صر اع ديناصورات في الاردن

حجم الخط
0

بسام البدارينالتجاذب بين شخصيتين في مؤسسة الحكم خدم ووظف في الماضي لأغراض مفهومة خصوصا إذا أنتج بالحديقة الخلفية للنظام في بلد كالأردن. وقتها كان أحد المسؤولين النافذين يتجاذب أو يتنابز أو يتعاكس مع آخر نظير له ليستفيد النظام أو المواطن ..كانت الدنيا رخاء ولا تشهد ثورات والأوضاع المالية والإقتصادية للدولة أخف وطأة والناس موحدة خلف قلب رجل واحد والموظف العمومي كبر أم صغر أحيط بمرجعية وثمة {نص } يقرأه الجميع في نهاية الأمر.اليوم يتنابز ويتجاذب جميع سكان الطبقة العليا مع بعضهم البعض حتى أن رئيس الوزراء الأسبق معروف البخيت تحدث عن الأمر بصورة كاريكاتورية يوما وهو يشرح كيف تنطفىء الأضواء فجأة داخل مقر رئاسة الحكومة وتنقطع الكهرباء وتنتشر العتمة وينشغل رئيس الحكومة برد الصفعات التي تلتهم رقبته في الظلام أو برفس الأقزام الذين يتعلقون برجليه ويعيقون حركته دون أن يتدخل أحد لمساعدته حتى بإشعال شمعة.صديق خبير يحدثني عن صراع {ديناصورات} في مؤسسة القرار حاليا لا يكتفي بإعاقة التقدم بل يعيق أي محاولة من أي نوع لمناقشة أي مشكلة تواجهها البلاد بجرأة وصراحة ومكاشفة وبإنتاجية. أنتج التجاذب والإستقطاب في الماضي داخل ماكينة النظام لأغراض عدم ترك القيادة أمام خيارات إستراتيجية آحادية وأحيانا لأغراض التسالي فقط .. بقي منتظما وخاضعا وله سقوف وحدود دوما..لم ينتقل يوما لمستوى صناعة القرار ولم يتجرأ على إرسال رسائل متعاكسة للناس أو للإعلام أو للداخل او الخارج وأقام مطولا في ظلام الكواليس وخلف الستارة ولم يشتمه أنف المواطن الذي يعبر الشارع كما يحصل حاليا.تجاذبات الحاضر من وزن أثقل يليق بالديناصورات وتلك كائنات لا ترضى بالهزيمة وتواصل الدوس بأقدامها على كل حبة قمح أو شجيرة خضراء وتسحق المسرات والامال والزهرات ولا تلتفت للوراء وتواصل حراكها الثقيل لتكسر كالأفيال كل الجرار ولتدمر حتى الأرصفة والطرق وهي تتحرك.يحصل ذلك رغم أن البلاد في أمس الحاجة لتوافقات وطنية من كل نوع وصنف ولطبقة من الحكام والوسطاء تتميز بالنزاهة والمسؤولية الوطنية والحرص فعلا على تعزيز رصيد النظام وسط الناس بدلا من إحتراف سياسات بئيسة تسحب ما تبقى من هذا الرصيد. الظروف الدولية صعبة والإقليمية معقدة وفي غفلة من مؤسسات القرار بدأ الشارع يبحث عن تعبيرات مختلفة عن هويته السياسية المستقرة منذ 90 عاما وفي إسترخاء الغفلة نفسها يجتهد سكان طبقات القرار ويلتزمون بأجندات غامضة أو شخصية ويحتكر كل منهم فكرة تمثيل النظام ويحجب متى إستطاع- الملك وقصره عن الشعب لصالح شخصنة مقيتة أو شللية سقيمة.بعض النخب محنطة وتحولت تماما لتمثال {أبو الهول} على حد تعبير صديقنا المهندس أحمد رجوب ..لا ترى لا تسمع لا تتكلم وكل ما تفعله فقط البحلقة في الأفق والجلوس الطويل الممل المضجر في مواقع الصف الأول رغم أن غالبيتها يصلح للمتحف الأن.سعر الدينار بخطر بإعتراف رئيس الحكومة و{الأشقاء} يتخلون عن الأردن و{الأصدقاء} سواء أكانوا في واشنطن أو تل أبيب لم يعودوا في {الجيبة} ولا يمكن إتقاء شرهم …رغم ذلك يحدثك المتميزون بالنكران عن سهولة الأوضاع والثقة بالمستقبل والقدرة على العبور بين المطبات مطالبين بوقف المبالغات والدراميات على أساس أن الدنيا لا زالت {قمرة وربيع}.وتكرس ثقافة إنكار الأزمة والمشكلة لحالة إنفصال تامة عن الواقع الموضوعي في البلاد سمحت بالنتيجة بتواصل مسلسل التجاذبات وفيلم صراع الديناصورات حيث مراكز قوى نافذة وأحيانا مراهقة تستنفد طاقة النخبة والمجتمع وتشغل النظام بإشتعالات وحرائق يحتاج إطفاؤها على طريقة إحتواء آثار العدوان لعشرات السنين.المعادلة الأمنية تقول بوضوح بأن ما يحصل في مجاهل إفريقيا{مالي مثلا} يؤثر على الزرقاء في عمق الوسط الأردني وتقول بأن العبث بالإنتخابات كان سلوكا {إنتحاريا} وأن إسناد محاولة لحصول إنشقاق في الأخوان المسلمين كارثة وطنية وأمنية تهدد قبل كل شيء إستقرار المجتمع …رغم كل ذلك يتواصل مسلسل صراع الديناصورات.البلد بحاجة لكل الجهود والطاقات والتحديات من النوع العملاق والمشكلات معقدة ومتشابكة وإستمرار التطاحن ينتج داخل مؤسسة الدولة عشرات المطابخ الصغيرة حتى بتنا لا نشعر بأي مطبخ مركزي.على ذكر قصة المطبخ لا بد من التوقف وبإختصار عند تحليل طريف سمعته من أحد الخبراء فالمطبخ يتميز ببلاط لامع والأواني متعددة ومتنوعة تجلي كل ساعة ..القلايات مسرورة وسعيدة والأطباق مستقرة بنعومة على الأرفف أما المعالق والشوك والسكاكين فتشكو من قلة الإستعمال لان الطنجرة المخصصة للولائم الكبيرة مثلا ترفض السماح للمغرفة بالإقتراب منها وصنابير المياه دخلت في إضراب والطناجر الصغيرة تتقافز ببلاهة حول الطنجرة الأم وإشعال غاز الطبخ مهمة مستحيلة.الأمر إنتهى بإنقسام أدوات المطبخ لقسمين الأول خامل وساكت وخارج عن الخدمة ولا يستطيع الإنتاج أصلا والثاني يحتك ببعضه البعض ويتبادل الإتهامات..النتيجة الحتمية لمشهد من هذا النوع هي وجود مطبخ بدون عملية طبخ أو طباخين. ثمة أدلة على ذلك.. تارة يتحدث رئيس الحكومة عن إفلاس ويخلط أوراق سوق عمان المالي وتارة أخرى يرفض رؤساء تحرير الإنصياع لتعليمات تطالب بمهاجمة السعودية. فجأة نقر من باب الإصلاح السياسي الجوهري تعديلات تحد من نفوذ محكمة أمن الدولة عندما يتعلق الأمر بمحاكمة المدنيين ثم فجأة نعتقل الحراكيين ونحاكمهم في هذه المحكمة. نمتدح لجنة الحوار الوطني ثم نتجاهل توصياتها .. نطرح رسميا سؤال الفساد ثم ننتقد الحراكيين الذين يسيئون لمصالح البلاد والإستثمار بسبب تركيزهم على الفساد… إقليميا ودوليا لا يختلف الأمر كثيرا في مسألة التخبط فمرة نسمح للجهاديين بالعبور لسوريا ثم نقفل الباب أمامهم ..ومرة ثانية نتحرش ببشار الأسد ثم نعود ونرسل لجنوده خبزا ووقودا …وهكذا دواليك.إستدعيت شخصيا عشرات المرات للدوائر الأمنية في الماضي بسبب تقارير صحافية وخلال كل الإستجوابات حتى الغليظة منها أو التي تنطوي على تهديد لم أخفق إطلاقا في تلمس النص الرسمي المطلوب فقد كان ماثلا بوضوح بين عيني ويدي بدون إجتهادات شخصية.وتوجب علي بدون مراوغة او لف أو دوران أن أقرر أنا أحد خيارين : مخالفة النص وبالتالي تحمل النتائج والكلفة الأمر الذي برر تحويلي بأربع سنوات للمحكمة أكثر من عشرين مرة وقطع المياه والكهرباء عن كل مساحتي المهنية أو تقمص النص والتعليمات والإستجابة لها والتمتع ببعض الإمتيازات والرضى الرسمي الذي ينتهي بالعادة بفتح كل القنوات الممكنة.اليوم لا أتلمس نصا من أي نوع يمكنني محاكمته او تقييمه أو بناء أي موقف معه او ضده.اليوم لم أعد أقرأ الرسالة جيدا في عيون وملامح الموظفين والمسؤولين والعسس والبيروقراطيين وفقدت بوصلتي كغيري من الإعلاميين والسياسيين والمواطنين القدرة على التمييز بين الإتجاهات. بالأمس كنا نسمع لغة واحدة وموحدة واليوم تقال داخل مطابخ النظام ومؤسساته وعبر رموزه عشرات الأشياء الغامضة او المجتزأة التي لا معنى لها وتلتقط آذاننا مفردات وعبارات وتقييمات لا يمكن بناء أي تصور حولها.بالأمس أدركت عشرات المرات وخلال عشرات الإستجوابات أو التهديدات والنصائح الملساء إياها من موظفين أمنيين ومدنيين في السلطة بان من يقف أمامي ليحاسبني أو يهددني أو يحاول هدايتي للطريق القويم {من وجهة نظر السلطة طبعا} لا يتحدث بإسمه ولا يغرد معي خارج النص ولا يجرؤ من حيث المبدأ على فرض أجندته الشخصية على محاورته ومناورته معي بل يوصل رسالة واضحة المعالم من النظام مباشرة يمكن رصدها في بقية الأروقة وعلى جميع المحطات الرسمية. اليوم تختلف الصورة تماما فالكلمات مبهمة والرسائل تصل مشوشة والإعتبارات متعددة والتوجيهات غامضة والحلقات الوسيطة بين الحكم والناس إما ميتة أو خاملة أو {مدعية} والأكثر حساسية أن المواطن الأردني لم يعد يستطيع التمييز إطلاقا بين أجندات المؤسسة وأجندات الأشخاص فيها. بالأمس على رأي زميلنا سلطان الحطاب وقف زملاء كتيبة الإعلام الرسمي للصلاة خلف إمام واحد ..اليوم يشكو الزملاء جميعا من وجود عشرات الأئمة والمرجعيات والآباء حتى إزدحم السوق بالمزاودات وإنتشرت حمى البحث عن إمتيازات وإختلط الحابل بالنابل وتحول الجميع إلى حالة هوس مرضية تبحث عن حقيبة وزارية أو وظيفة إستشارية أو مقعد برلماني.على الديناصورات إلتقاط الرسالة والتوقف عن الإحتكاك فيما بينها والإنشغال بالأهم ..حماية النظام وإنتاج حالة مصالحة وطنية شاملة وتوجيه الطاقات لحماية مصالح الدولة والمجتمع في محيط متقلب وعاصف وحمال أوجه ..دون ذلك إقتراحنا بسيط لصاحب القرار ويقضي بإخراج كل الديناصورات وتماثيل أبو الهول من كل المعادلة وكل المشهد ولمرة أخيرة وإلى الأبد.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية