مالك التريكيلم يقدر بعض المعارضين والمعلقين كلمة السيد حمادي الجبالي الوداعية، التي أعلن فيها رفضه إعادة تعيينه رئيسا للوزراء، حق قدرها. إلا أن مواقف المواطنين الذين استطلع الإعلام آراءهم قد أكدت مدى الاحترام الذي أصبح يحظى به السيد الجبالي لدى الرأي العام، حيث أن استقالته قبل أيام قد أثبتت مدى وطنيته وترفعه على الاعتبارات الشخصية والفئوية. كما أن كلمته الوداعية قد كانت من صدق اللهجة بحيث أثرت في السامعين. حتى أن إحدى المواطنات قالت إن استقالته أصابتها بالأسى، وقالت أخرى إنها خسارة للبلاد وإن المستقبل سينصفه.ورغم أن السيد الجبالي ليس معروفا بالبلاغة، فقد كانت كلمته الوداعية ربما أبلغ خطاب سياسي يسمعه التونسيون منذ حوالي عام. كانت كلمة واضحة مقتضبة اختتمها – في ما يدل على يقظة الضمير – بالاعتذار ‘لأني خيبت الآمال، ولأني قصرت’، و’بالاعتذار لمن لحقه ظلم مني.. عن غير قصد’. إلا أن احترام المواطنين للجبالي وتعاطفهم معه قد أوجبا التساؤل: لماذا لا يمضي الرجل بموقفه الاستقلالي إلى غايته المنطقية، فيغادر النهضة ويؤسس حزبا جديدا؟تساؤل يبين، أولا، أن الرأي العام صار يدرك أن الجبالي، بشخصيته الوفاقية وحسه البراغماتي، لم يعد في موئله الطبيعي داخل النهضة. ويبين، ثانيا، أن الرأي العام استخلص من تجربة الجبالي درسا: وهو أن إنشاء حزب جديد سوف يكون أيسر من محاولة إصلاح النهضة من الداخل. حيث يبدو أنه أصبح ينطبق على النهضة اليوم الوصف ذاته الذي كان السيد المنصف المرزوقي قد أطلقه في سنوات الجمر على نظام بن علي عندما قال إنه نظام غير قابل للإصلاح، بمعنى أنه لا يصلح (بغيره) ولا ينصلح (بذاته). وليس أدل على انفصال النهضة عن الواقع من أن المتحدثين باسمها كانوا، بعد دقائق فقط من كلمة الجبالي، ما يزالون يرددون، دون أن تتملكهم رغبة في الضحك، أن الحكومة (التي أقر رئيسها بفشلها) لم تفشل! عنزة ولو طارت. ناجحة ولو فشلت. ويبدو أن هذا العناد البطولي ضد ‘الوقائع العنيدة’ ليس مجرد خطاب سياسي لمناكفة الإعلام أو لغيظ الأعادي (رغم أن قادة النهضة، بمن فيهم السيد راشد الغنوشي، لا يتورعون في خطاباتهم الشعبية عن مخاطبة خصومهم بعبارات مثل ‘فلتموتوا بغيظكم’) بل إنه موقف إيديولوجي ممتلىء بذاته منغلق عليها. موقف قائم على استبعاد مجرد إمكان الاعتراف بالخطأ. والسبب هو أن حكومة النهضة تشعر منذ أكثر من عام أنها محاصرة ومستهدفة وأن أطرافا كثيرة تتربص بها الدوائر سعيا إلى إفشالها. ولذلك فإنها قررت أنها لم تفشل! وبما أنها لم تفشل في ما مضى، فإن ذلك يعني أنها لن تفشل في ما هو آت.أما الأمر الآخر الذي يبينه هذا التساؤل، فهو أن الرأي العام صار واعيا بإمكانية (بل بضرورة) بروز حزب ديمقراطي إسلامي (على نمط الأحزاب الديمقراطية المسيحية) وأن الجبالي هو أنسب رمز لهذا التوجه الإسلامي المعتدل المتوائم مع طبيعة المجتمع التونسي. على أن العارفين بالنهضة يقولون إن احتمال انشقاق الجبالي وإنشائه حزبا جديدا احتمال ضعيف في الظرف الحالي، خصوصا أن مؤيدي الجبالي من نواب النهضة في المجلس التأسيسي لا يتجاسرون على التعبير عن مواقفهم إلا همسا في الكواليس.qraqpt