(إلى الثورة السورية)حسين سليمانكـُـتـب عن موضوع موت الرواية من الكثرة ما يجعلني أصمت- ربما لو كنت أصمت لكان أجدى!- وما قاله الكبار الذين ببصيرتهم تنبأوا بموت هذا النوع الأدبي، الأدب والفنون عموما- وإن نرى أن الراوية مازالت تشتغل عليها المكتبات- في أغلب الأحيان الروايات الأكثر مبيعا- ولا نعدد هنا الكم الهائل نسبيا الذي يصدر في الوطن العربي بل في العالم أيضا، كون العمل الروائي امتزج بشكل صناعي براغماتي بالعمل السينمائي، جعل الكثيرين من الأدباء الحقيقيين يتوقفون عن الكتابة الروائية ويراجعون الموقف العام. لكن لماذا بالبدء- وأنا على علم خفي بما سيقوله هؤلاء، لماذا رحت أفكر بكتابة هذا النوع الأدبي؟أدرك الفكرة الجرئية التي طرحها المنظر والمتأمل ‘إزفولد شبنجلر’ في الأعوام 1913 / 1919 /1927 حين أشار إلى: أن الأدب في نهاياته وكل اكتشاف أدبي علمي مقبل هو اكتشاف يشارف على النهاية أو قد شارفها وانتهى، وما نراه اليوم ليس سوى فعاليات تقنية وتطبيقات، وعلى شباب اليوم العزوف عن الفن والأدب والاتجاه إلى التقنية. لكنني بالأساس تقني وها أنا أدرك مايقوله هذا المنظر الذي توقع في بداية الثورة البلشفية أنها لن تدوم أكثر من سبعين عاما وستنهض بعدها ردات دينية كاذبة، وهو مانراه حولنا الآن، ومع هذا اندفعُ إلى الرواية والسبب الغامض هو ما يدفعني، فهل هي النفس أم الأنا المحبطة التي لم تملك ما أرادته، أم أنه الغموض نفسه، غير المعرف، الميتافيزيقي.مايحدث في عالمنا يمكن إدراكه بطريقتين، إحداهما طريقة معقدة مركبة ولا سبيل إلى فهمها بشكل مباشر إلا من مبدأ المتح التجريدي الذي ينتهجه العقل، والثانية هي طريقة بسيطة لكنها غير مرئية، حاضرة لكنها لا تدرك، كسقوط التفاحة على سبيل المثال والتي تحتاج إلى آلة باطنية جبارة لاكتشاف سبب سقوطها. الفرق بين الطريقتين هو الفرق بين العالم التقاني وبين الفنان. نيوتن لم يكن عالما حين أدرك وانتبه إلى معنى سقوط التفاحة، بل كان في تلك اللحظة فنانا، ثم بعد ذلك انتحى نهج العالم يبرهن ويبحث في قانون السقوط، ثم على نحو أعم يبحث في قانون الجاذبية، ولعلي أقبل أن قصة سقوط تفاحة نيوتن هي قصة موضوعة ولم تدفع نيوتن مباشرة إلى الرؤى التي دفعته نحو تحقيق قانون الجاذبية العالمي، ربما هي قصة مختلقة أو قد طرحها نيوتن للتوضيح. الذي أريد قوله هنا هو إن العقل الإنساني له مستويان، إحداهما فني والآخر تطبيقي، وبينما الجانب الفني منه هو حدسي يعتمد على شيء آخر ليس هو العقل يكون الجانب التطبيقي منه هو عقلي تجريبي من دون حدس ولا رؤيا. وبهذا الجانب الأخير، بالعقل التقني التجريبي الذي يقـّيم الأفكار التأملية بأنها أفكار لا قيمة عملية لها إن لم يتم البرهان عليها، قوبلت أفكار إزفولد شبنجلر وماكان لها إلا الإهمال وبعض الأحيان التسفيه. إلا أنه وبعد مرور أكثر من تسعين عاما عليها تبدو أنها قد أصابت قسما كبيرا من الحق.مع فكرة شبنجلر وفكرة موت الرواية أو موت الأدب كما قالها روائيون عالميون لا أجد أمامي مناصا من التصديق بأن الكلام عنها هو كلام صادق، لكن النفس ومافيها من خدع ومخاتلات لن تقبل بذلك، لأنه ثمة دفع خفي في إتجاه يستجر الغموض المغطى المظلم كي ينار بالنور الذي سلطه على سبيل المثال كتاب جاؤوا من المنطقة التي لم تساهم بشكل فعال في بناء الحضارة الغربية، مثل خوان رولفو وخوليو كاتاثار وكانت نصوصهم نصوص مستقبل لم تعرفها الحضارة الغربية. طرح شبنجلر وعالم النفس السويسري ‘ك.غ. يونغ’ فكرة قد يظن للوهلة الأولى أنها فكرة عنصرية، جاءت من مزاعم التفوق، وهي أن الخافية الشرقية (العربية) على عكس الأوربية الغربية، هي خافية مهلهلة متعبة لم يبق في داخلها من الطاقة مايكفي كي تدفع إنسانها نحو التقدم وإنتاج الجديد؛ والخافية هي مكمن الحدس والإبداع. في فكرتهما نوع من الصحة ذلك مانراه عموما في الخروجات الأدبية العربية والعلمية التطبقية. مانراه ليس سوى تقليدا لما يقوم به الغرب- وإن كان هذا واضحا أرى أنه من الواجب من ناحية أخرى- أن يكون في الجانب الآخر، في المستقبل القريب، تواجدات وولادات لانزياحات تنطلق من الانزياحات اللاتينية (الأدبية) التي حدثت في القرن الماضي في امريكا الجنوبية.العلم والأدب رأسان لجسد واحد، رأسان يقولان كلاما متطابقا وفي أحيان كثيرة نجد أن ما يقوله الأدب يفوق مايقوله العلم بل يتقدمه بخطوات استباقية، فالأدب يذهب في ثرثرته الميتافيزيقية التخيلية إلى حدود لا يذهب إليها العلم الذي يتمنى أن يشير إليها في فرص كثيرة لكنه لا يقولها لأنه يفقد التطبيقات والبراهين لإثباتها. الأدب من ناحية أخرى يمد خطواته نحو المستقبل الممكن، ينبض بحيوية خفية يومئ بها إلى ما سيأتي. من هذه الفكرة التي تشتري المستقبل بأموال الماضي نمد خطوات شكوكة تتردد بين سرفانتس وغوتيه وفلوبير حتى جيمس جويس، قائلين أن ما قدمه هؤلاء من أدب روائي هو ملك للحضارة الغربية وقد أمسى الآن من تاريخ الأدب، وخطوات أخرى (شكوكة) تتردد بين أدب قادم ذي سحنة لا تنتمي للأدب الغربي بقدر ما تنتمي إلى الممكن القادم والذي بطبيعته المتوقعة هو شرقي بحت، ربما ينبع في الصين التي تزعمت في الزمن الفائت أفكار التصوف والميتافيزيقا والأديان في محاولة منها لإدراك العالم القديم والكون المحدث الذي كان مادة ميثولوجيا كبرى في الفكر البدائي. وهذا التزعم هو بطريقة أو بأخرى تزعمنا أيضا، حيث الكرة الغربية لن تـُـنقل روحيا إلى تلك المصاف البعيدة من دون المرور بالأرض الوسط، أي بأرضنا، وهو مرور سيمنح الروح الشرقية المتوسطية فرصة التعبير عن نفسها مرة أخرى وبشكل جديد، وهي فرصة ليست أدبية فنية فقط بل هي علمية وسياسية ومادية، وهذا برأيي ما تظهره الثورات الحالية والتي يغبن البعض عليها منبعها الباطني الوطني ويقلل من قيمتها النفسية بربطها بالرباط الذي لا يريدون نزعه عن الأذهان، يتصورنه رباطا امبرياليا صهيونيا يحيك المؤامرة الكبرى، وما المؤامرة سوى مؤامرت ذاك البعض وجهلهم وعدم قدرتهم على الوقوف في وجه الحقيقة التي تضمر أكثر مما تظهر- العالم متداخل متراكب ولا يصح النظر إليه من جانب بسيط وحيد.من هذا المنطلق سيكون موت الرواية هو موضوعا غربيا وليس عالميا، ففي المحمل العام / الحضاري منه، عبّرت أوربا وامريكا عن الفكرة الغربية بامتياز، وذلك عن طريق العلم والفن والأدب والموسيقى، وانتهى مافي جعبتيهما من موارد، وطريقة التعبير ـ الأدبي منها والتي مازالت مستساغة الآن، الكلاسيكي منها، في عالمنا والتي خير مثال عليها هي نجيب محفوظ هي طريقة قد انتهت تاريخيا. حتى لو جاء فنان أكثر رهافة وأكبر حرفة من دافنشي وحقق مائة جوكندا فإنه ستبقى الإشارة إلى الجوكندا الأولى وصاحبها ليوناردو دافنشي على أنها اللوحة التي حولت مسار الفن التصويري. وكذا الأمر ينطبق على النواحي الأخرى من أدب وموسيقى وفنون بشكل عام. الفرصة السانحة الآن هي فرصة الحرية، الحرية النفسية، رفض عوائق التربية ورفض الارتباطات الغربية، هي فرصة أن يعود الفرد إلى أعماقه وينتبه إلى ما ينام فيها ويحثها على الاستيقاظ بعيدا عن القوى الأخرى التي أنهكتها وآلمتها وجعلتها طريحة سجن جعلت من البعض في وقت ما يفكر أن لا أبواب فيه، سجن مصمت مميت.ما يقوم به الربيع العربي الآن هو البداية لرحلة طويلة، يظهر تخبطها في خطواتها الأولى والتي ستزعزع يقين الكثيرين (المتسرعين) أن ما يجري هو فوضى، حيث- ليكن في العلم، أنه لا فوضى في العالم، لا فوضى في الكون، وما نحسبه فوضى هي ليست سوى حركة معقدة لا تستطيع عقولنا المتواضعة وضعها داخل مقاييسها البدائية. [email protected]