كنت أتابع لقاءً متلفزاً مع نقيب الفنانين في إحدى الدول العربية، كنوع من كسر الروتين اليومي بحثاً عن مهرب من صداع السياسة، عندما صدمتني إجابة النقيب رداً على سؤال المذيع: ما هو سبب تدني مستوى المسلسلات والأفلام العربية؟ كانت الإجابة سريعة وفاضحة: الخلل في الشعب.أُصِبتُ يومها بصداعٍ مدمن لا رجاء بشفائه ما بقي حال المسؤولين من هذا النمط، ويزيد الصداع تباعاً كلما زادت المفارقات بين ثقافتي القيادة عندنا وعند خَلْقِ الله الآخرين. شاهدتُ الرئيس الفرنسيّ وهو يركب دراجة هوائية في شوارع باريس، ورأيتُ تشي غيفارا وزير الاقتصاد يدفع عربة تراب وهو عاري الصدر، وسمعت عن رئيس أورغواي الذي يتقاضى 1250 دولارا كراتب شهري ويقود سيارة خنفساء أكل عليها الدهر وشرب. وكم تفاجأتُ عندما ذَكرَ أحد وزرائنا أن زيارته لرومانيا تزامنت مع خطة تقشف تنفذها الحكومة الرومانية، ولهذا كان مصعد الوزارة الكهربائي متوقفاً عن العمل، كما اعتذر نظيرُهُ الروماني عن تغطية حكومته لفاتورة الغداء الرسمية.هذا كله يحدث عند خلق الله الآخرين، فماذا يحدثُ عندنا؟ وكيف ندير خطة تقشف حكومية؟ لقد اخترعنا وصفة سحرية للتقشف: أولاً نرمي ثلاثة عشر موظفا للشارع، وهذا من شأنه أن يضخ للمقاهي عملة صعبة مما ينعش الاقتصاد المحلي، كما سيساهم في مواجهات ساخنة بين الأزواج والزوجات تنتهي بالطلاق، وهذا أيضاً سيقلص مصروفات الأسر التي ستتقلص بفعل خروج فرد واحد على الأقل منها. ثانياً نسمح بتصدير البيض للخارج فيصل سعر الكرتونة الواحدة لدينا 22 شاقلاً مما يدعم مؤسسات القطاع الخاص. ثالثاً نرفع الضرائب ونوقف الدعم الحكومي للسلع فينكمش رغيف الخبز بحجم قرص الفلافل، وهذا سيوقف زحف الكوليسترول ويخفف السمنة، وبالتالي نقضي نهائياً على أمراض السكري والضغط المتفشية في مجتمعنا. أخيراً وليس آخراً نقسم النقابات والاتحادات فتدب الفتنة ويأكلُ الناس بعضهم بعضاً، وبهذا نتخلص من الشعب وتبقى الحكومة لوحدها في الميدان.إلى أن يتحقق ذلك، سوف تطنش الحكومة دعوات المكاشفة والمشاركة الشعبية في إدارة الأزمة، ولن تأبه لبعض الأعراض الجانبية التي ستطفو على السطح مثل: هجرة الكفاءات، زيادة نسبة الانتحار، وصول الرضى الوظيفي لنسبة صفر، فقدان الانتماء للمؤسسة أو حتى للوطن. حضرة الحكومة: الخلل في الشعب نعم. باسل أبوبكرqmn