الثورة المصرية وتناقضات القوى السياسية

حجم الخط
0

د. فوزي ناجي قام الشعب المصري بثورته في 25 يناير 2011 وكانت شعاراته تركز على عيش، حرية، كرامة وعدالة اجتماعية. لتحقيق هذه الشعارات كان لا بد من إسقاط النظام الديكتاتوري الفاسد واستبداله بنظام ديمقراطي. لنبل هذه الأهداف التف الشعب المصري بكل طوائفه وقواه السياسية، ما عدا أدوات نظام مبارك والمستفيدين منه، حول الثورة وساهموا في نجاح جزئها الأول وهو إسقاط النظام.بعد سقوط النظام مباشرة بدأت التناقضات تظهر على السطح بين القوى السياسية المختلفة وذلك لاختلاف الأهداف للقوى المشاركة في الثورة. القوى العلمانية تريد إنشاء دولة مدنية يُفصل فيها الدين عن الدولة، بينما ترى بعض القوى الاسلامية ضرورة إقامة نظام إسلامي تطبق فيها الشريعة الاسلامية ويكتفي البعض الآخر بأن تبقى الشريعة الاسلامية المصدر الرئيس للتشريع كما كان الحال عليه أثناء حكم مبارك. بعض القوى السياسية المصرية ترغب فعلا في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي يُحترم فيه الآخر. أما البعض الآخر فلم تدخل الديمقراطية في حساباته وإنما ركب الموجة الثورية والمناخ الديمقراطي النابع منها من أجل الوصول الى السلطة وإنشاء نظام لا يمت للديمقراطية بصلة. كما إن إختلاف الأساليب المتبعة لتحقيق أهداف الثورة، وعدم الاتفاق على دستور جديد تؤيده أغلبية الشعب وعدم الاتفاق على مواعيد الانتخابات البرلمانية والرئاسية سببت في تعميق هذه التناقضات. فالقوى الاسلامية أرادت الاستعجال في الانتخابات لتاكدها من نجاحها فيها، بينما رأت القوى الشبابية الثورية ان هناك مصلحة لها في تأجيل الانتــــخابات لأنها حديثة العهد بالتجربة السياسية ولم ترسخ أقدامها بعد على الخريطة السياسية المصرية. وقد شاركت قوى الثورة المضادة في تشجيع التناقضات لخلق الفتن بين القوى الثورية من أجل إفشال الثورة.بعد أن عبّر عبد المنعم ابو الفتوح عن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية فُصل من جماعة الاخوان المسلمين، لأنهم قطعوا العهد على انفسهم بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية. عدم التمكن من المحافظة على هذا العهد بترشيح محمد مرسي بعد رفض ترشيح خيرت الشاطر أظهر التناقض داخل مجموعة الاخوان المسلمين نفسها. بدأت الغربلة السياسية الاولى واستقال عدد من القيادات الاخوانية المعروفة. وقد تم مهاجمة مرسي من قوى إسلامية اخرى مثل الجهاد حيث هاجمه مؤسسها الشيخ نبيل نعيم وحذر من انتخابه لأنه يعتبره كارثة سياسية. وقد أعلن السلفيون عن نيتهم في مناصرة عبد المنعم ابو الفتوح. في الانتخابات الرئاسية كان من الطبيعي ان يحاول كل من المرشحين كسب اكبر عدد من الأصوات. فدخل الانتخابات كل مرشح بمفرده املا بالفوز. وقد شارك من التيار الاسلامي كل من محمد مرسي، عبد المنعم ابو الفتوح ومحمد سليم العوا. وبذلك تفتت أصوات انصار الاتجاه الديني. بعد ظهور نتائج الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية وتبين المواجهة بين محمد مرسي واحمد شفيق في الجولة الثانية وُضع الناخب المصري أمام خيارين أحلاهما مر. بدأت الغربلة السياسية الثانية وظهرت التحالفات بين الخاسرين في الجولة الاولى والمرشحين للجولة الثانية. دعم عبد المنعم ابو الفتوح وانصاره وكذلك السلفيون مرشح الاخوان المسلمين محمد مرسي، بعدما كان ابو الفتوح الوجه الاسلامي المقبول لديهم ولدى قوى شبابية ثورية لتولي منصب رئيس الجمهورية. بينما فضل الكثير من العلمانيين إنتخاب مرشح النظام السابق احمد شفيق ليس حباً في احمد شفيق، وإنما لتخوفهم من قيام دولة دينية في حالة فوز محمد مرسي. وقد كان المقال الذي نشرته د. هدى عبد الناصر، إبنة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، في جريدة الاهرام بتاريخ 2.6.2012 بعنوان ‘حتماً سأنتخب الدولة المدنية’ والتي عبرت فيه عن تأييدها لانتخاب احمد شفيق، خير دليل على ذلك.فاز محمد مرسي في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية بحصوله على اكثر من 51 في المائة من الأصوات، بينما حصل المرشح الخاسر احمد شفيق على اكثر من 48 في المائة من الأصوات. يعني ذلك ان حوالي نصف الشعب المصري مؤيد للتوجه الديني بينما النصف الآخر يؤيد العلمانية ويريد الدولة المدنية. ان التناقضات بين النصفين المختلفين للشعب المصري إذا لم تحل بالحكمة المرتكزة على العقل والمنطق وتغليب مصلحة الشعب والوطن على المصالح الحزبية الضيقة ستؤدي الى الفوضى وعدم الاستقرار وستحرف بوصلة الثورة المصرية العظيمة عن الاتجاه الصحيح وستحرم الشعب المصري من العيش الكريم.الاتهامات التي وُجهت للمجلس العسكري بعضها محق والبعض الآخر فيه تجني على الحقيقة. من الطبيعي أن يُخطئ أعضاء المجلس العسكري لأنهم كباقي البشر يصيبون أحياناً ويخطئون أحياناً اخرى، كما انهم حُمّلوا أعباء جسيمة في الفترة الانتقالية خارجة عن نطاق خبراتهم ومسؤولياتهم. لكنه من المعيب محاولة الحاق تهم الخيانة بهم وبالجيش المصري الذي يمثلونه، لأن هذا الجيش هو الذي حمى الثورة من بطش النظام الديكتاتوري السابق، وخاض الحروب ليس من أجل امن مصر وحسب وإنما من أجل الشعوب العربية كلها. لقد كان هذا الجيش الوطني العظيم وما يزال مصدر فخر واعتزاز للامة العربية بأسرها.تعمل قوى الثورة المضادة الداخلية بجد ونشاط وتلقى الدعم الهائل إقليمياً ودولياً. مهاجمة المنشآت العامة وظاهرة التحرش الجنسي التي ظهرت مؤخراً دليل على محاولة قوى الثورة المضادة لتشويه الوجه الناصع للثورة والثوار وحرفهم عن مسارهم في معركة البناء ومقاومة الفقر والامية والتخلف.هناك من وسائل الاعلام المرئية منها والمكتوبة ما يستغل إرتفاع سقف الحرية كنتيجة للثورة المصرية في إثارة الفتن والنعرات الطائفية لتفتيت المجتمع وإفشال الثورة. يجب التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة بحزم وتوضيح المفاهيم الخاطئة لمعاني الحرية.من المعيب وصف المرأة المصرية بأوصاف غير لائقة من رجال دين جهلة لم يفهموا دينهم فهماً صحيحاً. فدينهم الاسلامي العظيم كرّم المرأة ودعا الى إحترامها وتقديرها. وهم بذلك يتناقضون بتصرفاتهم مع مبادئ الاسلام السمحة والتي تدعو ليس الى إحترام المرأة فحسب وانما الى إحترام أتباع الديانات السماوية الأخرى. تستحق المرأة المصرية كل إحترام وتقدير، وهي التي وقفت جنباً الى جنب مع الرجل في تحمل أعباء الثورة المصرية وساهمت في إنجاحها. لقد تشرفت بالتعرف على ثلاثة نماذج رائعة للمرأة المصرية عندما حضرن إلى ألمانيا في عام 2011، بعد قيام الثورة المصرية المجيدة بعدة شهور، وشاركن في ندوة سياسية عن تجربتهن في الثورة المصرية ونشاطاتهن في ميدان التحرير. كم كنت فخوراً بهن لما قدمنه من طرح رائع لأهداف الثورة المصرية وتطلعاتها المستقبلية، وكانت المسيحية منهن تدافع عن الاسلام وترفض تقديم الدعم للأقباط في مصر فقط كما طالب بعض المشاركين الالمان واصرت على ان الشعب المصري وحدة واحدة لا تتجزأ، والدعم يجب ان يطال جميع أفراد الشعب المصري. فهنيئاً لمصر بنسائها ورجالها صاحبات واصحاب العقول المتفتحة والتي بهم ستصل الى ما تصبو اليه من حرية وتقدم بعد ان تنفض عنها غبار التخلف. رغم الأخبار الغير سارة التي تصلنا عما يحدث في مصر فان التفاؤل لا يزال يغمرني، ومرجعه ايماني بقدرة الشعب المصري العظيم مصدر فخر الامتين العربية والاسلامية على تجاوز المحن والنهوض مجدداً من اجل تحقيق ما يصبوا اليه من حرية وكرامة إنسانية وعدالة إجتماعية وعيش كريم لجميع مواطنيه.’ اكاديمي فلسطيني مقيم في المانيا qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية