حين يعني الخلاف على الثورة أن كلا الطرفين على خطأ

حجم الخط
0

مروان العياصرة مثلما أن الأعمال السيئة تضاعفها كلمة شريرة واحدة بحسب تعبير أمير التراجيديا وليم شكسبير فإن ( كلمة واحدة للحكماء تكفي ) بحسب أمير الكوميديا اللاتينية تتيينوس بلاوتس.ما يحدث في مصر وتونس وسوريا هو صراع فوق صفيح ساخن، أو على حد سيف لا يختار أي جرح يعانق او أي دم، وما يحدث أيضا مغالبة ومناجزة بين الكلمتين الضدين، وحتما لست أعني بذلك أن طرفاً ما هو صاحب كلمة الحكمة، فيما الآخر صاحب الكلمة الشريرة، ولكنه التوصيف العام للحالة المشحونة بالغضب والانفعال، والمشوبة بالقلق الكبير على مصير الثورة ومستقبلها، ولا أظن أحدا يستطيع الزعم بأن الثورة تعيش معالجاتها الطبيعية وتحدياتها المتوقعة، في ظل مغالبة تصل إلى حد كسر العظم بين من يعتقد العلمانية لاهوتاً سيء السمعة، ومن يعتقد الأصولية الدينية بربرية حديثة بحسب علي حرب في تواطؤ الأضداد.علمانيو تونس، ربما تجرأوا على الثورة، وقفزوا فوق عربتها وبدأوا بإحداث الثقوب في سقفها، والسؤال الذي أصبح مركزياً في الثورة التونسية ( من اغتال شكري بلعيد..؟ ) يمارس دوره بكفاءة عالية لتأجيج المشهد وتفخيخ الشارع التونسي، أما الإسلاميون الورثة الشرعيون للسلطة، فهم بين استحقاق السلطة وإعادة بناء مفهوم الدولة، والتعامل مع الأضداد وجدوا أنفسهم ينقسمون على أنفسهم، ويعطون الآخرين رصيدا إضافيا من التشكيك بقدراتهم وحتى نواياهم، واتهامهم بحادثة الاغتيال، وفوق هذا كله، في تونس ثمة صوت ما يقول ( لا يمكن للإسلاميين أن يسيروا إلى نهاية الشوط كمنتصرين ).أما في مصر، ربما لا أستطيع أن أعيد إنتاج سؤال اغتيال ( شكري بلعيد )، بالسؤال عن ( بلعيد المصري القادم )، رغم الكشف عن قائمة اغتيال أوردتها ( وثيقة فتح مصر )، ربما لقناعتي بأن مصر لديها الكثير من أوراق الضغط على السلطة، ومعارضو الرئيس والمرشد ليسوا بحاجة لفعل اغتيال كي يتم تثوير الشارع من جديد في وجه الحكم الجديد، والصوت نفسه في تونس يتردد صداه في مصر في خطاب للإسلاميين ( لا يمكن أن تسيروا إلى نهاية الشوط كمنتصرين )، فيما صوت الإسلاميين يشتد أكثر ويمعنوا في التصدي بحزم لكل الأصوات المناوئة التي تصر على عدم منحهم الفرصة التي منحتهم إياها صناديق الاقتراع.لست أفهم منطق المعارضين المصريين والتونسيين اليوم، فلو قدر لهم أن ينجحوا في الانتخابات لكان لسان حالهم بأن هذا استحقاقنا الدستوري وشرعيتنا الشعبية والثورية، لكن حين نجح الإسلاميون فالأمر مختلف، هم بين خيارين، إما ان يقاسموا الجميع السلطة، أو أن يتنحوا جانبا. لكني أفهم جيدا أن مثل هذا المنطق يدفع حتما إلى تحولات خطيرة في بنية الانتماء الديني المشروع، من الوسطية إلى التعصبية المشحونة بالكثير من الرفض، وأيضا في بنية الانتماء القومي المشروع من القومية المعتدلة، إلى ( قومجية شوفينية ) بحسب تعبير الراحل محمد أركون. الخوف على مصر وتونس يأتي من معنى مؤلم اشتملت عليه عبارة جون كينيدي حين قال ذات يوم ( من يجعلون الثورة السلمية مستحيلة يجعلون الثورة العنيفة حتمية ) وبهذا يطول الخلاف وتعصف بالبلد أسوأ الأحوال والظروف، ويصبح التفسير الوحيد لطول امد الخلاف بحسب فولتير أن ( كلا الطرفين على خطأ.. )، لكن من هو أوفر حظا في الخطأ أو الأخطاء، هذا أمر منوط بقدرة كل طرف على مبادرات التسوية وحل النزاع وعدم التصعيد، وقدرة الطرف الآخر على تحمل أعباء الاستحقاق الدستوري والشعبي والثوري أيضا.لا أدري ما الذي تعنيه ( جبهة الإنقاذ ) المصرية على لسان أمينها العام أحمد البرعي حين أعلن عن البدء بالتحضير لمليونية تحت شعار ( عاوز أشتغل ).. وبحسب توصيفه لها فإنها مطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية، في حين أن مثل هذا الإعلان وهذه الدعوة حين تأتي في أجواء مشحونة بالتأزيم، تصبح وسيلة ضغط واكتشاف خيارات تصعيدية هدفها التأثير على السلطة القائمة حاليا في البلد، فمن المعلوم أنه إذا كان للمعارضة مطالبات شعبية فعليها أولاً أن تمنح السلطة القائمة فرص العمل لتحقيق تلك العدالة الاجتماعية، وأعتقد يقينا أن تلك العدالة التي تطالب بها المعارضة يجب أن تسبقها عدالة سياسية من النوع الذي يجعل كل الأطراف معنية بنجاح السلطة المنتخبة.الحكومة في كل من مصر وتونس هي المشكلة نظرياً وليس عملياً، لأن إقالة الحكومة في مصر بحسب مطالبات المعارضة، والتعديل الوزاري أو حكومة التكنوقراط في تونس من السهل تغييرها أو تعديلها، لكن الأهم من هذا والأخطر هي الخلفية السياسية المعقدة نظريا لمثل هذا الإجراء الرسمي البسيط عملياً، وما ينطوي عليه من تنازلات لا تنتهي وغير مقبولة بالنسبة للسلطة، باعتباره إجراء لا يعني سوى وضع العصا في الدولاب. وبالعودة للعنوان المفلتر من قول ( فولتير )، ربما إذا استمر الخلاف والتنازع السياسي إلى مستوى تحقيق أهداف إزاحة الإسلاميين عن السلطة في كل من مصر وتونس وليبيا أيضا، فإنه يستحيل تفسيره إلا باعتبار كلا طرفيه على خطأ، لأن كلا الطرفين ساهما عمليا في تسليم البلاد إلى تلك ( الفوضى الخلاقة ).’ كاتب أردني qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية