إلهام الدندشياقترب اللص من النافذة واختلس نظرة إلى داخل الغرفة. ضوء القمر الخفيف جدّاً ساعده على تحديد عدد النائمين فيها. ثلاث فتيات في مقتبل العمر. الظلام يسيطر على المشهد رغم الضوء الشاحب المنهمر من القمر، ومع ذلك ثمة مسحة ثراء في كل أرجاء الغرفة لا تخطئها العين، لا سيما إذا كانت عين لصّ ٍ خبير في تقييم الموجودات، لأن ذلك من أبسط مستلزمات مهنته. الساعة تقترب من الثالثة صباحاً. دسّ يده في جيبه وأخرج مفتاحاً رئيسياً مخصصاً لفتح عدد كبير جدّاً من الأقفال. وضعه في القفل وراح يعالجه، وسرعان ما انشرح صدره فقد انفتح القفل بسرعة لم يكن يتوقعها. دفع الباب بمنتهى الهدوء والحرص. لم يكن يريد أن يحدث الباب أي صوت قد يتناهى إلى أسماع الفتيات النائمات أو إلى أسماع والديهنّ. كان يريد أن يدخل البيت بهدوء منقطع النظير وهذا ما هو متوقع طبعاً عندما يدور الحديث عن لصوص المنازل، وكان له ما أراد، وبعبارة أدقّ: كاد أن يكون له ما أراد، إذ أحس بأن انفتاح الباب كان أسرع من دَفـْـعة يده الحريصة، وأحس بياقته تتجمع في قبضة غير مرئية لوّحَتْ به وطرحته على الأرض بعنف آلمه وأصاب جسده برضوض. وقبل أن يتمكن من إدراك ما حدث، عمّ النور المكان على حين غرّة ورأى أمامه وهو مطروح على ظهره ثلاثة أشخاص أشدّاء يقفون خلف شخص طويل القامة عريض المنكبين مفتول الساعدين هو الذي أمسك بياقة قميصه على الأرجح ودفعه تلك الدفعة القوية التي طرحته أرضاً عندما فتح الباب بحرص وتؤدة. لم تكن ملامح الرجال حوله تشي بأية مشاعر. كانت وجوههم جامدة التعابير، وبدوا وكأنهم كانوا ينتظرون أوامر من جهة غير معلومة. تقدّم الشخص ذو الساعدين المفتولين منه وأمسكه من ياقته بالطريقة نفسها التي أحسّ بها لحظة دخوله، أو محاولته الدخول. رفعه بيسر ٍ في الهواء حتى كاد يحس بأن قدميه تتأرجحان، ورماه هذه المرّة على كرسيّ قريب ٍ منه لكنّ الكرسيّ تحطم تحت ثقل جسمه وقوّة الدفعة التي رماه بها. أحسّ بالآلام في أطرافه كلها وفي جسده، وكان في مقدوره أن يحزر بأن الرضوض ملأت جسمه، إذ كانت كل حركة يحاول أن يبذلها للنهوض تسبب له ألماً في مواقع كثيرة من جسمه. ماذا يريد هؤلاء الرجال الأشدّاء ولماذا عامله أحدهم بعنف شديد ٍ مرّتين حتى الآن؟ حسناً، إنه يعترف بأن دخوله هذا البيت كان بدافع السرقة، وأنه استرق النظر من النافذة ليرى إن كان ثمة أي نور في داخل المنزل يدلّ على وجود مستيقظ. وهو يعترف بأن مهمته مُنـِيَتْ بالفشل وأن أصحاب المنزل قبضوا عليه بالجرم المشهود وليس في مقدوره إنكار ذلك. ولكنه في المقابل يتوقع أن يقوم صاحب ُ، أو أصحابُ، المنزل بتسليمه لرجال الشرطة الذين سيحتجزونه ريثما يتم تقديمه للمحاكمة وقد يحكم القاضي بسجنه عدة سنوات، لا أن يتعرّض للعنف الشديد والاضطهاد على أيدي مَن اعتقلوه، أيّاً كان ذنبه. تقدّم الشخص منه مرّة أخرى فأحس بقشعريرة الخوف تعتري بدَنه. حاول أن يتحرّك وينهض ليهرب من قبضته الحديدية لكنّ جسده خانه تحت ثقل الآلام والرضوض. وخلافاً لكل توقعاته، أعطاه الرجلُ يدَه برفق ٍ ليساعده على النهوض. لم يصدّق عينيه. وتساءل في دخيلة نفسه: ‘هل ندم على تصرّفه الوحشي معي؟ أم أنصت لتأنيب ضميره؟ وهل هبط الحنانُ عليه فجأة؟ أم أحسّ أنه تمادى في ضربي؟ ‘. بيد أن الرجل أنهضه برفق ٍ فعلا ً وساعده على الجلوس على كرسيّ ٍ آخر قريب ٍ وراح بكلّ دماثة ٍ ينفض الغبار عن ثيابه بعناية حتى أحسّ بأنه سيعتذر عمّـا بدر منه من عنف. لكنّ الرجل وخلافاً لتوقعاته هذه المرّة أيضاً باغته بلكمة ٍ خاطفة أحسّ بعدها بأن الدم تدفق في فمه من جرّائها. دارت الدنيا برأسه، وتحت وطأة الألم الشديد الذي عصف بفـكـّه وآلام الرضوض التي انتشرت في جسده، غامت الدنيا في عينيه وأراد أن يحتجّ على هذا العنف المفرط، وأن يسأل الرجل لِـمَ لا يقوم بتسليمه إلى رجال الشرطة كما هو متوقع في مثل هذه الحالات. أراد أن يقول: ‘أعترف بأنني لصّ، وأعترف بأنني أخطأتُ بحقكم ولكنني لم أسرق منكم شيئاً. لم تخسروا شيئاً ومع ذلك أقرّ بجُرمي، فدعوا القضاء يأخذ مجراه’.أراد أن يقول كلّ ذلك، لكنّ الدمَ كان أسرع إلى فمه من الكلمات فخرج من شفتيه في دفعات قصيرة ولوّث ذقنه وعنقه وقميصه. وهنا تقدّم منه اثنان من الرجال الثلاثة الباقين والذين كانوا قد اكتفوا حتى هذه اللحظة بالمراقبة، وراحا يجففان الدم الذي سال على ذقنه وعنقه بمناديل ورقية رطبة ومعقمة استطاع رغم شعوره بالإعياء أن يشمّ رائحتها العطرية النفـّاذة. ثم أحضر أحدهما إناء مليئاً بـِكـُرات ٍ صغيرة من القطن راح يدسّها في فمه حتى سدّته تماماً وقمعت صرخة احتجاجية بدرتْ منه تحت وطأة ألم ٍ شديد في أسنانه، ربما كان ناجماً عن تحطم سنّ ٍ أو اثنتين بفعل تلك اللكمة المباغتة الصاعقة التي وجّهها الشخص الأول إلى فكـّه حين تظاهر بأنه كان ينفض الغبار عن ثيابه. ثم قام الرجل الثاني بوضع عدّة أشرطة لاصقة على فمه للمحافظة على بقاء الكـُرات فيه. أراد أن يحتجّ على ذلك وأن يسأل ما المقصود من ذلك العمل المريب. وطبعاً لم يدر في خلده قـَطّ، رغم أنه سيرى ذلك بعينين مذعورتين وألم ٍ لا يُطاق دون أن يتمكن من الصراخ لوجود الكرات داخل فمه، انهما سيقومان بربطه بإحكام إلى عامود في وسط المدخل وسيقوم الثالث بإحضار طاولة تسير على دواليب عليها عدد لا بأس به من المشارط والمباضع الطبية الماضية، بعدها سيقوم الرجال الأربعة باختيار الأدوات التي تروق لهم والتناوب على غرزها في جسمه وسحبها منه مصحوبة بشظايا من لحمه. ولن يتسنى له طبعاً أن يدرك أن جثته ستـُلقى لعدد من الذئاب الجائعة التي يربّيها هؤلاء الرجال المجبولون بالسّـاديّة لإجراء تجارب عليها في قبو ذلك المنزل المحاط بمسحة من الثراء لا تخطئها العين.* قاصة سورية مقيمة في المملكة المتحدةqad