‘معطفٌ علَّق حياته عليك’ لسوزان عليوان: العلامةُ تكتب الكائن!

حجم الخط
0

طارق إمام (1) يُعكِّر عنوانُ المجموعة الشعرية الأحدث لسوزان عليوان، ‘معطف علق حياته عليك’، صفوَ علاقة مستقرة.. يعيد تأويلها شعرياً ليفجر الدلالة من طرفها الآخر، البعيد والغائب، بالانزياح نحو أفق استعاري محتشد. إنه ـ العنوان ـ توطئة، للألفة التي يكفي تحريك هين في علاقاتها، ليقلب الطاولة على الدلالة الجاهزة، كي تضج بالغرابة. نحن نبصر الوجود، لكن كيف يمكن بالمقابل أن تبصرنا تفاصيلنا؟ تستعير العلامة ـ المعطف ـ الإرادة الإنسانية، وتستعير معها الحياة، وبالمقابل، يتخلى الكائن الإنساني عنهما، ليتجرَد خالق العلامة إلى علامة، بينما تتجسد الأخيرة مستوليةً على صيغة الذات. بامتداد خارطة النص، ستواجهنا هذه الاستعارة الدائبة: ‘الشارع نزهة نفسه’، ‘كراس بكاءة على رصيف’بدوره، يؤسس النص البصري الذي يشكله الغلاف، (والذي صنعته الشاعرة) للأفق ذاته. يختفي الإنسان خلف عالمه، ينسحب لصالح أثره، المرسوم بقدر معتبر من التجريد. الخطوط العفوية توحي بكأسين فوق طاولة تطل على مقعد، ثمة ما يوحي بحزمة ورد، برايِةٍ ـ ربماـ فوق سارية، وفي الخلفية زرقة خشنة يخترقها رسم تلخيصي لبرج إيفل، ثم تأتي الكتلة التشكيلية للعنوان، (بخط يدٍ لا ينطوي على طموح في تجميله أو إخفاء ارتعاشة يد الطفولة البعيدة التي تكتبه الآن)، ملتحمة، مشتبكة مشتجرة، كأنها في الحقيقة مفردة، وليست عبارة يستحيل ردها لمفرداتها الأصغر أو فصل مكوناتها.السؤال الأولي، لن يلبث أن يتعمق بالإيغال في النصوص: أي ذات إنسانية يمكن العثور عليها بمعزل عن علاماتها (ولا أقول أشياءها)؟ إنه سؤال فلسفي تحتشد به القصائد وتعزف من مقامه دون كلل. ثمة أنسنة فادحة للموجودات، لضخ النبض في مسامها، لتنطق، إلى جوار الذات الإنسانية وأحياناً بالنيابة عنها. إنه المجاز الذي أراه ينسحب على العالم الشعري، حيث الذوات الإنسانية تنحني، مرة تلو الأخرى، أمام أثرها السيميوطيقي الذي حمل جوهرها وتشبع به، ليصير الوجود الإنساني هو المعاطف والطاولات، النايات والكمنجات، التماثيل والنوافذ والشبابيك، الفناجين والعربات.. وكل العلامات التي تحوله، في حقيقة الأمر، إلى وجود مشبع بالمعنى، على مسافة ما من أفقه الطبيعي والغريزي الغفل، أفقه المتجاوز للغة الطبيعية، والمشحون بدوره بصيغ الذات الإنسانية التي تشبعه سيميائياً: ‘ليس القمر سوى منطادنا الهارب/ مظلتك الواسعة/ ملاكي في مرآة/ أذرعنا جذور/ عناقها أجنحة’.ربما لذلك أرى أن موقع الذات المبتغى، يقع في تلك المسافة القابلة لإعادة التشكيل، وبحيث يتبدى الكائن الإنساني في نهاية المطاف، مكون في نسيج ثقيل، هو الوجود كتيه شاسع.