تونس؛ الأربعاء 6 فيفري 2013؛ السّادسة صباحا، والشّمس لم تشرق بعدُ؛ عصفورٌ يحطّ على سطح عمارة؛ وليس على السّطح حَبٌّ يلتقطه؛ فلماذا يبدأ صباحَه كسلانَا، ولا يضرب بجناحيه في السّماء بعيدا، ويطير؟ العصفور لا يأبه للمطر، ولا ينفض حبّاتِ الماء عن ريشه… ريشُه أحمرُ قانٍ، على غير ألوان العصافير المألوفة الشّائعة التي تملأ سماء تونس؛ فمن أين يأتي، وإلى أين يذهب؟ مضت ساعة أو ساعتان؛ فما بال العصفور العجيب لا يطير؟ كأنّه لم يدرك أنّ النّهار بان، أو كأنّه على ميعاد، فلا يأبه للوقت يمضي أو يجيء… دوّت في الجوّ رصاصةٌ، جفلت لها الطّيور، ومرقت في الفضاء المغيّم، لا تلوي على شيء؛ والعصفور الأحمر جاثم، كأنّه لم يسمع، أو كأنّه سمع وكَرِه أن يهرب، أو كأنّه ألِفَ صوتَ الرّعد إذا دمدم؛ فما لطلقةٍ أن تهزّ قلبَه؛ وما بالُ القاتلِ لم يستعمل كاتمَ صوت؟ كأنّه أراد أن تسمعَ الدّنيا صوتَ جريمته؛ وهل للجريمة صوتٌ، مهما علا؟ كأنّ الرّجل هناك مات، وكأنّ العينين الواسعتين لم تموتا، وكأنّهما لا تحيدان عن العصفور الذي يأبى أن يطير، وكأنّهما تتملّيان السّماء المضمّخة بالماء؛ فما بال السّماء تَحْبِسُ ماءَها ولا تفيض؟ كأنّ الرّجل مات، ولكنّه لم يُطْبِقْ جفنيه؛ أو كأنّه كان يريد أن يُطبق جفونه على مِلْءِ البلاد بشمسها وبحرها وسمائها وناسِها… سيّارة الإسعاف تأخذ الرّجل وتمضي؛ لو هدأتِ الأصواتُ قليلا، ربّما سمعوه يوشوش، دون أن يحرّك شفتيه:’انتظروا قليلا، لا تقفلوا البوّابة ورائي؛ ما أجمل سماء بلادي!’… الآن، ينفض العصفورُ عن ريشه حبّاتِ الماء ويطير؛ هل أدرك ميعادَه؟ أم طار، وقد أدرك أنّ النّهار بان؟ ثمّة أزهارٌ تفتح أكمامَها للشّمس إذا طلعتْ؛ وثمّة أزهارٌ تطوي أكمامَها إذا النّور بان… العصفور يشرّق ويغرّب؛ كأنّه لا يدري إلى أين يطير؛ أو كأنّه يدري، وأنا لا أدري؛ أو كأنّه مكلومٌ، ينوء بحزنه وشجنه؛ وقد ثقلا على جناحيه الصّغيرين… لو رفع القاتل عينيه إلى السّماء المثقّلة بالماء، لرأى عصفورا أحمر قانيا، على غير ألوان العصافير المألوفة الشّائعة التي تملأ سماء تونس، يذهب تحت المطر وحيدا؛ ولكن كيف للقاتل أن يرفع عينيه، وهو لا يعرف لون السّماء؟ لا أدري لماذا غفلت الكاميرات في مقبرة الجلاّز عن ذلك العصفور الأحمر القاني الذي حطّ على غصن شجرة. هو أيضا كان يودّع صاحبَه! الصّحبي الوهايبي[email protected]