003.. مسؤولية النخب المستنيرة من مختلف التيارات الفكرية والسياسية اليوم هو: تجاوز منطق الصراعات والتطاحنات السياسية الموروثة من مرحلة الاستبداد والعمل على ترسيخ تقاليد جديدة في الحوار الضروري لبناء الدولة الديموقراطية الحديثة على قواعد جديدة، وتكثيف النقاش حول القيم المؤسسة للمرحلة القادمة.. أما الإسلاميون فإنهم يمثلون جزءا من الحل وليسوا هم المشكلة الأساس.. هم حركة اجتماعية وإنسانية عادية محكومة بقانون السماء قبل أن تكون محكومة بقوانين الأرض: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) صدق الله العظيم، محمد : 38.’ كاتب من المغربqraqpt