محمد بوعبد الله لعل الكثيرين يتذكرون تصريحات الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة، عقب إعلان الجهات المشرفة على انتخابات العام 1999 عن فوزه بمنصب الرئاسة، والتي وعد فيها بدستور جديد للجزائريين لا يكون على غرار الدساتير السابقة، أي بمعنى أنه لن يكون بمنطق دستور على مقاس كل رئيس يقف وراءه. ولكن حكم الرئيس نفسه من يومها إلى يومنا هذا بعد أربع عشرة سنة كاملة، لم يأت بدستور بل اقتصر على تعديل دستوري محدود للغاية، لم يشذ عن منطق المقاس الذي شهد به بوتفليقة على سابقيه من الرؤساء.ثمة جزئية تكمن في هذا الطرح بخصوص الدستور الجزائري الجديد الذي طال انتظاره، من شأنها أن تجنبنا أي حديث حول جعله على مقاس الرئيس نفسه، أيا كان الرئيس المقبل، وهو أن النظام البرلماني سيغنينا عن هذا المنطق في النظر إلى دستور هو ملك للجزائريين كافة، وليس ملك أي فرد مهما كانت مكانته السياسية في البلد، ذلك أن مثل هذا النظام.لن يتضمن صلاحيات واسعة للرئيس الذي يهيمن حاليا على السلطة التنفيذية، مثلما هو حاصل في الأنظمة الرئاسية المنسوجة دساتيرها على مقاس الرئيس.لقد رأينا في الجزائر كيف أن البرلمان الذي يمثل جميع فئات الشعب نظريا، قد تم تفريغه من محتواه بإبعاده عن انشغالات الجزائريين وأمهات القضايا المصيرية، بل إن جميع الأحزاب تقريبا لم تتردد في الجهر بتأييدها لبرنامج رئيس الجمهورية، وحتى تلك الجديدة الناشئة لتوها، لا ينطق لسان حال أكثرها أول ما تخرج إلى الحياة السياسية إلا بشعار دعم برنامج الرئيس، كأنما هي حزب واحد برؤوس متعددة لا مشروع سياسي لها للتنافس الحر النزيه، ولا برنامج لها للنهوض بالجزائر إلا ما أتى به الرئيس منذ أكثر من عقد، وهو ما كان له كبير الأثر في أداء ‘نواب الشعب’ الذين لا صوت لهم غير صوت الأحزاب الذي هو المرجعية في التصويت، وبالتالي ما الحاجة إلى برلمان يزكي كل شيء من الحكومة، مع أنه يكلف خزينة الدولة أموالا طائلة شهريا؟!. ما يحدث في شمال مالي لحد الآن وما حصل في جنوب الجزائر قبل أسابيع، وبالخصوص تلك القرارات التي جعل أصحابها عامة الجزائريين، بل حتى خاصتهم أيضا، خارج الحسابات السيادية للبلد، والتي أصبحت مرتهنة بشكل واضح لدى المستعمر السابق فرنسا، يؤكد بما لا يترك مجالا للشك أن النظام الرئاسي في دول غير مشبعة بثقافة الديموقراطية الحقيقية، كما هو حال الجزائر أنموذجا، هو نظام منغلق على نفسه مع الرأي العام الداخلي، لكنه وللمفارقة منفتح على الأجنبي إلى غاية تسليمه بعضا من مفاتيح الأمن القومي والسيادة الوطنية، دون الحصول على إذن من الشعب أو تأييد واسع منه ومن الطبقة السياسية، وهو ما كنا لنراه لو تعلق الأمر بالسيادة الفرنسية التي تمر القرارات حولها بشفافية ووضوح عبر مؤسسات الدولة المتكاملة، بما في ذلك المؤسسة الإعلامية والرأي العام المحلي.