لن تخون القصائد ما أسسته لافتتها، بست فصول كبيرة، يكاد الحضور الإنساني أن يختزل في عناوينها إلى علاماته: من ‘ألوان الأبيض’، إلى ‘باقة قمر على مفارق’، ومن ‘شبابيك أكثر من الليل’ إلى ‘مواويل مالك الحزين’، ومن ‘لمن تغني النوافير’، لـ’الدرجة صفر من الصحراء’. هنا، ترتدينا المعاطف، مثلما تعيشنا الحيوات، تجلس الطاولات إلينا وتستخدم الأقلام أناملنا لتكتب، ويرى الوجود نفسه بأعيننا.. وكأن الذوات الإنسانية، في قصيدة سوزان عليوان، تقشر عن نفسها وهم الهيمنة، بأناة ورفق، تاركةً يد الوجود تعيد صياغتها. (2) حسب جاك دريدا، يمثل التفكيك ‘حركة بنائية وضد البنائية في الآن نفسه، فنحن نفكك بناء أو حادثا مصطنعا لنبرز البنية التي لا تفسر شيئا، فهي ليست مركزا ولا مبدأ ولا قوة، بالمعنى الكامل، فالتفكيك من حيث الماهية، طريقة (حصر البسيط) أو تحليله، إنه يذهب إلى أبعد من القرار النقدي، من الفكر النقدي، لهذا فهو ليس سلبيا مع أنه فسر كذلك على الرغم من كل التدابير..’وفي النص الكبير الذي تؤلفه منمنمات المجموعة، تتحقق قصيدة النثر عبر خصامٍ عنيفٍ لما يمكن أن ندعوه المركز، أو العصب الأكثر جدارة من غيره بالقبض على مقدرات العالم، أو تحريكه، سواء كان هذا المركز فكرة أو عبارة مركزية تتعرض للتكرار أو إعادة التأمل. عبر هذا التقويض نواجه في اللحظة ذاتها اختباراً عنيفاً للكثافة، وولعاً وعراً بالانزياح. يكاد كل سطر شعري يشكل مركزاً لذاته، ما إن يكتمل وجوده حتى يتم تقويضه.. كأنه قصيدة متناهية الصغر، حلقة مغلقة ومكتملة، تلتصق بحلقة أخرى، لنفاجأ بأنها حلقة مبتورة ما تزال (ربما لن تكتمل أبداً).. وهكذا، نغدو أمام بحيرات ماء صغيرة تشكل نبعاً يتمدد بتمدد العمل الشعري، مكتسباً اتصاله من تقطعاته نفسها.عروسة سكَر في دموعيرفَ من أجنحة دواوينزجاجة عطر عاريةملصق ورقيَبظلال أغصانقصَة نصف شمعة عاشقةتسعة أسابيع من سعيرقشَ قبعة وسط سقفحنين يتأرجح في أنفاس نافذةهاتف لا يهدأزهرة على مدار فنجان’تخاصم القصائد عبر هذا المنحى زيف المركز، وافتعاله. ثمة تقويض دائب لفكرة ‘الجوهر’ القادر على لم حواف الدلالة ونثاراتها مثل مغناطيس (وهو استبعاد عميق للدلالة الجاهزة الماثلة سلفاً، أو الأسبق على الخطاب في الحقيقة). بالمقابل ثمة تكثير للأطراف، غير معني بالتأكيد على الاتفاقي في إحالاته الدلالية، بل يعمل بمعول الهدم على استحضار صورة الفردي شديد الهامشية. إنه مديح خاص جداً لذاتية قادرة على خلقٍ وجودٍ لقارئ واحد، بمعنى قدرة ذلك الوجود على أن يدل بشكل مختلف مع كل مُقارب.في سياق كهذا بالذات، يجدر باللغة الشعرية ذلك النزوع اللاهث لتوليد الصور، وهو عمل دائب، لا يبدو طامحاً لتثبيت صورة أو غرسها شعرياً، بقدر ما ينحو لتقويضها في لحظة تحققها واكتمالها مفسحاً لصورة أخرى، سواء أتت من رحم سالفتها أو انقطعت عنها. المشهدية في قصيدة سوزان عليوان فادحة، كأننا أمام ‘كادرات’ متلاحقة، تومض وتنطفئ خالقةً نثاراً صورياً يعيد مقاربة العالم في تفاصيله متناهية الصغر، وفي أنفاسه القصيرة المتلاحقة. تبقى هذه العملية حافلة بانتقالات عنيفة بين الأمزجة المختلفة، حتى تشكل كل نقلة، سواء جاءت بـ ‘قطع’ أو ‘مزج’ بلغة المونتاج السينمائي، انتقالاً جوهرياً في الحقيقة، يحرك القصيدة دون هوادة من نقطة لأخرى في ما يشبه القفزات. ربما لذلك تتراءى لي مشهدية سوزان عليوان ضد الانسجام، ضد البناء الذهني وفي صف الهدم الدائب وإعادة التشكيل في كل لحظة.. وبحيث يصير المبنى الشاسع للقصيدة هو، بالضبط، أطلالها. ودعماً لذلك المنطق في خلق الصورة، لا تكتفي الدوال هنا بإحالات يسيرة لعالم دلالي يقبع خلفها، لكنها تصنع وعاء سميكاً يعيد خلق العلاقات.. قد تتكئ على مفارقة ذكية، من قبيل ‘ليس رأسي راية لأرفعه’، لكنها أيضاً تذهب لاختراع صيغ لا يمكن مقاربتها إلا من داخل شروطها، مثل ‘تلويحة وداع/ بحس وردة. قصة مصورة/ في قلب فنجان’. ثمة اقتراب عميق من التوليد الأوتوماتي للصور، الذي يميز الدادية والسوريالية، حيث تجوس الصور حرة، بعلاقات لا يمكن العثور على مرجع سهل لها يرقد آمناً خارجها، أو نسق إحالي يسهل فضه برد الصورة المغتربة لمتنها الأليف القائم في نص الواقع.. وبحيث تصبح صورة الوجود أقرب لحلم ممتد.يدعم ذلك التأويل، في تصوري، المساحات البيضاء، التي تمثل غياباً دالاً بين كل حزمة شعرية وجارتها، في إطار النص الواحد. فراغات مقصودة بالتأكيد، ومحسوبة بعناية، فواصل جعلت النصوص تبدو لي مثل عمليات الشهيق والزفير. يلعب التشكيل في نص سوزان عليوان دوراً جوهرياً، لا ينتهي اللعب مع فراغ الصفحة. بهذا المنطق، نحن أمام جدارية كبيرة، مؤلفة من 18 قصيدة، مفتتة بدورها إلى عدد يصعب حصره من المنمنمات الشعرية. أيضاً، علينا ألا نغفل الانعدام الكامل لعلامات الترقيم. لا وجود لسطر ينتهي بنقطة، أو علامة تعجب، أو علامة استفهام.. لا فاصلة حتى.. عليك أن تختار بنفسك إيقاعك في القراءة، عليك أن تختار من بين الاحتمالات يقينك الشخصي بأن ثمة عبارة انتهت هنا، أو أنها ممتدة في ما يليها، ما يتبعه، في أحيان كثيرة، أفق آخر مفتوح على احتمالات التشكيل.(3)لا تخاصم الذات الشعرية الأفق الغنائي، فهي حاضرة دائماً كـ’أنا’ تتملى وجودها، يلتم الوجود الشعري عبر همسها به وتورطها فيه. لا تكاد قصيدة تخلو من الأنا مثلما يحضر، بالمقابل، ‘أنت’، مبهر الحضور، على ضبابية صورته وشبحية وجوده. هذا الآخر، تقدمه الذات بدءاً من العنوان، إنه الذات التي يقدمها العنوان بضمير المخاطَب كمشجب، عَلق عليه معطفٌ ما حياته.لن يمكن اختصار الآخر في وظيفة أو دور. هو ليس مُخلّصاً أو حبيباً أو قناع نبي، وهو أيضاً ليس خصماً أو كياناً مناوئاً مهدداً لصيرورة الذات الشاعرة. مَن الـ’أنت’ هنا؟ أعتقد أن الإجابة، التي أرادتها الذات الشاعرة وحققتها، هي ‘الجميع ولا أحد’. العلاقة بين الذات الشاعرة وقرينها، غالباً استفهامية، كأن العلاقة وجدت ـ فقط ـ من أجل السؤال.. كأنهما ظل وضوء ـ يبدلان موقعيهما مرة بعد أخرى ـ وفي المسافة بينهما تتحقق الماهية.. بينهما يتسلل العالم، ليس فقط ليعيدا تسميته، لكن ليعيد تعريفهما أيضاً، وبين فداحة الحضور والغياب، يحضر الأثر، تتجسد القصيدة. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية