التلفزيون العربي بين الثورة والبناء

حجم الخط
0

صالح عبد الحميد عيادالثورة العربية، في أحد الأزقة اشتعلت شرارتها وإلى شاشة التلفاز وصل وميضها، وعلى نفس الشاشة تتابعت احداثها، ومن النافذة ذاتها أيضا ترقب ومن ثم هتاف، وثم خطاب يتلو خطاب، حتى كان الخطاب الأخير الذي أسدل الستار على حقبة زمنية لن تنسى في تاريخ العرب. ومن على نفس النافذة بدأت مرحلة ما بعد الثورة. لتكون هذه الشاشة الصغيرة شاهدة على مراحل التحول السياسي والاجتماعي الحديث في بلاد العرب.منذ ظهور التلفزيون في خمسينيات القرن الماضي، وولوجه إلى العالم العربي بعد ذلك بسنوات قليلة، ظهر الاهتمام الرسمي العربي بهذه النافذة الصغيرة التي تطل على كل بيت عربي منذ ذلك الحين. هذه النافذة التي احتكرتها الانظمة السياسية بهدف السيطرة على اداة فعالة في التغيير والبناء المجتمعي، واحتكرت وظائف التلفزيون المتعددة بين التثقيف والتعليم والإخبار والترفيه وحورتها للسيطرة وإطالة امد الأنظمة السياسية القائمة من ذلك الحين.مرحلة امتدت لسنوات طويلة ظل فيها التلفزيون اداة في يد الأنظمة السياسية، ولمّا كانت الثورة التكنولوجية التي تمثلت بظهور الانترنت وتقنيات البث الفضائي نهاية القرن الماضي، أُجبرت هذه الانظمة على فتح المجال امام التلفزيون الخاص ليستطيع المنافسة أمام وسائل الإعلام الأخرى، وخصوصا في ظل الترهل الذي اتصف فيه التلفزيون الرسمي وعدم قدرته على تحقيق تطلعات المشاهدين. فكانت باكورة هذه القنوات في عام 1991م بإطلاق مجموعة ‘أم بي سي’ ومن ثم مجموعة ‘أي أر تي’ التلفزيونية والتي أطلقت من مؤسسات سعودية خاصة. وقد صاحب هذه القنوات مناخ إعلامي جديد في العالم العربي، ولأول مرة أصبح بإمكان المشاهد العربي الاختيار في تلقي الرسالة الاعلامية بما يتناسب مع توجهاته وتطلعاته. وقد اتسمت هذه المرحلة بتدفق الاستثمارات في مجال الاعلام العربي واصبح ميدانا للتنافس الإقتصادي والربحي بين القوى الاقتصادية والسياسية معا، مما اكسب التلفزيون العربي في تلك الفترة زخما كبيرا وجذب اهتمام المشاهد العربي بما يقدمة من تنوع وجودة لم يسبق للتلفزيون العربي ان يصل إليها وخصوصا الرسمي منه.ولا شك ان التطورات والأحداث التي عاشتها المنطقة العربية خلال العقدين الماضيين كان لها دور بارز في إظهار قدرة التلفزيون العربي وخصوصا الإخباري منه في التأثير في المشهد العربي خصوصا في الانتفاضة الفلسطينة وحرب العراق، وهذا خلافا لحال الإعلام العربي إبان حرب العراق الأولى والإنتفاضة الفلسطينية عام 1987، حيث كان الإعلام الرسمي آن ذاك بعيدا كل البعد عن نبض الشارع. الشارع العربي الذي عاش في خلال العامين الماضيين تحولات مفصلية في تاريخه، وجد وسائل الإعلام وخصوصا التلفزيون نابضا بنبضه وحاملا همومه، ليكون وسيلة من وسائل الثورة على الأنظمة التي قيدت الإعلام والمواطن على حد سواء. ويبدو ان وسائل الإعلام لم يكن لها خيار سوى الوقوف في صف الثورة حتى المؤيدة لأنظمة السياسية منها- لأنها علمت ان هذا الزمن هو زمن التغيير ولا مكان للواقفين ولو حتى جانبا.لكن في نظرة سريعة على بلاد الثورات العربية ونظرة على دور التلفزيون في مرحلة ما بعد الثورة، نجد ان التلفزيون الذي وقف وساند الثورة والتغيير وكان فاعلا اساسيا فيها، يلعب دورا مغايرا تماما للدور المنوط به في مرحلة البناء. فبدلا من ان يكون التلفزيون مروجا ودافعا نحو البناء والتنمية النهوض بواقع الوطن والمواطن، يبدو انه أصبح ميدانا للصراع السياسي القائم وتحول من وسيلة للثورة إلى معضلة امام النهضة. ونلاحظ من خلال القضايا المطروحة في ثورة ‘التوك شو’ التي يعيشها الإعلام المصري المنتش بالحرية والشرعية التي منحنتها إياه الثورة، نجد ان القضايا المطروحة بعيدة كل البعد عن هموم المواطن المصري، وانحصرت هذه القضايا في الخلافات السياسية وابتعدت عن الاحتياجات الأساسية للمشاهد المصري، الذي يبحث عن توفير حياة كريمة لن تتحقق إلا في إطار التنمية والإلتفات للبناء. فابتعاد التلفزيون عن الوظيفة الإجتماعية المنوطة به، وعدم تعبيره عن هموم المواطن، ليكون معبرا عن هموم ‘ النخبة السياسية’ جعل منه أداة بيد رأس المال السياسي الذي ظهر بقوة في مصر ما بعد الثورة.ولمّا كان الإعلام قرينا للمواطن في ثورته، تحققت الحرية للطرفين على حد سواء، لكن يبدو ان وسائل الإعلام استغلت هذه الحرية لتكون سلطة على المواطن وعقبة امام استكمال المواطن لطريقه في بناء وطن واحد يتسع للجميع. فلا بد لهذا الاعلام ان يعود لصف المواطن ويعبر عن همومه وليس عن هموم ‘ النخبة السياسية’ ، وعلى الاعلام ان يكون وسيلة ومن وسائل البناء ونبذ الخلاف، ليحقق الوظيفة الأساسية له في المساهمة بتوعية المجتمع وتثقيفه وارشاده والتعبير عن هموم المواطن.ويبدو أن مرحلة الثورة كانت أسهل على وسائل الاعلام من مرحلة البناء، ففي الثورة كان الشعب صانعا لها ووسائل الإعلام داعما ومؤيدا، لكن في مرحلة البناء يترتب على وسائل الاعلام والتلفزيون منها أن يكون أداة فاعلة ورئيسية في دفع مسيرة النهضة والتنمية، وتشكيل راي عام حول ضرورة الالتفات إلى اهمية وضع الاُسس اللازمة للتحول من الثورة إلى البناء، والانتقال من إزالة أثار فترة زمنية لم تتسع سوى للمنتفعين منها إلى بناء وطن يتسع للجميع كل له حقوقه وواجباته.وعلى وسائل الإعلام التخلص من عقدة التبعية، وعدم التعذر بأي قيد او شرط يمنعها من ان تكون بجانب الشعوب، ففزاعة النظام الديكتاتوري الذي كان يسيطر عليها قد انهارت، ولم يبق سبب لابتعاد التلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى عن دورها في ان تكون من الناس إلى الناس. وان تنبض دائما بهموم الشعوب لا بهموم ‘ النخب السياسية’ التي تعيش ازمة في تقسيم ‘الكعكة’.باحث وصحفي فلسطيني مقيم في تركياqmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية