تونس: ‘الزنقة وقفت للهارب’ النهضوي

حجم الخط
0

مالك التريكيأدرك الرأي العام في تونس بصفة فورية أن مسعى السيد حمادي الجبالي إلى تشكيل ‘حكومة كفاءات’ لا-حزبية تتولى تسيير شؤون الدولة، ريثما يتسنى عقد انتخابات برلمانية تعقب إتمام الدستور، هو أقل الحلول سوءا لانتشال البلاد من ‘الزنقة’ (الزقاق أو المأزق) السياسية الحالية. ذلك أن السيد الجبالي قد أيقن بعد أشهر من الهروب الحكومي إلى الأمام أن ‘الزنقة وقفت للهارب’، كما يقول المثل التونسي، فاحتكم إلى ضميره وتحمل مسؤوليته. ورغم أن الهارب النهضوي واسع الخيال في التخويف من عودة الأوتوقراط في ركاب التكنوقراط، وشكلاني الموقف في العض على ‘الشرعية’ بالنواجذ، فإن الرأي العام لم تنطل عليه حيل الحجاج التبريري. ولهذا حتى لو حدث أن قبلت النهضة مبادرة السيد الجبالي آخر الأمر، فإن مماطلاتها ومساوماتها طيلة هذه الفترة قد أكدت للرأي العام أن قياداتها إنما يجنحون بشكل شبه آلي إلى التضحية بمبدأ المصلحة الوطنية كلما تعارض مع منطق الغنيمة الحزبية. صحيح أن هذا المسعى أتى متأخرا، أي بعد حوالي عام من تورط البلاد في مأزق من انعدام الحلول. مأزق خطير يمكن إرجاع أسبابه الكثيرة إلى سببين أساسيين. السبب الأول هو أن انطلاقة البلاد بعد الثورة كانت انطلاقة خاطئة (بالمعنى الذي أشاعه روني ديمون أوائل الستينيات في كتابه الشهير ‘إفريقيا السوداء: الانطلاقة الخاطئة’). فقد أصابت تونس عندما أرادت أن تكون ثورتها الشعبية مبتدأ ومبدأ لإعادة التأسيس الجمهوري. ولكنها أخطأت جسيم الخطأ عندما أسندت أولى مهام إعادة التأسيس، أي وضع الدستور، إلى مجرد أحزاب سياسية ما تفتأ تحسب وتعيد وتضرب أخماسا في أسداس. بهذا تحولت اللحظة الوطنية الاستثنائية التي نادرا ما يجود بها تاريخ الأمم ـ لحظة التعبير الصافي عن روح الإجماع الوطني ـ إلى فرصة للمناكفات الإيديولوجية، أي إلى مجرد تمرين في التجاذب السياسي و’التدافع’ الحزبي.وهنا نأتي إلى السبب الأساسي الثاني. ذلك أن نظرية ‘التدافع’، حسبما طبقتها النهضة في البرلمان وطبقتها حكومتها في البلاد، ليست مستوحاة من القرآن الكريم مثلما يظن. حيث أنه لا ‘تدافع’ في النص القرآني، بل كلتا الآيتين تقولان: ‘ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعضô’. بل الأرجح أن النظرية مستوحاة من ملاحم ‘التكوير’ في البطحاء. أي أنها مستلهمة من أسلوب اللعب الخشن في كرة القدم الذي يعده بعض المدربين من قبيل الفحولة الرياضية، والذي يسمى في العامية التونسية ‘دزّان كتف’، أي التدافع بالأكتاف!ومؤدى هذه النظرية هو ترك الحبل على الغارب لمختلف القوى الاجتماعية والسياسية تتدبر أمرها وتجرب حظها وتسعى لمآربها، نبيلة كانت أم خسيسة، سعيها. ولا يذهبن الظن إلى أن عالم الغاب هذا يفتقر إلى حكم منصف يرجع إليه ‘المتدافعون’. بل المطمئن أن الحكم موجود. إنه ميزان القوىô المبرمج طبعا لأن يقضي دوما بأن البقاء للأقوى. وبما أن لضرورة البقاء أحكاما شتى تتراوح من التحريض إلى العنف فاغتيال المناضلين الأحرار، فقد صح القول إن أزمة تونس اليوم إنما هي من عواقب الإعمال الرسمي لنظرية التدافع. على أن العجيب أن هذه النظرية، التي يقول بها السيد راشد الغنوشي، لا تزال تنسب، في شبه إجماع ‘لا مفكر فيه’، إلى القرآن الكريم بينما هي في حقيقة الأمر نظرية ثابتة النسب إلى الداروينية الاجتماعية، أي إلى ‘حكم القوي على الضعيف’!qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية