الإخوان والنور ويوتوبيا الإسلام السياسي في مصر

حجم الخط
0

فراس ابو هلال لم يكد يعلن عن إقالة الرئيس مرسي لمستشاره الدكتور خالد علم الدين، حتى تفجرت أزمة سياسية كبيرة بين الرئاسة وحزب النور الذي ينتمي إليه علم الدين، تضمنت تصريحات واتهامات متبادلة ومؤتمرات صحفية تعبر عن وجهة حزب النور، إضافة إلى استقالة عضو النور بسام الزرقا من منصبه كمستشار للرئيس، على خلفية الأزمة، بناءا على طلب الحزب.وبعيدا عن تفاصيل الأزمة التي لم تنته حتى كتابة هذه السطور، فإنها تفتح نقاشا جديدا قديما حول العلاقة بين حزب النور والدعوة السلفية من جهة وبين حزب الحرية والعدالة والإخوان من جهة أخرى، وهو نقاش بدأ مع تشكل حزب النور من رحم الدعوة السلفية، وتصاعد في مراحل الخلاف مع الحرية والعدالة في أكثر من محطة، من أزمة تشكيل التحالف الديمقراطي قبيل الانتخابات البرلمانية، إلى الخلافات الحادة أثناء انتخابات مجلسي الشورى والشعب، مرورا بالأزمة التي أعقبت ترشيح محمد مرسي لانتخابات الرئاسة، والخلافات حول تشكيل حكومة هشام قنديل، وليس انتهاءا بالأزمة الحالية.ويقف على طرفي نقيض هذا النقاش فئتان من داخل تيارات الإسلام السياسي، إحداهما ترى أن تحالف الحزبين مصيري ويصب في مصلحة التيارات الإسلامية ويقويها في مواجهة القوى العلمانية/ أو المدنية، فيما تطالب الفئة الأخرى بفض الشراكة والتحالف إلى غير رجعة.وتنطلق الفئة الأولى من نظرة أخلاقية، تسعى للحفاظ على وحدة الصف في ‘يوتوبيا’ الإسلام السياسي المصري، بمواجهة الأطراف الأخرى التي تبدو الآن في أفضل صورة من صور التحالف ضد الإسلاميين، وبالتالي فإن أي خلاف بين الإسلاميين الآن سيصب في مصلحة ‘الآخر’، الذي يتربص للإنقضاض على هوية الدولة ودور الشريعة حسب رؤية هذا الطرف-.أما الفئة الأخرى، فهي تنطلق من نظرة أخلاقية أيضا، تعتبر أن طرفا من الأطراف في الصراع انقلب على الطرف الآخر أو خانه أو استغله سياسيا، فمن ينتمي لحزب النور من هذه الفئة يرى أن الرئاسة والإخوان طعنوا الحزب من الظهر، وأنهم أي الإخوان- استغلوا ‘طيبة’ حزب النور للتحالف معه في وقت الحاجة إليه، وحاربوه سياسيا- بدون أخلاق- عندما حاول النور الخروج عن سقف الطاعة الإخواني. أما من ينتمي للإخوان من هذه الفئة، فيرى أن حزب النور تعامل بانتهازية وتخلى عن انتمائه إلى يوتوبيا الإسلام السياسي، في سبيل التحالف مع جبهة الإنقاذ ‘العلمانية’، وأن النور استعجل في الابتعاد عن الإخوان بشكل ـ غير أخلاقي- للتأكد من تحقيق مكاسب سياسية في معركة الانتخابات البرلمانية القادمة.والملاحظ أن الفئتين تقفان على أرضية ‘أخلاقية’ في تقدير الموقف، على الرغم من اختلاف النتائج التي تتوصل إليها كل فئة، وهو ما يدعو للتساؤل ابتداءا عن الأسس التي قام عليها تحالف الإسلاميين في فترات معينة منذ انطلاق الثورة وحتى الآن، فهل هي فعلا أخلاقية أم سياسية واقعية؟.وفي المحاولة للإجابة على هذا التساؤل، يصعب استبعاد دور الأيدولوجيا والطروحات الأخلاقية في تحالف الإسلاميين، ولكن هذه الطروحات لا تبدو كافية لتفسير الإجابة، لأن التحالفات تبدلت كثيرا خلال عامين من العمل السياسي بعد الثورة، والمواقف توزعت بين الخصام الكامل، والتحالف الكامل، والافتراق ‘بإحسان’.