أمريكا والعرب وايران ما بعد الربيع

حجم الخط
0

أيمن خالد السلفية للسلطة في مصر وغيرها، هم فقط يأملون قيام أنظمة شمولية تعيش هاجس الأمن وترى نفسها المنقذ الأوحد لهموم الأمة، تغيب فيها ملامح الدولة المدنية، وتختفي الحريات أو يتم مصادرتها تحت مبررات سبق واستخدمتها الانظمة الراحلة. وهم أيضا ليسوا مع القوى العلمانية الموجودة بقصد انتاج دولة مدنية معاصرة، فجوهر التفاصيل على الارض هو دفع الجميع باتجاه صراع طويل الامد، يعيد إنتاج البلاد على شاكلة الجزائر إنما من خلال قوى مدنية تستمر بالتصارع ولا تمنح فرصة لقيام دولة مستقرة، فهناك من يظن أن طول الصراع سيقود للإحباط والملل والقبول بأي حل، وهنا يأتي دور العسكر وبعض الواجهة المدنية المنهكة، التي تدخل البلاد في دوامة البحث عن عملية انقاذ إسعافية، تسقط فيها اولويات التحرر أمام معادلة الاستقرار التي ستقوم على ارث اقتصادي هائل من الخراب. يدرك الامريكان خطورة الربيع العربي وخطورة قيام جمهورية عربية واحدة تعيش الديموقراطية، لأن هذا سيعيد انتاج العقل الغربي كله في مواجهة المنطقة، وسيعيد طرح اسم العالم العربي وتكوين صورة الشعب العربي في العقل الغربي بصورة مختلفة، هذه الصوة الجديدة التي ستكون واقعية وايجابية يخافها الغرب تماماً، لكونها تعني ان الغرب سيكون مضطرا لتغيير سياساته في عموم المنطقة تجاه العرب وهي سياسات عُمرها الاستعمار وتاريخه وما نتج عنه وهذا التغيير له خسائره الكبيرة أبرزها إعادة تشكيل واقعي لصورة العرب في السياسة اليومية.والغرب يدرك أن الاستقرار الوليد إذا نشأ في البيئة العربية مع ولادة دولة تعيش منطق الدولة، فسوف تهبط الاستثمارات العالمية على أرض المواد الخام والعمالة، وستخلق من المنطقة العربية قوة اقتصادية هائلة، وما يتبعها من نمط من العلاقات السياسية المنفتحة التي ستكون فيها اسرائيل مجرد جيتو بشع منبوذ يعيش وراء الأسوار والذي لن يحتمل البشر استمراره ويصبح ازالته ضرورة بشرية.فمسألة تحرر العقل العربي إنما ستعني اعادة هيكلة لجغرافيا الشرق الاوسط والعالم، من هنا ندرك أن استمرار وجود الاستراتيجية الغربية وخنقها لشعوب المنطقة يعود اصلا لجمهوريات القهر العربي القائمة، والتي تريد أمريكا لها ان تستمر من خلال جمهورية النهضة في تونس او الاخوان في مصر وغيرها من الدول العربية، وهنا بالضبط ندرك خطورة الاستبداد، ودوره في تراجع المنطقة، فنحن كعرب وسط عالم كبير لا يمكننا الولوج فيه دون تفكيك رموزه، فهناك سيل من الشخصيات الوطنية العربية التي حكمت المنطقة، ولم تنجح لا في مواجهة الأعداء ولا في بناء الداخل، وانتهينا امة من الشعارات والمؤتمرات والتحالفات مع الجمهوريات التي تشاركنا منطق القهر ذاته. وندرك أيضا ان الوصول الى المستقبل مسألة غاية في التبسيط، تتطلب منا ان نعامل شعوبنا كبشر وليس كحيوانات.فيما يتعلق بالملف الايراني، لدى الامريكان الرغبة بإثارة مخاوف ايران من جمهورية الاخوان القادمة في اكثر من دولة، فالأمريكان يدركون الحلم الايراني في المنطقة، ويدركون ان ايران بقيت ترى نفسها انها النموذج الاسلامي الثوري الوحيد في المنطقة، وبالتالي بروز الاخوان كقوة سياسية قد يُستخدم مجرد رسائل صوب ايران بأن ايران لم تعد نموذجاً للمنطقة وان المنطقة العربية اختارت نموذجها الخاص بها، مما سيدفع ايران الى الانتقال لمرحلة الصراع مع المنطقة العربية بعمومها في اكثر من دولة. وبالطبع تستغل أمريكا غباء السياسة الايرانية وسوء فهمها للمنطقة العربية وسوء تقديرها لمجريات الحدث السياسي اليومي.بالمقابل، لدى ايران مشكلة كبيرة في فهمها السياسي، فهناك مشترك في التفكير السياسي بين النظام السياسي الايراني وبين النظام في الاتحاد السوفييتي البائد، وهذه مقارنة قد تبدو غريبة.المشترك بين السياسة الايرانية وبين السياسة في عهد السوفييت هو الايمان بمنطق الحتميات التاريخية، فما لدى السوفييت كان الايمان بحتمية الانتصار في المستقبل، مما صرف عقول الناس عن المتابعة اليومية الدقيقة للحدث، وما عند الايرانيين هو ذات العقلية ولكن الحتميات الايرانية تغوص في الماضي وتنتظر عودته، وهذا يمنع العقل السياسي من التفسير للمجريات من خلال عقل واقعي وفكر منفتح، ولعل تجربة الحرب الايرانية العراقية التي دامت ثماني سنوات رسمت بؤس الايرانيين والنظام العربي في استيعاب حرب كان يجب ان لا تدوم اكثر من ثماني ايام فقط، فجلبت مليون قتيل، ولم تجلب الحتميات التاريخية ولم تأت بجديد، ويعيد العرب التسلح ويعيد الايرانيون استعراض السلاح، وكل ذلك له معنى واحد، أن خبراء السياسة لا يدركون أن السياسة هي مشروع اللحظة الحالية فقط، وأن الاختلاف يجب ان يفتح ابواب الحوار وليس بناء الاسوار، تماما على شاكلة حروب مدن القرون الوسطى لكن جدران العصر هي يبنيها الساسة وأصحاب نظريات الانتصار الحتمي على ملايين الجثث.السياسي الناجح والقائد الحقيقي لأي أمة هو الذي لا يقرأ يومياته من خلال التاريخ ولا يراها من خلال أحلامه في المستقبل، ولكن الذي يحسن قراءة الواقع اليومي ويفهم تفاصيل الحدث اليومية، وهذا مع الاسف متوفر في الغرب مفقود في الشرق، فمن يرى السياسة اليومية لا يهمه خطأ يوم لأنه سيصحح بعد يوم، ومن يعيش الماضي لا يصحو بقرون، ومن يحلم بالمستقبل يبقى على السرير.’ كاتب فلسطيني qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية