تونس تختنق

حجم الخط
0

محمد كريشانما يحدث في تونس هذه الأيام محبط بلا جدال. شعب كامل يحبس أنفاسه طمعا في الخروج من أزمة طالت أكثر مما ينبغي وفريق حاكم لا يرى غضاضة في حشر البلاد والعباد في زاوية مخنقة عوض قيادتهما نحو آفاق أرحب. بعد الصدمة القاسية التي أحدثها اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في السادس من هذا الشهر وما أعقبها من حالة غضب وذهول التقطها بسرعة رئيس الحكومة حمادي الجبالي متقدما بمبادرة جسورة لتشكيل حكومة جديدة تقطع مع الانتماءات الحزبية، ما زالت البلاد تدور في نفس المربع الحائر مع أن رئيسها يقول إنها امتصت صدمة الاغتيال!! مبادرة الجبالي تفقد تدريجيا زخمها الأول بعد إصرار حركة ‘النهضة’ على إجهاضها بتعديلات تمدّ في عمر الأزمة ليس أكثر. لا أحد يقدّر على ما يبدو ما معنى أن يصل الناس في هذه البلاد إلى حالة من الخوف العام على المستقبل مع قرف واضح من الجميع. لم تفلح الطبقة الحاكمة حاليا في تونس في شيء طوال عامين فلاحها في سرقة الفرحة بالثورة والآمال الكبرى التي عُــلقت عليها لقيادة تونس نحو مرحلة جديدة عامرة بالإنجاز الاجتماعي والاقتصادي الذي يحرسه وينميه أداء ديمقراطي متميز. لقد قرف الناس الرموزَ الحاكمة ولا أحد، خارج مناصريهم الحزبيين المنضبطين، بات يتوسم فيهم خيرا أو يقدّر حسهم الوطني أو قدرتهم على مراعاة مصالح البلاد. هم جيدون بالتأكيد في تعميق المأزق وزيادة هوة الثقة والاحترام بينهم وبين قطاعات واسعة من الرأي العام، لكنهم ضعفاء جدا في النظر إلى ما هو أبعد من أنوفهم. قرف الناس المجلس الوطني التأسيسي مع أنه مؤسسة أفرزتها انتخابات رائعة في أكتوبر 2011 . بات بعض أعضائه مادة سخرية لا حدود لها وما العجب ومن بينهم مهرّجون حقيقيون لا تجدهم حتى في مدارس ابتدائية وأصحاب فلتات تصيب بالجلطة الدماغية الفورية. قرف الناس غياب الأمن وهوان أجهزته الذي وصل حد قيام بعض ‘الشباب’ بدوريات أمن وحراسة أملاك دون علم الشرطة أو تدخلها. صارت الناس تلزم بيوتها باكرا ولا يتجرأ سوى القليل، ليس من بينهم نساء على كل، على الخروج ليلا. وبعد فترة هدوء ها هي الصدامات ذات الطبيعة القبلية تعود في الجنوب فيستعمل السلاح ويسقط قتلى وجرحى. ولولا الثقة في الجيش وتماسكه لظن الناس أن تونس باتت فعلا دولة فاشلة. قرف الناس غلاء المعيشة والارتفاع المتواصل للأسعار الذي بات لا يطاق للطبقة المتوسطة بعد أن سحق الفقراء والمعدمين المسحوقين أصلا، فيما أصيب قطاع السياحة بنكسة كبيرة. تعطلت عجلة التنمية وازدادت أعداد العاطلين والمديونية فيما تراجع إقبال المستثمرين المحليين والأجانب وتدنى تصنيف تونس الإئتماني في المؤسسات المالية الدولية وساءت علاقتها بفرنسا أكبر متعامل تجاري معها. استمر الفساد وقد يكون استفحل وبدأت أصابع الشبهة أو الاتهام تشير إلى فاسدين جدد ذي صلة بالحاكمين الجدد. وبعد فترة انتشاء ما بعد الثورة، عاد من جديد الراغبون في ترك البلاد إلى الخارج وعدل الراغبون في العودة إليها من الغربة. قرف الناس السجالات السياسية وطابور المحللين في البرامج الحوارية التلفزيونية. وكلما ازدحمت الآراء وتعددت التحليلات ازداد الغموض وتعمقت الحيرة. انزوى كثير من المحترمين في مجالات عدة وتصدر غيرهم المشهد. ازداد جيش الخطباء حتى أولئك الذين كانوا يفتون زمن بن علي بضرورة طاعة أولي الأمر، فيما تحول أصحاب سوابق إلى شيوخ ملتحين يلتف حولهم المريدون فيحللون ويحرّمون بل ويكفـّـرون. إمتلأت الساحة بدجالي الدين والسياســـــة وأسوأهم من جمع بين الدجلين. عادت ممارسات الحزب الحاكم لأكثر من نصف قرن فبات أنصار الحزب الحاكم الجديد ‘يـُــشحنون’ في حافلات من كل جهات البلاد ليأتوا إلى العاصمة هاتفين مهللين. لا أحد على ما يبدو يعي خطورة أن يتحول القرف إلى مزاج عام في البلاد! qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية