تصاميمه للأزياء لوحات فنيةابو ظبي من فاطمة عطفة؛ شهد جمهور كبير من محبي الموضة في معرض العروس أبوظبي 2013، الذي اختتم فعالياته في قبل أيام، عروضا لبعض دور أزياء الموضة الراقية التي شارك فيها عدد من مصممي الأزياء المشهورين الذين قدموا في عروضهم أحدث موديلات الموضة من فساتين الأعراس والمناسبات. وجاءت عروض المصمم الفلسطيني خالد خليل، بعد غياب طويل عن منطقة الخليج، لكنه حضر بتشكيلة متميزة شكلا وإتقانا. ويعتبر خليل من أهم مصممي فساتين الأعراس. ولد في السعودية وانتقلت أسرته إلى سنتا باربرا في كاليفورنيا فنشأ هناك وتابع دراسته حتى تخرج من معهد لتصميم الأزياء في لوس أنجلوس، وحصل على جوائز عالمية بعد أن افتتح محترفه الأول في هوليود الغربية. ثم عمل في دبي ما يزيد عن عشر سنوات، وهو مقيم الآن في عمان ليكون قريبا من فلسطين القلب والروح، كما يقول، وهو مستمر في تصاميمه الفنية الأنيقة. ونترك لضيف ‘القدس العربي’ حديث الفن والجمال في تصميم الأزياء. ـ نبدأ من هوايتك الفنية، لماذا تصميم الأزياء ومن أين نشأت هذه الهواية؟:* ‘أنا والدتي فنانة وتعشق الرسم وكأي أم فلسطينية تعمر منزلها وتهتم بلباس أبنائها وإن لم تجد المناسب لها تخيطه بيديها، وإن كان هناك شرشف لم يعجبها تخيط شرشفا وتحيك كروشيه للطاولات إلى آخر ما هنالك من أشياء. السعودية في بداية السبعينات لم يكن فيها كل ما نحتاج إليه، فكانت هي تخلق جوا في المنزل فتعلمنا أنه نحن بأيدينا نستطيع أن نخلق الجو والفن الذي نريده في حياتنا، وأنا كنت دوما أرسم وعندي لوحة جدار رسمتها هي باب الافتتاح في معرض الفن في الرياض عندما كنت في الصف الثالث المتوسط. كان رسمي واتجاهي دوما تصاميم معمارية ومناظر تعبيرية. أختي تكبرني بسنة ونصف وأتى موعد زفافها ولم يكن يعجبنا شيء في السوق، وذوق الخياطة لم يعجبها. وبما أني أرسم، طلبت مني أختي أن أصمم لها الأزياء التي ترغب بها فهي في الواقع من اخترع فن الأزياء في نفسي والفضل يعود لها، لأنها وجهتني نحو هذا الطريق، ومنذ ذلك الوقت غدت لدي حالة استمرار غير طبيعية حتى إني كنت أرسم من عشرين إلى ثلاثين رسمة وكنت انهي دروسي بسرعة كي أتفرغ للرسم. كان يشغلني أن أساعد أختي وأحضر لجهازها كي تحيك لها الخياطة الملابس على أفضل وجه، وعندما كنت أنهي الرسومات كانت تأخذها وتريها لصديقاتها والذين أصبحوا يريدونها وباعتهم رسوماتي. وكانت تأتي إلي وتقول: ‘هل رأيت؟ خذ هذه نقود، ارسم أيضا’. وهكذا غدا هناك حالة استمرارية في هذه الهواية بلا انقطاع حيث أصبحت أتابع القنوات وأرى ما هو الموجود، وأصبحت أنقل من المجلات وأشاهد العروض على التلفاز. والدي حالته المادية جيدة وكنا نسافر في كل صيف حيث يأخذنا في أسبوع لمناطق متنقلة وينتهي بنا المطاف في الأردن أو في فلسطين عند الأهل وكثر سفري، وهذا جعلني أطلع على أمور كثيرة وثقافات مختلفة وفنون متنوعة. وكان والدي يأخذنا إلى الأماكن التاريخية ويشرح لنا ما طرأ على البشرية من تغير في الفن والعمارة، فهذا كله غدا مخزونا لدي، بالتالي صار عندي اطلاع جيد على مختلف الفنون كي أطور الهواية التي لدي وأزيد عليها.’ـ من هواية الرسم إلى معرفة المقاسات، فكما تعلم تصميم الأزياء بحاجة إلى الدقة في معرفة المقاسات، كيف طورت نفسك في هذه المرحلة؟ * ‘هنا يأتي دور الدراسة الأكاديمية للإنسان فمن حصل على هذه الدراسة وتدرب على يد مختصين وصقل الهواية ووضع لها خطوطا كي تصبح واقعية لا بد أن يصل إلى ما يريد. أنا سافرت إلى أمريكا وأنهيت الثانوي وأخذت الشهادة بدرجة الشرف من المدرسة وعمري 16 سنة، ووقتها حصلت على جائزتين من الحكومة الأمريكية وهما عبارة عن منح دراسية لمدة أربع سنوات، كل واحدة على حدة، للجامعة التي أختارها مهما كانت كلفتها، واحدة كانت بالفن والثانية بالعلوم الأكاديمية على حساب الحكومة الأمريكية. لكن في ذلك العمر رفض الأهل وقالوا لي: (ممنوع فماذا أن تذهب إلى نيويورك تدرس لوحدك؟ وماذا لو أن الحكومة الأمريكية تتبناك وتأخذك منا؟) وهكذا سرت على خطى الوالد ودرست القانون الدولي والسياسة في سانتا باربرا لمدة سنتين، وهاتان كانتا أبطأ سنتين في حياتي وكنت في عذاب مستمر، فهذا ليس مكاني. وفي يوم من الأيام قلت لهم: (انتهى الأمر، إما أن أدرس في الاختصاص الذي أحبه وأبقى ابنكم أو أسير في طريقي). فقالوا لي: (لا، انظر للمنح التي أعطيت لك واذهب للجامعة التي تريدها). فدرست في لوس أنجلوس في (معهد تصميم الأزياء للمصمم مارتن دايزن) وهو كان وما زال الأفضل في هذا المجال، ومن حسن الحظ أن السنة التي انضممت بها كان أعظم أساتذة المواد قرروا أن يأخذوا أعدادا أكثر من الطلاب، ومن قبل كانت صفوف هؤلاء الأساتذة محدودة جدا ولايعطون إلا طلاب الدراسات العليا. وهكذا تدربت على أيدي أساتذة عالية التقنية وتاريخ فتدربت تدريبا كلاسيكيا قديما. وبما أننا نحن العرب نحب الدراما وحياتنا كلها دراما، طبعا وجدت نفسي أكثر أضخم في أزيائي وكانت متقنة ووراءها فكرة وأساس ومستندة لموهبة الرسم، فكنت أنجح أكثر. وهكذا أنهيت دراستي وأخذت شهادتين من لوس أنجلوس بكل جوائزها في هاتين السنتين، ولا يوجد منحة دراسية إلا وحصلت عليها ولا لوحة شرف إلا كنت متصدرا لها. لقد حصلت على جائزة الهيئة المتحدة للأقمشة والإبداع في التصميم للوس أنجلوس، وهذا في سنة 1991 حيث أنهم في كل عام يختارون مصمما ويعطونه الجائزة عن إبداعه في استخدام الأقمشة وأنا في ذاك العام نلتها، وبعد ذلك دخلت دراسات عليا في الأزياء، وهي تعادل الماجستير في المهن الأخرى، وأنهيت عملي ودراستي وتزوجت من عشق حياتي حيث كنا ننتظر بعضنا’.ـ هل زوجتك هاوية أيضا لتصميم الزياء أم أنك أنت دربتها للعمل معك؟* ‘هي من حبها لي ومن معاصرتها لحياتي اليومية وحياتها معي، وهي أيضا لديها نظرة دقيقة وإحساس وهي فاهمة للتقنيات التي من الممكن أن أقدمها وهي الناقد الأهم في حياتي وذلك لأنها واقعية جدا، فكما تعلمين نحن الفنانيين حالمين وحساسين ورومانسيين، فهي واقعية فهي كونها زوجتي وحبيبتي تعرف نفسيتي وروحي وتعرف كيف تحجمها وتصورها على أرض الواقع لشخص غير مثقف أن يستوعبها من أول نظرة، فهي غدت جسر وصل بيني وبين زبائني وهي مسؤولة عن المقاسات والتوصيل وغيره’.ـ من خلال نظرتك للمرأة لماذا يتجلى اهتمامها بشكل خاص في الأناقة والأزياء؟ وهل برأيك الرجل استطاع أن يفهم هذا الاهتمام للمرأة، فهي قد ترتدي القطعة مرة واحدة وتعلقها، أنت من خلال تجربتك العملية مع كثير من السيدات كيف تتلمس الموضة وتجددها وحب المرأة للأزياء؟* ‘الإنسان دوما ينظر ويتطلع لشيء أفضل، هذا طبع الإنسان وهكذا خلقنا. والإنسان يحب أن يرقى بفنه وبمعلوماته وبثقافته وشخصيته ويبحث وراء الحديث والجديد. الآن لكل شخص هويته وشخصيته ويحاول أن يطور بها ويجددها. بالنسبة للمرأة فهي تهتم بأشياء متعددة، فهناك المرأة التي تتبع الموضة بشغف وتبقى تطور بها وتنميها لأنها تشعر أنها تطور في شخصيتها، فهي قد تختار هذا اللون من التعبير لإثبات وجودها. وهناك سيدة تبدع في الطبخ، وهناك من تبدع في تربية أولادها، وهناك من تبدع في المجال السياسي وغير ذلك، فالمرأة مثل أي شخص فكل منا يختار هوايته ومسارها كإثبات وجود ويطورها كي يتحسن فليس من الخطأ أن تختار المرأة الأزياء للتعبير عن شخصيتها وإثبات لوجودها وتأخذ لنفسها منبرا تسمع منه’.ـ عندما يلتقي مصمم الأزياء بسيدة ويريد أن يمنحها الموديل المناسب، هل المفروض عليه أن يعرف شخصيتها كي يعطيها أفضل وماهو مناسب لها أكثر؟* ‘أنا على هذا الأساس أعمل، فأنا دوما يسألني زبائني ما الذي يناسبني؟ فإن كانت هذه أول مرة ولم أصمم للسيدة من قبل، فالموضة وجدت كي تعطي خيارات، السيدة الأنيقة فعلا وذوقها راق وعال جدا هي التي تعرف ما يناسبها وهي التي تعرف تخلق لنفسها شخصية من خلال ملابسها، لأنه هذا هو الشيء الذي نراه أول شيء ونحكم عليه كطبيعة’.ـ أنت عشت في أمريكا وفي السعودية وتعرض الأزياء في دبي وحاليا في عمان وأنت مختص بالأزياء الحديثة، لماذا لم تستطع أمريكا في مجال تصميم الأزياء والأناقة أن تأخذ هذه اللمسات والتي بقيت محصورة عند الإيطاليين؟ أين الفن والسر في تصميم الأزياء حتى بقي في أيدي الإيطاليين، ومن بعدهم الفرنسيين؟ هل هي أنواع الأقمشة وعراقة الفنون في روما وباريس؟* ‘نحن لا نستطيع أن ننكر أن لهم تاريخا عريقا، ففي البداية الإنسان حجب نفسه ولبس ما يستر، أما الرومان فأول ما لبسوا ارتدوا التوغا أي أنهم أخذوا قطعة القماش التي ليس بها شيء وعملوا منها شيئا ولباسا. ولليوم أول ما ترين هذا الشيء تقولين هذا روماني، فهم اخترعوا للجسد أول منظر لباس له يقف في التاريخ. وأولا وأخيرا القماش هو الأساس، لأن الإيطاليين حتى اليوم لا يوجد أحد يستطيع أن ينافسهم. نعم، هناك شركة سويسرية الأولى في العالم، لكن الايطاليين اختصوا في إنتاج أنواع أقمشة منذ أكثر من 1400 سنة ولليوم هي الأولى في العالم وأولها الحرير، فلا يوجد أحد يستطيع أن يصنع الحرير أو الكتان أو الصوف أو غير ذلك أفضل من الإيطاليين، أي الخامات الأصلية التي نحن ولدنا نعرفها وعندما نموت سنكفن بها، هم الذين أبدعوا إنتاجها فروح الإنسان تحن لها وتفهمها وتعرفها وتميزها لأنها هي الأفضل، لا يوجد أحد أبدع أكثر منهم وهم يستحقون حيث لم يسبقهم أحد في ذلك، إلا إذا عدنا للإغريق والفراعنة والبابليين’.ـ بالنسبة لفن التصميم والأزياء العربية، حتى الآن اللبنانيون استطاعوا أن يضعوا بصمة في عالم الأزياء كيف ترى مستوى الأزياء العربية؟ ولماذا نحب كثيرا الشك والتضخيم؟* ‘هو يقسم إلى أبواب كثيرة ولا تستطيعين أن تضعي إصبعك على شيء واحد فقط، فهناك عوامل كثيرة تأتي وراء هذا الأمر، وأولا وأخيرا يجب أن نعترف أن البشر ليسوا جميعا مثل بعضهم، ولا يجب أن يصنف الخليج العربي أنه هذا ذوقه وهو يحب هكذا فقط، كلا.. هذا خطأ. أولا أساس الأزياء الفرنسية وأكبر دور الأزياء أول عنصر اعتبار لها ستشتريه المرأة الخليجية، لا لأن لديها القدرة الشرائية، بل غدا لديها الثقافة العالية وهي أدرى بما يناسب جسمها. والناس ينقسمون لأذواق وآراء مختلفة، فليس الجميع يحبون الشك والتضخيم. وأنا لدي نظرية أنه لم يخرج من البرجوازيين ومن حديثي النعمة إلا الأشياء الجميلة، لأن حديثي النعمة وأنا لا أخص هنا أهل الخليج العربي والإمارات فماري أنطوانيت ماذا كانت وقصور فيرساي ماذا كانت؟ وقتها كان هناك فخامة مبالغ بها بالأقمشة، والشعر صار مترين، لكن اليوم صنع شيئا عظيما في العالم وأصبح تاريخا يدرس. والآن إن أردنا أن نصنع شيئا أوفر نقول حرير فيرساي وأقمشة فرنسية والوسط الخاص بماري أنطوانيت. من يدري بعد ثلاثين عاما، هذا الذي يحدث الآن أن يغدو حقبة زمنية لها وضع مؤثر’.ـ الأزياء الفلسطينية لها حضور بالعالم أجمع، هل تأثرت بالتراث الفلسطيني أم أن الحداثة الغربية هي المؤثرة لديك؟* ‘سأقول لك أنا واحد من الناس لا يجمع كل شيء في حقيبة واحدة، أنا فلسطين هي روحي وعقلي وكياني ودمي، وهي شيء خاص جدا وأمتلكه أنا بقلبي، لكنه لن يدخل في عملي كمصمم. أنا لا أصمم أزياء تراث، بل أختص بتصميم أزياء الأعراس. عملت مرة فستان عرس لسيدة نابلسية كان مطرزا كله بغرزة الصليب، وعملناه كله رسمات ورد ومن أجل أنها كانت ترغب أن يكون ملونا وبزي فلسطيني، لذلك صنعته من درجات الأزرق البارد وكان رائعا وهي أيضا عندما انتهى زفافها فككت فستانها ووضعت أجزاءه في براويز وأهدته لأهلها وأهل زوجها، وأهدت الكم لأختها. وبهذه الطريقة تركت أثرا معبرا وذكرى جميلة في عائلتها خاصة أنه سيتوارث من جيل لجيل كتراث فستان عروس فلسطيني تصميم وإنتاج خالد خليل ومعروض داخل إطار في كل بيت جزء’.ـ بالنسبة للألوان والأقمشة، هل هناك لون خاص محبب لك ونوع قماش مميز عندك؟ وهل تنصح به زبائنك الذين يثقون برأيك؟* ‘أنا زبائني إجمالا حنطيون فاللون الأبيض لا يناسبنا، لأننا لدينا الأشقر ولدينا الأسمر، على الأشقر يظهر بنا زراق وعلى الأسمر يظهر بنا الشحوب، نحن يناسبنا اللون الدافئ لأن بيئتنا دافئة، والذي يناسب هو السكري ودرجاته. وأنا أفضل وأميل للذهبي وللفضي، المطفي وغير لامع. بالنسبة للأقمشة، أكيد للخامات الأصلية وكما قلت لك هناك معمل عمره أكثر من 1400 سنة يصنع الحرير، وأنا أتعامل معه ويهمني جدا الأساس والأصل والتركيبة والمنظر الحرير الأصلي والدانتيلات الفرنسية’.ـ لماذا لم تؤسس معهد لتدريس تصميم الأزياء؟* ‘إن كان لدي حلم فهذا هو حلمي أن أقيم معهدا لكي نخدم أولادنا ونثقفهم بهذا العلم والفن الجميل، والرواد بيننا في المشترى وفي الذوق والمصانع الكبرى تهتم بقدرتنا الشرائية وبرأيننا، فلماذا لانصقلها بشكل صحيح؟ ولماذا لا نحضرها على مستوى يفوق العالم بما أنه لدينا الإمكانيات؟ هذا هو حلمي. qmaqpt