فرانكفورت – د ب أ: تحبس أوروبا أنفاسها خوفا من احتمال عودة رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني للسلطة من جديد. وعلى الرغم من أن برلسكوني يشدد على أنه غير مهتم بأن يكون رئيسا للوزراء مرة أخرى، تتزايد المخاوف قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية المقررة يومي الأحد والاثنين المقبلين من امكانية عودته لتولي منصب حيوي في الحكومة في ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. ويرى محللو أسواق المال أن المخاطر التي تلوح في الأفق ستكون ملتهبة إذا ما استطاع أن يحقق برلسكوني نجاحا آخر. كان يورغ كرايمر كبير الاقتصاديين في مصرف كومرتسبنك الألماني في فرانكفورت واضحا عندما قال إن إعادة انتخاب برلسكوني سيكون ‘سيناريو مروعا وستزداد أزمة ديون البلاد اشتعالا من جديد’. ويعتقد كرايمر أن أسعار الفائدة على السندات الحكومية الإيطالية يمكن أن ترتفع مرة أخرى ويمكن أن يتوقف برنامج الإصلاح بالبلاد بشكل مفاجئ. ويتفق في ذلك أولريتش كاتر كبير الاقتصاديين لدى مصرف ديكابنك ويقول إن ‘إيطاليا في عهد برلسكوني ضاع منها سنوات كثيرة بالفعل. وتكرار ذلك سيطيل فقط حالة العذاب والالام’. ويرى كاتر أن الأحداث في روما يمكن أن تحدث اضطرابا في برنامج الإصلاح بالاتحاد الأوروبي مع إحلال المواجهة محل التعاون. ويقول إن ‘فوز برلسكوني سيعيق إعادة بناء الثقة في اليورو’. وسيضع زميله الإيطالي ماريو دراغي في وضع حرج كرئيس للبنك المركزي الأوروبي إذا ما ارتفعت أسعار الفائدة على السندات الإيطالية. وسيجد رئيس البنك نفسه في مواجهة اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتدخل أم لا في مساندة البلاد إذا ما تعرضت للهجوم من قبل الأسواق. وترى غرترود تراود كبيرة الاقتصاديين لدى مصرف هيسين تورينجين لاندسبنك (هيلابا)”أن دراغي سيتعرض ‘لاختبار فعلي لقوة الأعصاب’. وفي حين أن البنك المركزي الأوروبي في وضع يسمح له بتخفيف وطأة الوضع المالي لأي دولة من خلال شراء سنداتها، تحدد السلطات النقدية نفسها شروطا لذلك. ومن حيث المبدأ فإن البنك المركزي الأوروبي جاهز للتدخل فقط في حال تقدم دولة عضو بمنطقة اليورو بطلب للحصول على مساعدة من آلية الاستقرار الأوروبي وتلزم نفسها بإصلاحات بعيدة المدى. ويمكن أن تقدم آلية الاستقرار الأوروبي مساعدة بقيمة تصل إلى 500 مليار يورو (663 مليار دولار) في شكل قروض لكن يتعين على الدولة المقترضة أن تقبل بشروط صارمة. وإذا خفضت روما الضرائب، كما يتعهد برلسكوني في حملته الانتخابية، دون توفير بديل للدخل الضائع على خزانة البلاد جراء ذلك من خلال خفض الإنفاق العام، فإن الوضع في الاتحاد الأوروبي يمكن أن يصبح غير مرض من وجهة نظر هولغر شميدينغ كبير الاقتصاديين لدى بنك بيرينبيرغ. ويقول إنه ‘إذا خالفت إيطاليا القواعد فلن تكون مرشحة للحصول على مساعدة من آلية الاستقرار الأوروبي أو البنك المركزي الأوروبي’. ويتعين على مجلس محافظي إدارة الآلية المؤلف من وزراء مالية دول منطقة اليورو السبعة عشرة أن يتخذ قرارا بالاجماع بشأن مثل تلك المساعدة. ويتخوف غوستاف هورن لدى معهد ‘آي إم كيه’ الألماني للأبحاث الاقتصادية من امكانية أن تؤدي تلك المساعدة إلى إيطاليا الى تحطيم آلية الاستقرار الأوروبي، متوقعا تعرض ‘هيكل الإنقاذ بأكمله حينئذ للخطر’. ولا يزال كاتر لدى مصرف ديكابنك أكثر تفاؤلا إذ قال: نحن أمامنا طريق طويل أمام طلب حزم إنقاذ’. ويعد المحللون أيضا أنفسهم لحالة من الجمود التي تؤدي حالة من الشلل بين تحالف يسار الوسط الذي يرأسه المرشح الأوفر حظا قبل الانتخابات بير لويجي بيرساني من الحزب الديمقراطي ، والتحالف المحافظ لبرلسكوني الذي يرتكز على حزب شعب الحرية. كما ان احتمالات حدوث أزمة، في ظل حصول بيرساني على دعم مجلس النواب مع عدم وجود أغلبية في مجلس الشيوخ، من شأنها أن تجعل من تشكيل الحكومة أمرا صعبا. ويرى كرايمر أن حدوث شلل حكومي يمكن أن يؤدي إلى توقف عملية الإصلاح ويحدث اضطرابا في الأسواق، بل سيكون هذا بالتأكيد أفضل من عودة بيرلسكوني. ويرى كرايمر أن ‘الغموض هو سم بالنسبة للأسواق، لكن طالما أن بيرلسكوني لم يصبح رئيسا للوزراء مجددا، يجب أن يكون البنك المركزي الأوروبي في وضع يسمح له بإحداث استقرار في الوضع دون الاضطرار فعليا إلى شراء السندات الحكومية الإيطالية’. ويتوقع ستيفان بيلمير لدى مصرف ‘دي زد’ أن يظل تحالف يسار الوسط بزعامة بيرساني في المقدمة كما أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة وألا يكون برلسكوني ضمن الحكومة الإيطالية الجديدة. ويمكن أن يؤدي الارتياح من هذه النتيجة إلى ارتفاع في الأسهم الأوروبية. يعتقد كثير من المحللين أنه حتى إذا ما تجسد سيناريو الكابوس بالنسبة لهم وأصبح حقيقة بعودة برلسكوني، ستجبر الأسواق في أي حالة حكومته بسرعة على العودة إلى إجراءات التقشف. وقال لودر جيركن، مدير مركز ‘السياسة الأوروبية’ بمدينة فرايبورغالألمانية ‘إذا حدث ذلك فمن المتوقع حدوث اضطرابات مثل التي عايشناها قبل عامين… هناك مخاوف من حدوث اضطرابات كبيرة في منطقة اليورو إذا تبين أن إيطاليا ترفض الإصلاح’. ويرى جيركن أن عودة رئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو بيرلسكوني المحتملة إلى السلطة، سيكون لها آثار كارثية مماثلة لآثار حدوث أزمة حزبية في تشكيل الحكومة الجديدة ، وقال:”هذا الأمر سيئ مثل الآخر ، فكلاهما سيعيق إتمام الإصلاحات الضرورية’. ورأى الخبير الاقتصادي أن جنوب أوروبا بما فيها فرنسا بحاجة كبيرة إلى الإصلاح الاقتصادي وقال”لم تستوعب إيطاليا بشكل سليم حتى الآن مدى أهمية تلك الإصلاحات’. وذكر جيركن أن رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي شرع في بعض الأمور إلا أنه وعد أكثر مما نفذ، على حد تعبيره. واستبعد جيركن تولي مونتي منصب رئيس وزراء إيطاليا مجددا وقال ‘الأغلبية المستقرة الوحيدة التي يمكن تخيلها هي تحالف يسار-وسط تحت قيادة بير لويجي بيرساني الذي يقدره مونتي، أو يدعمه’. وأوضح أن هناك إعراض في إيطاليا عن الإصلاح مرتبط بالخلفية الثقافية للبلاد ، مضيفا أن روما كانت تخفض من قيمة عملتها (ليرة) قبل انضمامها إلى منطقة اليورو، وقال:”لهذا السبب كان ضغط الإصلاح في ذلك الحين قليلا’. ورأى جيركن أن إيطاليا تقف الآن أمام بديلين: تطبيق إصلاح ممنهج أو الاعتماد على المساعدات المالية، وقال:”لكن إذا أصبحت إيطاليا من الدول المستقبلة للمساعدات، فلن تحصل على الدوام على دعم من دول شمال أوروبا بصفتها ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو’. qec