إن النظام البرلماني لا يسمح، نظريا على الأقل، بانفراد شخص واحد أو جهة معينة باتخاذ قرارات مصيرية، لا سيما في دولة مثل الجزائر، يؤدي فيها النظام الرئاسي إلى إقصاء المؤسسات الدستورية الأخرى من صناعة القرار الداخلي والخارجي، أو تجاهل وجودها الذي يكون في الغالب شكليا، إذ لا توجد معارضة حقيقية فعلية قادرة على مجاراة أي استبداد بالحكم أو بآلياته من قبل السلطة التنفيذية، فضلا عن أن تكون هناك قنوات اتصال بين الحاكم والمحكوم، وهو ما يمكن أن يضمنه النظام البرلماني بطبيعته التي تفرض تنافسا شديدا بين مختلف الأحزاب، وتضع للرئيس صلاحيات محدودة جدا قد تجعل هذا المنصب شرفيا أحيانا. إن الوضع الذي آل إليه البرلمان الجزائري بغرفتيه، يجعل أي حديث عن التأكيد على نظام رئاسي مستقبلا هو من قبيل تكريس وضع قائم حاليا، يحرم الشعب من حقه في المشاركة في الحكم عبر ممثلين مخلصين لبرامجهم ومواقفهم الوطنية، ولديهم صلاحيات واسعة ليس في محاسبة الحكومة وحسب، بل أيضا في صناعة القرار برفض ما ينبغي رفضه ومراقبة عمل الوزراء بشكل دائم، وحتى إسقاط الحكومات التي تخرج عن عصا طاعة الشعب وما يريده من المسؤولين على شؤونه، وهو ما لم نراه سابقا في غياب مؤسسات لمراقبة الحكومات المتعاقبة ومحاسبتها على ملفات الفساد وأدائها خلال فترة إدارتها للحكم. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الشعب هو سيد دستوره، وصاحب القرار الأخير في اختيار ما يناسبه من دستور، والمرجع الوحيد في منح الشرعية للدستور من خلال استفتاء شعبي، فالأمر لا يقتصر على مئات من الأشخاص يمثلون حاليا أقل من نصف عدد الناخبين المفترضين، بغض النظر عن الشكوك التي صدرت عن أكثر من جهة حول نزاهة الانتخابات النيابية السابقة، وحتى لو افترضنا أن نواب البرلمان وصلوا إلى السلطة التشريعية من خلال صندوق شفاف غاية الشفافية، فإن من حق الشعب أن يقرر دستوره بسيادة من دون وسيط وصي عليه، لأن مصلحة البلد تقتضي إشراك الجميع وليس الانفراد باتخاذ قرارات حاسمة.لم يتبق للانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر سوى 13 شهرا، وهي فترة قصيرة جدا ينبغي أن تحسم الأمور فيها بشكل واضح لا لبس فيه حول الدستور الجديد، وهناك خياران قد لا يكون لهما ثالث، أولهما أن يتم التعجيل بطرحه للمناقشة والإستشارة لجميع التيارات والأحزاب، والأخذ بما تراه بخصوص هذا المشروع الذي يعني جميع الجزائريين، وعرضه لاحقا على الاستفتاء الشعبي تمهيدا لانتخابات العام المقبل، إن تم الإبقاء على النظام الرئاسي طبعا، أو إجراء انتخابات عامة في حال الإحتكام إلى نظام برلماني. أما الخيار الثاني فهو أن يتم تأجيل المشروع بحكم الوقت القليل المتبقي أمام الانتخابات الرئاسية، حتى لا يفوت الجزائريين اختيار رئيسهم، ويفي هذا الأخير المنتخب بوعد يقطعه على نفسه أمام الشعب ومؤسسات الدولة بإعداد دستور يشارك فيه الجميع خلال فترة تكون محددة سلفا، ويكون الشعب هو الفيصل في قبوله أو رفضه من خلال استفتاء تشرف عليه جميع التشكيلات السياسية.’ صحفي جزائري مقيم حاليا في إيرانqmdqpt