زُلَيُخَة أبوريشة جميعُ الأنظمة العربيّة مرشَّحة ‘لربيعٍ’ ما، لا يعصمُها منه انتخابات ولا إصلاحٌ بطيء، ولا حتى حوارات يتواضعُ فيها الرأسُ ليجالسَ سائر أعضاء البدن! والأصحُّ أنَّ هذه الأنظمة لا تدري متى يطرقُ البابَ غولُ الأزمة (يُحبُّ بعضُ المعارضة تسميتها ‘ثورة’)، ولا متى تدخل مع شعوبها طريقَ اللاعودة. فالوطنُ العربي برمَّته الآن على كفِّ عفريتٍ، أحياناً بسبب الجِلد السميك الذي للأنظمة، وأحياناً السمع الثقيل وما يتلوه من انعدام تواصل، وأحياناً الاتّكال على آلة البطش وإعدادها بما يفي بسحق مبادرات التأفُّف قبل صدورها من النفوس، وأحياناً الفهلوة السياسيّة في إدارة الأزمة…..وكل ذلك مجتمعاً معظم الأحيان..ومع ذلك وقبله وبعده طبيعةٌ عميقةٌ للطغيانِ تستبدُّ بمصائر الأمم رغم أنفها لصالح سيستمٍ متهالكٍ تنخره الأمراضُ المزمنةُ والشيخوخةُ في أرذلِ أطوارها.وبذا لن نكون، نحنُ في الأردنِّ، استثناء من قاعدة الدومينو هذه، ما دمنا لم نصل إلى برٍّ في اللعبة السياسية التي يدارُ الصراعُ فيها بآلتين: الجمود والتحايل. الجمود في التعاطي مع متغيرات، والتحايل على المشكلة بنفي وجودها، وفي أحسن الأحوال بتصغيره والتقليل من شأنه.والأزمة التي رُميت في وجه الأردن بالأمس صبيحة الظهور المتعثر والبائس للانتخابات، من التشكيك بسلامتها، لا من المعارضة واليسار المدمن على المعارضة، بل من رموز النظام نفسه، وأفرادٍ عملت في السرِّ وفي العلن على خدمته والاستفادة منه….. هذه الأزمة تطالبُ باستحقاقاتها: وأولها أننا لم نعد بمنأىً عن الزلازل التي تدك الجوار. فقيمة الحركة الأخيرة لباشا التيار الوطني، قاصمة الظهر، مع تصريحات غير تقليدية لبعض الراسبين في الانتخابات، تتجلى في أنها تتشكَّلُ على أيدي شخصياتٍ ذاتِ علوِّ كعبٍ عند الدولة. فلن تكون عابرةً استقالةُ المجالي من النواب، ولا إغلاقُ مقار حزبه في المحافظات، ذلك أنها رمت القفاز في وجه الخصم، معلنة حرباً، والخصمُ هنا ويا للغرابة الدولة، أو النظام.طبعاً لن نتوقع انضمام التيار الوطني ومن في مثل وضعه من الارتياب بنتائج الانتخابات من أهل النظام ورجاله، إلى المعارضة التقليدية (الإخوان واليسار)، ولا المعارضة الجديدة المتمثلة بشباب الحَراك. مع أن المعارضتين مستفيدتان من هذا القلق الجديد. ولكنا نتوقع ضغطاً جديداً إضافياً على النظام لإجراء تعديلٍ على المسار الجديد في التعاطي معهما.قيمة الأزمة التي نشبت بعد الانتخابات أنها تؤشِّرُ بجلاءٍ إلى تغيُّرٍ جذريٍّ في استراتيجيات الدعم الذي توليه الدولة أو النظام لبعض اللاعبين على حساب لاعبين آخرين. وما الأسئلة التي طرحها ارشيدات حول ظهور سياسيٍّ مفاجئٍ لحزبٍ وسطي إسلاميٍّ، إلا شرارةً في هشيمِ الأسئلة التي تفتحُ ملفات المسكوتِ عنه، والمتواري في الأروقة غير المنظورة لصنع القرار. مع العلم أن الوقت الضائع قد شارف على الانتهاء فدعونا لا نفقد الأمل.’ كاتبة اردنيةqmdqpt