كان اغتيال السياسي والحقوقي شكري بلعيد جريمة سياسية بامتياز. لقد طالته يد الغدر بتدبير محكم وفي ظرف حساس تعيشه البلاد. ظرف حساس لأن الجو السياسي التونسي ملبد بالغيوم وينذر بحدوث عاصفة في كل حين. قتل شكري بلعيد في فترة تنامت فيها المخاوف من الانزلاق في منعرجات خطيرة. احتد التوتر بين الفرقاء السياسيين وأصبح البعض يتحدث عن مغبة الجنوح إلى الاغتيالات السياسية . وكان شكري بلعيد قد نبه إلى ذلك في آخر ليلة من حياته. دخلت البلاد في الأيام الأخيرة في دوامة من العنف: اعتداءات على الاجتماعات الحزيبة هنا وهناك، حرق للزوايا، تهجمات على الاتحاد العام التونسي للشغل.. كلها مؤشرات تنبئ بتعكر الأجواء، وظروف ملائمة لحدوث منزلقات مأساوية تم تدشينها بحدث اغتيال شكري بلعيد.لم يكن الفقيد مستهدفا في شخصه أو في تياره السياسي فحسب بل لأنه يعتبر شخصية نشيطة على المستوى الإعلامي، حيث تكثف ظهوره في المنابر الإعلامية وكانت انتقاداته للحكومة وللحزب الحاكم ولخصومه عموما لاذعة وتثير الكثير من التشنج حتى أنه في آ خر ظهوره، وكان ذلك في قناة نسمة، قد حمّل حركة النهضة مسؤولية التشريع للعنف السياسي. وقد أصبح بلعيد شخصية ذات حساسية إعلامية من شأنها أن توفر حقلا خصبا لزرع فتنة، إذا اغتيل شكري، خاصة وأن تاريخ الاغتيال قد تزامن مع موعد مناقشة قانون تحصين الثورة بالمجلس الوطني التأسيسي لإقصاء التجمعيين من الحياة السياسية، وفي بواكير اليوم حتى قبل افتتاح الجلسة. زد على ذلك فإن الباجي قايد السبسي زعيم نداء تونس كان قد صرح قبل أيام بان الحكومة ستسقط قبل صدور قانون تحصين الثورة. وعليه، فإن العديد من الأطراف السياسية ستوجه أصابع الاتهام إلى بعضها البعض وتسقط البلاد في مستنقع التناحر السياسي، سرطان الثورة. سيناريو الاغتيال كان محبوكا بدقة بين كل هذه القرائن من أجل بث الفوضى في البلاد وإجهاض الثورة التونسية. ولا نستبعد تورط أطراف خارجية في تدبير الجريمة النكراء بعمل مخابراتي ينتهي بتحويل تونسنا الآمنة إلى وجهة العدم وقبر ثورة الحرية والكرامة والديمقراطية إلى الآبد.وختاما، نقول لكل من يكيد لثورتنا ولكل من يحاول أن يغدر بمشروعنا أننا شعب واع ومتبصر بمجريات الأمور. وأننا سنحوّل الحدث الذي أريد به قهرنا إلى شمعة تضيء مستقبل مسارنا الثوري بخطى ثابتة وبإرادة شعبية متماسكة مستبسلة ضد أي عدوان.محمد السعداوي – تونسqmn