وبالنظر إلى هذه التحولات الكبيرة والكثيرة، فإن من الصعب القول أن المواقف المختلفة والمتناقضة أحيانا كانت على أساس أخلاقية بحتة، بل أن التحليل السياسي يقودنا إلى نتيجة مفادها أن كل طرف تحالف مع الطرف الآخر حينما رأى هذا التحالف لمصلحته، وخالفه أو خاصمه في بعض الأحيان، حينما وجد في الخصومة مصلحة سياسية له، فالطرفان افترقا في الانتخابات البرلمانية لأن تقديرهما السياسي في تلك المرحلة وصل إلى هذه النتيجة، وكذلك كان الأمر في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، فيما أضطر الطرفان للتحالف في الجولة الثانية من الرئاسيات وفي أزمة الإعلان الدستوري واستفتاء الدستور، لأنهما اعتبرا هاتين المعركتين مصيريتين ووجوديتين بالنسبة لكل أحزاب الإسلام السياسي، التي شعرت بخطورة وصول أحمد شفيق إلى قصر الرئاسة، أو بإسقاط الرئيس مرسي في أزمة الإعلان الدستوري، ونظرت إلى هذين الاحتمالين باعتبارهما نهاية لكافة التيارات الإسلامية، وعودة إلى سنوات السجون والقمع، وفق تقديرها. وإذا صح القول بأن التحالف والافتراق كانا على أسس سياسية واقعية، فإن هذا يعني ضرورة البحث في العلاقة بين أحزاب الإسلام السياسي ومن ضمنها النور والإخوان، في إطار الواقعية السياسية، سواء بالنسبة لهذه الاحزاب، أو بالنسبة للمشهد السياسي ومصلحة الوطن ككل، وهو ما يدفعنا للقول أن الخيار الاستراتيجي الأفضل لتيارات الإسلام السياسي ولمصر عموما هو في الابتعاد قدر الإمكان عن التحالف المستمر، لأسباب كثيرة.وأول هذه الاسباب، هو أن التحالف الاستراتيجي طويل المدى بين الأحزاب الإسلامية يمثل ضررا كبيرا عليها، لأنه سيذيب الفروق الأيدولوجية والفكرية بين هذه الأحزاب، وسيجعلها شيئا واحدا، وسيدفع بعضها للتخلي عن أفكارها المختلفة عن الأحزاب الأخرى في سبيل وحدة الصف ‘الإسلامي/ السياسي’، وهو ما سيحرم الساحة السياسية من تنوع مفيد للأفكار والتوجهات، وسيؤدي إلى إفقار الفكر الإصلاحي الإسلامي برمته.أما الخطر الثاني فيكمن في إمكانية أن يؤدي هذا التحالف إلى إلحاق الأحزاب الصغيرة بالحزب الأكبر وهو حتى الآن حزب الإخوان-، مما يفقد الأحزاب الصغيرة قدرتها على التأثير ويفقد الساحة الوطنية تنوعا سياسيا وفكريا مفيدا، وهو ما يذكرنا بإلحاق الأحزاب اليسارية بالحركات القومية الكبيرة منذ خمسينيات القرن الماضي، حينما ألحق اليسار العربي بشكل عام بالتيار القومي الذي كان في صدارة المشهد، كما حصل في مصر ناصر، وفي عراق وسوريا البعث، وفي منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى غطرسة التيارات القومية، وخسران الساحة السياسية في الوطن العربي لإسهامات كان يمكن لليسار أن يضيفها للبلاد.ويبقى الأمر الأشد خطورة في حال تبني التحالف بين الأحزاب الإسلامي كخيار استراتيجي ممثلا بتعميق الاستقطاب في الساحة المصرية على أساس إسلامي /علماني، وهو ما قد يتطور في أوقات الشدة السياسية إلى استقطاب إسلامي/ علماني/ طائفي، الأمر الذي سيؤدي إن حصل- إلى زيادة الأعباء والتوترات في مرحلة انتقالية صاخبة، لا ينقصها المزيد من الاستقطاب والتوتر.’ كاتب فلسطيني qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية