حين يوزع الفن صرخته بين الجهات فاروق يوسفمثل الحياة تماما، الفن، خزانته لا تُمتلأ. تظل تلك الخزانة مفتوحة على المفاجآت. غالبا ما تمهد لحظات اليأس لتحول عظيم. تحول هو في حقيقته ضرب من العودة إلى جوهر الفن، كونه قوة لتجديد المعاني، بل لإعادة تعريف تلك المعاني، بما يجعلها قادرة على منح الحياة هيأة جديدة. بسبب الفن نقبل على الحياة، باعتبارها شيئا لم نتعرف عليه من قبل. نعيد النظر في حساباتنا انطلاقا من أدوات قياس جديدة. يبدو شكل المصير مختلفا. نحدس أن هناك شيئا ما يتغير في أعماقنا. نراقبه بحذر ونحتضنه بإشفاق ونخاف منه. النبوءة تمشي بقدمي مسافر تائه، لن تكون حقيبته فارغة دائما. غير أن اللصوص لن يعثروا في تلك الحقيبة على شيء لو فكروا في السطو عليها. فكل ما تحتويه إنما ينتمي إلى الأوهام. ألا يشكل ذلك الحدث نوعا من الخديعة؟ لا أحد في إمكانه أن ينكر أن كل فن لابد أن ينطوي على حيلة. وهي الحيلة التي تجعله ممكنا على مستوى الإبداع. الرسامون يراهنون على حيلهم التقنية. رامبرانت كان محتلا عظيما. احتال أولا على الواقع، فرفعه إلى مستوى الابدية، حين أضفى عليه طابع الاسطورة ‘هذا لا يحدث إلا بين يدي رامبرانت’ نصمت. احتال الرسام الهولندي على الرسم أيضا حين جعله ميزانا، يتحقق من خلاله الواقع من وجوده. لا ليعيد انتاج ذلك الوجود بل ليكتفي في النظر إليه باعتباره إرثا. رسوم رامبرانت لا تنتج واقعا صالحا للاستعمال من قبل الناس العاديين. إنها لا ترشد ولا تمارس سطوتها نفعيا، بل على العكس من ذلك تماما، حيث تمهد عزلتها لنوع مبجل من العكوف على الذات. وهنا تكمن حيلة فريدة من نوعها. حيلة تكتسب الحياة من خلالها طاقة متخيلة، هي نوع من التكريس الملهم لفكرة القوة الكامنة التي لا يخضع تمردها لسيطرة الثقافة الاجتماعية.’هل رأيت التماثيل في شوارع فلورنسا. كلهم عراة’ قالت لي صديقتي.لقد مشيت في تلك الشوارع أياما ولم أر عراة. وقفت أمام (داود) تمثال مايكل انجيلو ولم أر عضوه الذكري. رأيت داود، الملك الذي اشتهر بقسوته، الملهم بتلك القسوة ‘وآتينا داود زبورا’ لم ينقصه الكتاب. لم تغادره فتنته. أناقة الامبراطور الذي اعتاد أن ينتشي بعلوه. كان هناك الكثير من الغزل قد انساب بين يدي انجيلو. داود يقف هناك. غير أن تلك الـ(هناك) لا تعبر عن جهة بعينها. جهة يمكننا الذهاب إليها باطمئنان. فـ(داود) الذي استخرجه نحات عصر النهضة من الكتاب المقدس الذي كُتب في الديار المقدسة لن يكون بالضرورة هو نفسه التمثال الذي يقف في إحدى ساحات فلورنسا الايطالية. لقد تنقل شبحه، النبي هو الآخر بين القرى والأحلام والرؤى والأبصار والحقول والمعابد والكنائس وغرف النوم والمخطوطات والأديرة ومسيرات الحجيج والأسواق والدموع والصلوات فصار الرجل الذي التقاه النحات الايطالي. قد لا يتعرف داود على نفسه لو جاء سائحا يوما ما إلى فلورنسا. ‘اما الواقع واما الفن’ ستكون تلك المقارنة على درجة كبيرة من الغباء.لا لأن الواقع لا يعترف بالفن، ولا لأن الفن، مهما كان واقعيا، لا يعترف بالواقع. بل لأنهما شيئان مختلفان. كل طرف منهما كان قد صُنع من مادة مختلفة، خاصة به. في كل الحالات ستكون المقارنة بينهما نوعا من خداع الحواس. غالبا ما يتشبه أحدهما بالآخر، غير أنهما لا يمتزجان. تظل العلاقة غامضة وغائمة ولينة ورجراجة. حتى حين نجد الفن في الواقع فان ذلك الفعل لا يعني إلا طرفا من خيط يتعلق بالجمال. اما حين نجد الواقع في الفن فاننا نتخيله ليس إلا. نتمنى الوصول إليه بصيغته الملتبسة. في الحالين فان وهم الحياة هو ما يغرر بنا. فلا نرى إلا ما يوحي به الفن، كائنا خلاسيا، يمزج بين الوهم والحقيقة، المعاش والمتخيل، الشعري والسردي في حكاية منغمة واحدة. غالبا ما نعود إلى الفن، نعود به إلى جوهره لنتغير، لكن لنغيره أيضا.لننظر إلى الخرائط التي لا غنى للمؤرخين عنها.ما كان فنسنت فان كوخ ليغدو الرسام العبقري الذي نعرفه لولا الرسوم اليابانية. كل تقنية فن فنسنت يمكن أن نعثر عليها في محفورة يابانية. ولكن فن فنسنت نفسه لا يمكن العثور عليه إلا في لوحاته. في لحظة مخاتلة ولد الرسام الهولندي المهاجر إلى آرل الفرنسية. هناك كتب رسائله في المنزل الأصفر ورسم لوحاته وتجول بين حقول عباد الشمس ورآى الغربان وعشق وأنتحر. واقعيا سيكون علينا أن نفكر بعائلته. كانت تلك العائلة حاضرة في متحفه بأمستردام. اسماء على جدار يمكن أن يتفادى المرء المرور به. غير أن عائلته الحقيقية انما تتشكل من لوحاته. غرفته في آرل. كرسيه من القش. لوحات ثلاث يغلب عليها اللون الأبيض تمثل مشهدا طبيعيا، هي من وجهة نظري أعظم ما أنجزه فنسنت على صعيد رسم الطبيعة. لم يضع الرسام أي شيء يذكر بالأخضر ومع ذلك فقد كانت الطبيعة حاضرة بقوة الأبيض والأزرق. بعد سنوات من انتحار فنسنت ستغير الاقنعة الافريقية مزاج رسام اسباني هو الآخر اختار أن يستقر في باريس. بتأثير مباشر من تلك الاقنعة صار بابلو بيكاسو ينظر إلى العالم من خلال عيني ساحر لا يزال يرى في العالم محمية لكائنات لم تولد بعد. بيكاسو غير الرسم. هذا أمر لا نقاش فيه. غير أنه وبالقوة نفسها غير الحياة. في (جرورنيكا) عمله الملحمي المندد بقصف البلدة الاسبانية أثناء الحرب الاهلية الاسبانية لا نرى البلدة نفسها، بل نرى رثاءا عظيما لعالم صار بعد قصف تلك البلدة يتشظى. كل شظية منه تنوء بألم هو بحجم تلك البلدة. لقد تتلمذ بيكاسو على أيدي السحرة الافارقة فصار لا يرى بعينين أغريقيتين. سيكون على مَن يرى لوحات بيكاسو أن ينام كثيرا. سنفر من الواقع يا صديقتي لكي لا نرى داود عاريا. سنعود إلى الخرائط مرة أخرى.أنش كابور الهندي المولود من أم عراقية، هو اليوم واحد من أعظم فناني عصرنا. بوقه في التيت غاليري، مرآته في نيويورك، مرآته الأخرى في شيكاغو، غير أن رمله الملون الملقى على الأرض والذي يذكرنا بالتوابل الهندية لابد أن يعيدنا إلى ماركو بولو. لابد من أن نستعيد الحكاية هنا. ماركو بولو ولد وتوفي في فينيسا (البندقية) ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر ميلادي (1254 ــ 1324). لم يكتب بنفسه بل روى إلى زميله في السجن ما عاشه من وقائع اثناء رحلته إلى الصين التي استغرقت 24 سنة. السجين الآخر هو الذي كتب إذاً. غير أن هناك من يقول أن ماركو بولو قد اختلق تلك الوقائع، بذلك يكون ماركو بولو قد اخترع ماركو بولو. الاول الواقعي صار ينسق خطوات الثاني المتخيل. فعل الرجل ما يفعله كل فنان. الفنان ماركو بولو ارتدى ثياب الرحالة ماركو بولو وصار يمثل دوره، في مسافة طولها 15000 ميلا. حياة كاملة استخرجها ماركو بولو من العدم ووزعها على 150 نسخة مختلفة من كتاب رحلته كُتبت في لغات مختلفة قبل اختراع الطباعة. يمكننا أن نتخيل حالة شخص يرغب في استعادة تلك النسخ وقرآتها بكل اللغات التي كُتبت فيها. يقول المطلعون أن كل نسخة من تلك النسخ كانت تختلف عن النسخ الأخرى، بما تضيف وبما تحذف من وقائع مغامرات الرحالة الايطالي. لم يكن ماركو بولو واحدا إذاً. كان هناك 150 ماركو بولو. هل ذهب الفتى اليانع برفقة أبيه وعمه إلى الصين حقا؟ لن تكون الاجابة على هذا السؤال مهمة وضرورية من أجل قراءة الكتاب. بالنسبة لمن يقرأ فإن الكتاب (العمل الفني) هو أهم من مؤلفه (من الفنان). هل تُنقص حقيقة ان الوقائع المروية في ذلك الكتاب لم تكن واقعية من متعة القراءة؟ شيء من هذا القبيل لا يمكن توقعه. فالشبح الراكض في لوحة ادوارد مونخ (الصرخة) لن يتوقع أحد لقاءه في الشارع، ومع ذلك لا يمكننا سوى تخيل وجوده في كل لحظة. قد يكون ذلك الشخص أنا أو أنت أو هي أو هو. لا فرق. qadqpt