د. قيس جمال الخلفات شهدت العلاقات بين المجالس البرلمانية والقواعد الشعبية في السنوات القليلة الماضية حالة من التراجع والتوتر والاصطدام في معظم الدول العربية، جاءت نتيجة اتساع الفجوة بين المطالبات الشعبية الموجهة للحكومات والأنظمة السياسية وأداء المجالس النيابية الذي وصف بالضعف والتخاذل والتواطؤ لحساب مصالح أعضائه الشخصية. وبالتشخيص والتحليل المتعمق لواقع هذه المشاهد، لا يمكن إغفال وجود هذه الفجوة واستبعاد تقصير هذه المجالس في دورها التشريعي، والرقابي، ومكافحة الفساد، واتجاهها بعيداً إلى حدٍ ما عن المطالبات الشعبية. إلا أن الصورة لا تغدو قاتمةً وسوداوية بالكامل، فللموضوعية هناك بريق أمل ينبعث من بعض الإنجازات ظاهر للعيان لكنّه لا يطغى على الصورة الكلية للدولة والتي تتصف بواقع مُعاشٍ مرير تكتنفه مظاهر الفقر والظلم وتطويق الحريات والتهميش والإقصاء، والتباين في توزيع عوائد التنمية بين الفئات الشعبية، وانحسار النفوذ السياسي والاقتصادي بقبضة فئة قليلة على حساب شريحة واسعة من الناس. إن تقليص الفجوة البرلمانية الشعبية في الدول العربية سعياً باتجاه إزالة المظاهر اللاصحية السابقة والتقريب بين ممارسات وقرارات المجالس النيابية مع المطالبات الشعبية، يأتي من إيجاد مجالس دعم محلية للمجلس النيابي يسهم في تخفيف احتقانات الشارع بحيث ينتخب في كل دائرة انتخابية مجلس ممثل لكافة قطاعات المجتمع في الدائرة، ليقوم بدور جس نبض الشارع ونقله للمجلس النيابي وفق آلية معتمدة تتسم بالمصداقية، والعلمية، والواقعية بما ينسجم مع الإمكانيات والأولويات فتكون هذه المجالس المحلية حلقة الوصل بين القواعد الشعبية والمجلس البرلماني عموماً والأعضاء الذين يخصّون كل دائرة خصوصاً، فهي الناقل الحي والمباشر لاتجاهات ومطالبات الناس حيال أي تشريع أو قرار يتصدى له المجلس من خلال ما ستقدمه من مدخلات مهمة للمجلس النيابي لاستثمارها في مراجعة التشريع وتعديله فيما يخدم المصالح الوطنية وينسجم إلى حد كبير مع اتجاهات وتوقعات السواد الأعظم من الشعب.لقد أصبح من الصعوبة بمكان أن يتواصل النائب مع قواعده الشعبية كلها في مكان واحد وفي أوقات متعددة، لذا وجب أن يكون هناك حلقة وصل ممثلة لهذه القواعد يمكنها أن تكون أكثر تواصلا مع الناس من جهة، وأكثر قدرة على تغذية النائب بالآراء الشعبية حيال القضايا التي يعالجها المجلس في زمن قياسي وبنتائج فورية تمثل القاسم المشترك لما يريده الناس من ممثليهم في المجلس النيابي. إن الخبرات والخلفيات المهنية والحياتية لدى أعضاء مجالس الدعم المحلية وما يملكونه من صفات قيادية مجتمعية حصلوا عليها من المجتمع نفسه خير داعم لعمل المجلس النيابي في دوره التشريعي من خلال ما سيقدمونه من خلاصات فكرية لما توصــل إليه بحثهم واستطلاعهم لحاجات الناس وتطلعاتهم، وكذلك مساهمتهم في تفعيل الدور الرقابي للمجلس وممثلي المناطق فيه بوصفهم المجسات التي تقدم له الصورة الميدانية الحقيقية لأداء الحكومة، وإطلاعه من جانب آخر على أي مظهر سلبي قد يكون ناشئاً عن أعمال وممارسات فاسدة تستحق المتابعة والتحقق. وما لا يمكن إغفاله الدور الذي يمكن أن تلعبه مجالس الدعم كفريق تخطيط مجتمعي مؤازر لهيئة تخطيط الدولة، فضلاً عما تقدم من مزايا يمكن لهذه المجالس المحلية أن تسديها للمجلس النيابي؛ فهي أولاً وآخراً شكل مرغوب ومطلوب من الناس لتعزيز مشاركتهم في عملية اتخاذ القرار، ووجهاً ناصعاً من أوجه الشفافية والنزاهة، ومكاناً للرأي والرأي الآخر، وأداةً من أدوات تعميق الاستقرار والتوافق الوطنيين، ومشعلاً من مشاعل الأمن والأمان، والحلقة المفقودة في العُقد الاجتماعي الوطني الوثيق. ‘ استشاري التنمية البشريةqmdqpt