بعد كل جولة مصالحة، تبدأ جولة جديدة من الاتهامات بين حركتي فتح وحماس، وكل طرف يحاول أن يحشد الرأي العام مع روايته، حتى وصل المواطن الفلسطيني إلى حالة من اليأس والإحباط وعدم الاكتراث بالحوار ونتائجه وبالمصالحة ومخرجاتها.فما هي أسرار إخفاق النخبة الفلسطينية من عدم تحقيق المصالحة؟ ومن هي أطراف الانقسام الحقيقية؟ أولاً: أسرار إخفاق النخبة الفلسطينية من عدم تحقيق المصالحة. كثيراً ما كتبنا عن أسباب الانقسام، والملفات الشائكة بين حركتي حماس وفتح، واليوم نتحدث عن أهم أسرار فشل النخبة السياسية في فلسطين من عدم إنهاء الانقسام والتي تتمثل في:1- الدولة الفلسطينية: على الرغم من القرار الأممي الأخير الذي اعترف بفلسطين دولة مراقب غير عضو، إلا أن الدولة الفلسطينية ما زالت غارقة بإشكالية استقلال القرار السياسي الفلسطيني، ومدى خضوعه لتأثيرات خارجية قد تعيق انجاز المصالحة الفلسطينية، بالإضافة إلى البيئة الدولية للنظام السياسي الفلسطيني وتفاعلات علاقاته الدولية، لبقاء الدولة الفلسطينية في حدود دورها الوظيفي بحماية أمن واستقرار المنطقة وعلى رأسها إسرائيل.وتأتي زيارة باراك أوباما للمنطقة لتعزيز مسار الاستقرار وعدم انهيار مؤسسات الدولة الفلسطينية، وبالتالي تأجيل انجاز المصالحة الفلسطينية ضمن الرؤية الوطنية.ومما يحول دون انجاز المصالحة الفلسطينية عدم قدرة النخب السياسية على توفير مسـتلزمات التـــنمية السياسية، وأهمها مسألة الوحدة الوطنية والتلاحم الاجتماعي أو (المصالحة المجتمعية) الذي يعد شرطاً أساسياً لنجاح المصالحة.2- صراع النخب القديمة والنخب الجديدة وجماعات المصالح: يأخذ صراع النخب أشكال واتجاهات متعددة، ففي داخل الحزب الواحد هناك صراع بين الأجيال، وبين الأحزاب هناك صراع بين النخب تسبب في حالة استقطاب حاد بين مكونات المجتمع، وفي داخل الشريحة النخبوية الواحدة هناك عدم مرونة في التعامل مع أنماط النخب الأخرى الموجودة داخل المجتمع كالنخب الثقافية والاقتصادية والدينية والأمنية وغيرها من جهة، وقابليتها على توحيد الفعل المشترك باتجاه إحداث أي تغيير على مستوى المجتمع والدولة من جهة أخرى، وما بين هؤلاء هناك جماعات مصالح تستفيد من الانقسام، وتعمل على ديمومته واستمراره، وربما عدم وجود جماعات ضغط وطنية لإنهاء الانقسام مؤشر لنجاح جماعات المصالح.3- عملية التحول الديمقراطي: أعتقد أن العالم العربي فشل في عملية التحول الديمقراطي، لأنه استنسخ الديمقراطية الغربية ونقلها للعالم العربي الإسلامي من دون أن تتكيف مع الواقع الثقافي والديني للعرب والمسلمين، وبذلك أصبحت تلك الديمقراطية مشوهه، والحالة الفلسطينية جزء من الحالة العربية، وبذلك لم تستوعب حركة فتح هزيمتها في الانتخابات التشريعية عام 2006.وبعد أحداث يونيو حزيران/2007م المؤسفة، حدث الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبدأت جهود فلسطينية وإقليمية ودولية لإنهاء الانقسام، على أساس عقد انتخابات جديدة للمجلس الوطني والتشريعي والرئاسة، ولأن أزمة الثقة بين الأحزاب كبيرة، والفجوة بين البرامج السياسية والأيديولوجية عميقة، فإن البعض يخشى الاحتكام للشعب في اعتقاده أن خسارته في الانتخابات هي نهاية المطاف، وأن قبوله للاحتكام للصندوق نابع فقط من نسبة احتمالية فوزه بالانتخابات، وهذا يرجع لغياب التنمية السياسية الحقيقية لدى الشعوب العربية، ومقوماتها القائمة على مبدأ المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة والتعددية الحزبية. إن عقد انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني يضعنا أمام تحدي كبير يتمثل في سيناريو فوز حركة حماس بالمؤسسات الثلاث (الوطني-الرئاسة- التشريعي)، أو أن تفوز بأحدهما، وفي ظل أزمة الثقة وغياب ثقافة المشاركة وقبول الآخر يضعنا أما تساؤل هام حول موقف حركة فتح من النتيجة في الضفة الغربية، والعكس صحيح بالنسبة لحركة فتح، فلو فازت في الانتخابات فهل ستقبل حماس بنتائجها والعمل سوياً لتنفيذ برنامج حركة فتح الانتخابي..؟ وهنا ينبغي عدم تغييب إسرائيل من المعادلة، وخصوصاً بعد حملة الاعتقالات المسعورة في الضفة الغربية ضد كوادر حركة حماس ونوابها. وقد يذهب البعض ليسأل عن الخيارات البديلة، وأعتقد أن الحوار الوطني يجب أن يتركز على بناء برنامج وطني شامل (سياسي-اقتصادي-اجتماعي)، تلتزم كل الأطراف فيه ويعمل الجميع بشكل توافقي على تنفيذه، ومن ثم نذهب لعملية بناء مؤسساتنا السياسية من خلال التوافق، وفي حال التعذر يكون خيار الانتخابات هو الحل.ثانياً: أطراف الانقسام الحقيقية: لم يعد الانقسام فلسطينياً، وطرفيه فقط فتح وحماس، بل تجاوز ذلك، ودخل ضمن لعبة الأمم، وبدأت بعض الدول الإقليمية والدولية تغذيه، لأنه يصب في مصلحتها القومية، فهدوء الساحة الفلسطينية من أي أعمال مقاومة ضد إسرائيل يخدم نظمها السياسية، ويحافظ على استقرار الحكم فيها، أما الدول الغربية فهدفها الأول والأخير هو حماية أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة، وهذا لم يتحقق في أي مرحلة تاريخية كما هي الحالة اليوم في الضفة الغربية، فمن خلال عملية التنسيق الأمني لم يتبقى مقاوم أو سلاح بيد أبطال المقاومة، وتم تجريم هذا السلاح وهذا المال بالمحاكم الفلسطينية، ومن هنا نرى أنه كلما اقتربت المصالحة كلما زاد التدفق المالي على السلطة الفلسطينية. حسام الدجني[email protected]